
بمناسبة ذكرى استشهاد المفكر والكاتب والصحفي سمير قصير الذي كان وسيبقى رمزًا للكلمة الحرة ولنبض الثوار والأحرار المناضلين، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني من كتاب قصير “عسكر على مين” الذي صدر عام 2004، مقالًا كتبه الشهيد قصير لشهيد “القوات اللبنانية” رمزي عيراني.
لا تقصير، لامبالاة، لامسؤولية
لم يرد هذا الإجراء في اتفاق الطائف ولا في اي من جلسات مجلس النواب منذ عام 1991، ولا في قرارات الحكومة المتعاقبة، لكن الامر لم يعد يحتمل الشك: لقد جرت في لبنان الجمهورية الثانية، وبموازاة عملية إعادة دولة بناء الدولة واعمار الإقتصاد ـ والإثنان زاهران كما هومعروف – ثورة لغوية خطيرة. لا أحد يستطيع أن يقول أي مجمع سري قام بها، لكن نتائجها واضحة. شُطبت كلمات من المعجم وتم تحريف معاني كلمات أخرى، واشتقت مفردات لم نفهم بعد بالكامل ما الذي تعنيه.
من الكلمات التي حُذفت: استقالة، مسؤولية، عام (كما في “الشأن العام” أو “المصالحة العامة”)، حرمة (كما في “حرمة الفرد”)، محاسبة، شفافية، عزم وثبات… أما الكلمات التي تبدّل معناها، فمنها سلطة، استقلال (كما في “استقلال القضاء” وأيضًا في “صون الإستقلال”)، قضاء (راجع المثل السابق)، تحقيق، ومرجعية وجهاز (جمعه أجهزة) وأمن وممسوك واستقرار… ومن المشتقات التي طالت الجمهورية الثانية “لا ـ تقصير”، “لا ـ حقائق”، “لا ـ أسئلة” ولا من يُسالون.
فقط الكثير ممن يحزنون
لا يمكن تجاهل أهمية هذه الثورة اللغوية. فهي وحدها تفسّر لماذا لا يحرك أحد ساكنًا عندما يحدث أمر يقض مضاجع المواطنين. وماذا تراهم يفعلون؟ لا يستطيعون القيام بتحقيق يفضي الى نتائج. ففي العرف الجديد، التحقيق هو ما لا يؤدي الى كشف شيء، اللهم إذا كان الشيء مرسومًا سلفًا. ولماذا يحققون؟ الأمن حكمًا “ممسوك” وهو أصلاً شأن يخص الدولة، ولا علاقة لعامة الناس به. وحتى إذا حققوا، فإن كلمة “لا ـ تقصير” وجدت لذلك. أما أن يتحرك حس المسؤولية، فهذا محال لانعدام الكلمة والمفهوم، ولا مجال لتوقع استقالة أحد للسبب عينه.
وفي أي حال، لا فائدة من ذلك، فـ”المرجعية” هي التي تقرر، تقيل ولا تستقيل.
حسنًا، فلنسأل إذًا المرجعية، السورية طبعًا. هل يناسبها شيوع صورة الإضطراب في لبنان وعنه، وهي القيّمة عليه حتى إشعار آخر؟
لا يتفق ذلك مع ما صار معروفًا من التوجه السوري الجديد، مثلما تم التعبير عنه في قمة شرم الشيخ. فرغم ما قيل عن 17 ايار جديد، وضرورة التصدي له، إن انضواء سوريا تحت راية مكافحة العنف لا تحتمل، في العصر الأميركي الراهن، التعامل مع لبنان كساحة مفتوحة، بل تستلزم تحركًا سريعًا، إذا ثبت أن آخرين يفعلون ذلك. وهذا ما يبدد أيضًا احتمال ان تكون سوريا غير مبالية حيال ما يجري. فلماذا لا تحفز وكلاءها المعتمدين في إدارة شؤون البلد على اداء أكثر اقناعًا؟ ربما هو ثقل العادات السيئة، او عدم الكفاية، أو غياب الجدية المزمن…
يقول المولجون رعاية الأمن، إن لبنان أكثر أمانًا من معظم البلدان في العالم. قد يكون ذلك صحيحًا، ليس كما يقال لأنه “ممسوك” بل لأن المجتمع اللبناني الذي سئم العنف، أظهر في العقد الأخير إرادة لم تكن متوقعة في استعادة انماط من العلاقات السلمية في تدبر شؤونه. ايًا يكن السبب، إن واقع الأمان الذي يعتدّون به هو ما يجعل خطف مواطن في وضح النهار وقتله فضيحة سياسية، وبمعزل عن دوافع القتل والخطف.
وقل فضيحة مزدوجة لأن الضحية (رمزي عيراني أحد المسؤولي في تيار “القوات اللبنانية”) شخص معروف من الأجهزة الأمنية.
عندما تحصل فضيحة من هذا النوع في بلد ما، حتى ولو كان أقل امنًا من لبنان، تكون ردة فعل السلطة السياسية اتخاذ اجراء يدفع عنها تهمة اللامبالاة، فيستيقيل الوزير، أو يقال موظف. ليس من الضروري أن يكون الوزير أو الموظف متقاعسًا فعلاً عن مهماته، ويحدث في كثير من الأحيان أن يذهب كبش محرقة. المهم أن ترد السلطة بخطوة واضحة للقول إنها أخذت على محمل الجد قلق المواطنين.
هذا ما لم تفعله السلطة في “لبنان الأكثر أمنًا”، وأخشى ما تخشاه أن يفهم منها خطأً انها أخذت شيئًا على محمل الجد. فكيف بالمواطنين،هذا الشيء الذي لم يستحق حتى أن يبقى في معجمها؟