“المسيرة”: إيلي ملكون يا مناضلاً عابراً للمَسَاحات

 

 

 

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1664:

حلو هالشب. في مكان هو بالجرد مع رفاقه، في آخر في استعراض عسكري، في صورة هو في قلب مهمة، وصورة أخرى يقود دبابة، من هنا وأخرى من هناك ودائما بالبدلة العسكرية يتنقل بين صوره مزهوا بحاله، برفاقه، بما هو عليه، او لعلني قرأت في الابتسامات تلك ما أريد ان اقرأه شخصيا؟

أهو شهيد من تلك الساحات التي أحيتنا؟

وفجأة تبدو صورته بالأمس القريب جدا، من كم شهر في بدلة رسمية، إذن هو ليس شهيدا بالمعنى المقاوماتي للكلمة، لكنه مقاوم منذ أول لحظة علم ان الأرض تنده عليه، فعل كل ما عليه وأكثر لأجلها، عاش وعاش وناضل وقرر أنه لن يسلم سلاحه يوما لعدو محتل أوعميل، ولم يفعل، لكن القدر أقوى أحيانا من الأبطال أنفسهم، من كل شيء، الرب أقوى من أي شيء، سلّم عمره لربه حين ندهه، وكان النداء أبكر من المتوقع، إيلي اسكندر ملكون ألا تشتاق للرفاق يا رجل؟

أربع صبايا وشاب وأب وأم وكل الالتفاف العائلي وكل تلك العاطفة المتعطشة لحب الآخر، والأرض كانت هي أيضا بعضًا كبيرًا من ذاك الآخر. وحيد أهله لم يكترث للأمر، ولا لخوف أم او أب او أخت، صلّب يده على عمره والتحق بالبشير، على دعساته مشى كما كثر من الشباب رفاقه، وصار منذ العام 1981 مغوارا في وحدة المغاوير تلك، أولئك الشباب الذين لا يهابون ليلا ولا خطرا، يزرعون الخوف في قلب محتل ويمضون صوب انتصاراتهم. استشهد البشير وبقي المناضلون، حزن كثيرا لكنه لم يكن الوقت للبكاء والتحسّر، اكمل مسيرة النضال مع رفاقه، هو الذي وصفه هؤلاء بالشجاع المتحمس اللي ما بيخاف من شي. الشجاع شارك في الكثير من المعارك وكان بعد تلميذا في الجامعة، لم يترك مقاعد الدراسة ولم يترك بندقية النضال “بيمشوا سوا، مندافع عن الارض ومنتعلم حب الارض وليش لأ” يقول.

لا نكتب “كان” يقول، نحب دائما ان نحكي عنهم بصيغة الحاضر هم الذين لا يغيبون ولا غابوا عشرات السنين، مناضلونا. “كان مندفع كتير ومن الشباب لـ تقدموا بسرعة بالقوات ” يقول عنه احد رفاقه في جبهات الكرامة. لما اندلعت حرب الجبل تلك، ترك الجامعة والتحق بالشباب، “كان وحيد لأهلو لكن فرض حالو علينا فرض، وما يقبل إلا إنو يكون بالصفوف الأمامية بالمعارك. عددنا كان قليل بس المواجهة كانت صعبة وكان من بين أكثر المناضلين شجاعة” يقول عنه المناضل حبيب نمور الذي كان مسؤولا عنه في تلك الفترة، “إيلي كان مناضل حقيقي نجح بحياتو العسكرية ونجح بحياتو بعدين بالخليج، خلصت الحرب وما وقف إيلي مطرحو، متعلم وذكي تقدم بالحياة الاجتماعية وبقيت القضية بالنسبة إلو عيلتو الأساسية إضافة للعيلة الحلوة يللي أسسها، بيحب قضيتو من قلب قلبو ومش للمناصب، وأعطاها كل إمكانياتو المادية والمعنوية ووقت لـ حسّ أنو مش قادر يكمل الطريق سلّم المشعل لسواه” يقول نمور.

ليس النضال بالبنادق والخنادق وحدها. لما كان بدّا كانوا قدّا، ولما حل زمن السلم أيضًا صاروا قدّو، مناضلو “القوات اللبنانية”، خلعوا البدلة الزيتية ليلبسوا الحياة بكل ألوانها ونضالاتها ومواجهاتها، ذهب ايلي الى الخليج، وهناك في دبي أنشأ سيرة حياة ناجحة بكل المعايير، المهنية الاجتماعية والنضالية، “27 سنة وخالي يرسم سيرة حياة مشرّفة بكل معنى الكلمة، يهتم بالرفاق ويرعاهم، ويلاحق طلباتهم، سنة تحرير الحكيم بالـ 2005 أسس مكتب لـ”القوات اللبنانية” وبقي مسؤول عنه حتى سنة 2014، وكانت أهم مرحلة بالنشاطات القواتية ولأول مرة عملنا قداس شهدا بالدول العربية كان سنة 2011 وتكرر الأمر بالسنة التانية، كما عمل مؤتمر الخليج بال2013، كان بشغلو وكأنو عايش على جبهة مغوار، ما بيترك حدن محتاج مساعدة من أي نوع كانت” يقول ابن أخته إدي لحود الذي استلم منه مسؤولية رئاسة مركز دبي لاحقا.

مغوار الجبهات نقل نضاله الى مغتربه، تزوج وصار أبو البنات، ماريا وسوزانا وألكسندرا، قلبه على العيلة الصغيرة، ونشاطه مع عيلة عمره، “القوات اللبنانية”، هناك في دبي لم يجلس في هدوء الغربة ولا موتها البطيء “القوات قضية عابرة للمساحات، حدودنا مش بس لبنان، حدودنا مطرح لـ مننقل هالقضية ع كل الدني” يقول للرفاق كلما التقاهم، وكانوا دائما دائما في اللقاء، إذ قرر ان ينسج لبنانه الصغير الكبير هناك على قدر مستطاعه، وكانت مساحاته تتسع وتتسع من خلال العلاقات الواسعة التي نسجها وفاعليات كبيرة في الدولة المضيفة، ما أثر بشكل مباشر على تسهيل مد الجسور بين دبي والقيادة في معراب، ما أدى لاحقا الى لقاء ناجح جدا بين الحكيم والقنصل في دبي. “الكل كانوا يحترموه، ويعرفوا إنو إيلي عطى حياتو لقضيتو وما بخل عليها ولا يوم، ولا يوم، لا بالمال ولا بالتضحيات ولا بالجهد لـ كان يقوم فيه، مركزنا كان من أنشط المراكز بالدول العربية” بفخر كبير يقول عنه إدي، لكن كلام الاعتزاز يقف عند حدود الأسى، الكثير منه حين يلزم المغوار على الاسترخاء هو الذي لم يرتح يوما في حياته، ولا شهدت عليه الأيام لحظات تخاذل او تراجع أو حتى تململ «خالي إنسان عظيم كتير، عندو كرامة عالية جدا كريم لأبعد الحدود وعندو عنفوان” ماذا حصل؟ ليش الزعل؟!

العام 2007 اكتشف المغوار ان المرض الخبيث بدأ يشق طريقه الى جسمه، لم يستسلم له بطبيعة الحال، بل صارعه وبكل قوة وشجاعة، لا يستطيع مقاتل ان يكون شجاعا في ساحات قتال وجبانا في أخرى، الشجاعة ليست استنسابا هي فضيلة الكبار وكان كبيرا في كل شيء حتى في مواجهته للمرض اللعين “بس كنا بدبي كنت معو بلجنة “القوات” وقبل صدور النظام الداخلي للحزب كانوا المسؤولين يوضعوا بالتعيين، بعد صدور النظام سنة 2014 استقال وانتخبت أنا مطرحو، وفرح فيّي كتير وساعدني وشجعني، خالي ما كان بس مناضل بايام الحرب، كان مناضل أكتر بعد بأيام السلم وبشوف حالي فيه كتير ويا ريت يا ريت ربنا أعطاه بعد عمر تـ يكفي مسيرتو المشرّفة بس هيدي إرادة ربنا إنو ياخد أمانتو هالقد بكير”.

11 عاما صارع إيلي ملكون المرض، ولم يتذمّر يوما، لم يشكُ، لم يخف، “بشكر ربي ع كل شي أعطاني إياه بحياتي، تعبت ولقيت، عيلتي و”القوات” رفاقي كلن نعمة كبيرة بحياتي” يبتسم وهو يدعي انه لا يتألم، لكن الألم كان يحفر في جسده علامات المرض الملعون ذاك، وقرر ان يعود الى لبنان، لبنان أرض قلبه، سيرة من سيرة حياته، لنقل لبنان حياته، منذ 25 عاما خلع البدلة الزيتية لكنها بقيت عالقة على جلده، تلبسه في كل خطوة وكل خطواته محفورة بالنضال، حمل قواته في عمره ونشرها رسالة قيم وأرض ووطن وهو خارج حدود الوطن جغرافيا، ترك لبنان وبقي فيه ولما عاد كانت بدأت مرحلة الاستعداد للانتخابات النيابية، وشارك بأجمل نشاط لمعراب بالنسبة إليه، قداس الشهداء في أيلول الشهداء، كان مريضا صحيح لكن سُهّلت له الامور ليتمكن من الحضور، وكان في غاية السعادة لأنه التقى الحكيم والرفاق هو الذي يثق ثقة عمياء بقائده وينتفض غضبا إذا ما سمع انتقادا في غير محله «لازم نشتغل قد ما فينا تـ نوصّل ع “القوات” العالم المظبوطة، لازم نشتغل وما ننق وننتقد من دون طائل” يقول دائما.

في مرحلة الاستعداد للانتخابات، وتحت وطأة الألم الشديد، يتعالى على ألمه، ويسأل ويستفسر عن المرشحين، عن الحركة في المناطق، عن إمكانيات الربح والخسارة، كان يريد ان تجتاح “القوات اللبنانية” المناطق كافة “عنا أحلا ناس بـ”القوات” وما حدن رح يخلّص البلد إلا نحنا، صلوا للعدرا تنجّحنا وترافقنا وترافق الحكيم”.

27 آذار 2018 ليلا، قرر ابن العذراء ان يريح المناضل من آلامه، جاءت أم الله وألبست المغوار ثوبا من ضيائها، قالت له تعال يا بني تعبت كثيرا على الأرض، ناضلت، جاهدت، أحببت وأعطيت ناسك كل قلبك، على القلب الكبير ان يرتاح الآن في الحب… ومضى إيلي اسكندر ملكون وصار المناضل شهيدا، ليس على جبهة وبندقية، الشهادة ليست فقط دماء حمراء تروي تراب وطن، الشهادة أيضا شهادة حياة في نضالها، وإيلي ملكون وقبل ان يمضي في ضيائه أعلن وبسمة الرجاء تعلو وجه المقاوم “أشهد أني أحببت ربي، أرضي، قواتي، عيلتي، أشهد أني ناضلت حتى آخر الأنفاس” وليس عندنا آخر الأنفاس مع يسوع، بل تجدد في الحياة وها هو إيلي في حياته متجددا…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل