

خاص “المسيرة”: واشنطن – العدد 1664
يجمع كبار المحللين والباحثين في أبرز معاهد الأبحاث المتخصصة في واشنطن، ومن خلال أبحاثهم عن ديناميكيات الصراع في المنطقة على أن مشهد الحرب في سوريا يظهر يوماً بعد يوم أكثر تعقيداً على الرغم من بعض المؤشرات الميدانية التي توحي بأن نظام بشار الأسد المدعوم من الراعي الروسي والوكيل الإيراني بات يملك المبادرة على الأرض في أكثر من منطقة بعدما وسع المساحات الجغرافية التي تدور في فلكه، ويعتبرون أنه على الرغم مما تحقق فإن معاناة سوريا بعيدة عن الانتهاء وأن مكاسب هؤلاء اللاعبين العسكرية قد تكون أكثر هشاشة مما تبدو عليه.
ولذلك فإن المطالبة الروسية بمغادرة القوات الأجنبية الأرض السورية بما فيها القوات الأميركية تبدو اليوم بعيدة المنال وليس هناك أي مؤشرات على أي تحرّك عملاني على أرض الواقع بإستثناء متابعة تنفيذ مناطق خفض التصعيد، وتثبيت تواجد معظم القوى الإقليمية والدولية والمحلية في الأرض السورية، مما يجعل الستاتيكو السوري ثابتاً غير متحرّك في المدى المنظور على وقع المعارك المتنقلة بين منطقة وأخرى وسعي نظام الأسد عبر روسيا وإيران لتوسيع سيطرته على العدد الأكبر من الأراضي في سوريا، وكان لافتاً دخول واشنطن أخيراً على خط تحذير روسيا ومطالبتها بالوفاء بالتزاماتها بموجب بيان الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين العام الماضي حول ترتيبات مناطق خفض التصعيد. وقد استجاب بوتين لهذا الطلب وأعلنت روسيا أن الجيش السوري وحده سينتشر جنوب سوريا.
مصير إتفاقات خفض التصعيد و”تحذير” واشنطن المباشر
لقد جرى التوصل إلى اتفاقات خفض التصعيد شرق دمشق وشمال حمص بضمانة روسية ورعاية مصرية، ولكن الاتفاقات الأخرى في مناطق مختلفة جرت من خلال رعاية مباشرة عسكرية ودبلوماسية لدول الجوار لسوريا إضافة إلى دور كل من أميركا وروسيا. حيث إن اتفاق خفض التصعيد في جنوب غربي البلاد حصل باتفاق روسي – أميركي – أردني بعيداً عن عملية آستانة، فيما يقع اتفاق إدلب ضمن عملية آستانة التي تضم روسيا وتركيا وإيران. أما منطقة شمال شرقي البلاد، فإنها خاضعة حالياً للترتيبات المتفق عليها مسبقاً بين القوات الأميركية والروسية العاملة في سوريا والتي تضمن تنسيقاً عسكرياً لعدم التصادم بين القوتين الأميركية والروسية، وقد جعلا نهر الفرات بمثابة الحدود الفاصلة بينهما بعد انتهاء المواجهات ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية.
أما بالنسبة لمنطقة خفض التصعيد في جنوب سوريا فجاءت على هامش قمة هامبورغ خلال الصيف الماضي، حيث اتفق الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين على خطة مشتركة أعلنت بشكل رسمي في تشرين الثاني الماضي، وتضمنت الخطة بنداً لتعزيز وقف النار، وإيصال المساعدات الإنسانية والوصول تدريجياً إلى الخفض والانسحاب النهائي للقوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من المنطقة لضمان سلام أكثر استدامة، وتؤكد المصادر أن الجانبين الأميركي والروسي إتفقا ضمناً على أن يشمل الانسحاب عناصر الميليشيات الإيرانية و”حزب الله” من تلك المنطقة. وقد جرى بعد ذلك التوصل إلى خطوط تفاهم أخرى، قضت بتأسيس مركز مراقبة في عمان لتنفيذ اتفاق خفض التصعيد في الجنوب.
وقد تواصلت جهود مختلف اللاعبين من أجل أن تصمد هدنة الجنوب، حيث كان لافتاً أن واشنطن قدمت تنازلاً جوهرياً وأساسياً وإعتبر بمثابة تراجع واضح عن دعم المعارضة السورية المعتدلة، حيث جمدت العام الماضي، البرنامج السري لدعم فصائل المعارضة بقيادة وكالة المخابرات المركزية الأميركية وأوقفت أيضاً الدعم العسكري والمالي لنحو خمسة وثلاثين ألف مقاتل معارض في جبهة الجنوب، إلا أن الخارجية الأميركية إضطرت إلى إصدار بيان رسمي وواضح تضمن تحذيراً من أن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات حازمة ومناسبة، ردّاً على انتهاكات وقف إطلاق النار في الجنوب وللحؤول دون تمدّد العمليات العسكرية الروسية السورية إلى جبهات الجنوب، وأفيد بحسب مصادر دبلوماسية في واشنطن بأن الخارجية الأميركية أرسلت عبر القنوات الخاصة تحذيراً إلى موسكو لمنع جيش النظام السوري وحلفائه من شنّ أي عملية عسكرية في تلك المنطقة.
وأعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر ناورت أن الولايات المتحدة تشعر بالقلق من التقارير التي أشارت إلى عملية وشيكة لنظام الأسد في جنوب غربي سوريا، ضمن حدود منطقة تخفيف التصعيد التي تم التفاوض عليها بين الولايات المتحدة والأردن والاتحاد الروسي في العام الماضي، وتم التأكيد عليها بين الرئيسين ترمب وبوتين في دا نانغ في فييتنام في تشرين الثاني. وأكدت الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالحفاظ على استقرار منطقة تخفيف التصعيد في جنوب غربي البلاد، ووقف إطلاق النار الذي تقوم عليه. وتحذر أيضاً النظام السوري من أي أعمال قد توسِّع دائرة الصراع أو تعرِّض وقف إطلاق النار للخطر. ستتخذ الولايات المتحدة إجراءات صارمة ومناسبة رداً على انتهاكات نظام الأسد بصفتها ضامناً لمنطقة خفض التصعيد مع روسيا والأردن. وتابعت: «إن روسيا مسؤولة على النحو الواجب كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي لاستخدام تأثيرها الدبلوماسي والعسكري على نظام الأسد لوقف الهجمات وإجباره على وضع حد لأي هجمات عسكرية مستقبلية. يجب على روسيا أن تفي بالتزاماتها المعلنة وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254 ووقف إطلاق النار في جنوب غربي سوريا بحسب ما هو محدد في بيان دا نانغ بين الرئيسين ترامب وبوتين».
المطالبة الروسية بإنسحاب القوات الأجنبية
لم تكد تمضي أيام قليلة على مطالبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد إستدعائه رئيس النظام السوري بشار الأسد للمرة الثالثة إلى منتجع سوتشي، بضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا، إلى أن جاءه “الردّ المزدوج” من النظام نفسه ومن إيران أيضاً، وهذا الردّ حمل أبعاداً عدة:
أولاً: على الرغم من تحديد مبعوث الرئيس الروسي ألكسندر لافرينييف للقوات الأجنبية من خلال إعلانه صراحة أن هذا التصنيف يشمل إيران و”حزب الله” وتركيا وأميركا، إلا أن الردّ المباشر جاء من إيران قبل أن يستتبع بموقف لنائب وزير خارجية النظام السوري، حيث أن الخارجية الإيرانية ردت على إقتراح موسكو مباشرة بأن وجود إيران بناء على طلب الحكومة الشرعية، الأمر الذي كرره نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد.
ثانياً: أظهرت المطالبة الروسية هذه دليلاً واضحاً على إستياء موسكو من دور إيران وميليشياتها في سوريا التي تنشر الفوضى الخلاقة في هذه البلاد عبر عناصرها المسلحة إن من خلال «حزب الله» أو عبر الميليشيات المسلحة التي أنشأها النظام وقد أظهر نشر صور اعتقال الشرطة العسكرية الروسية لعناصر من “الشبيحة السورية” مثالاً آخر على الإستياء الروسي.
ثالثاً: شكل الرفض الإيراني المباشر للإنسحاب من سوريا بمثابة رسالة مزدوجة للنظام وروسيا في آن، حيث أن طهران مستاءة من الاتفاقات الرسمية التي وقعتها موسكو مع نظام دمشق والتي أعطت الغطاء الشرعي لوجود القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم، كما أنها أرادت الضغط على نظام الأسد لكي تستحصل على براءة ذمة قانونية لشرعنة وجود ميليشياتها في سوريا، وهو ما رفضه نظام الأسد بشكل ضمني حتى الآن فعلى الرغم من تقديره لدور إيران و”حزب الله” في مساعدته في القضاء على المعارضة المسلحة إلا أن النظام يدرك أولاً أنه لولا المساعدة الروسية المباشرة عبر الطيران لكانت دمشق على قاب قوسين أو أدنى من السقوط في أيدي المعارضة المسلحة التي لم تستطع إيران ولا ميلشياتها صدّها، كما أن النظام ممتعض بشكل كبير جداً من “الخلفية العلوية” من ممارسات إيران في تغيير الأرض والهوية الدينية لمناطق النفوذ الإيراني في سوريا، وهذا الأمر لن يكون في مصلحة النظام العلوي في سوريا على المدى البعيد.
رابعاً: حاولت إيران تغطية رفضها الانسحاب من سوريا، بإعادة تمركز قواتها وعناصر «حزب الله» في عدد من الجبهات، في ظل محاولة النظام فك الاشتباك الإقليمي لا سيما في ضوء إزدياد الغارات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية وغض الطرف الروسي عنها، والعودة إلى الوضع السابق بين سوريا وإسرائيل لعام 1974 الذي يتضمن منطقة محايدة ومنطقة منزوعة السلاح وأخرى محدودة السلاح تراقبها قوات الأمم المتحدة لفك الاشتباك المنتشرة في هضبة الجولان.
في ضوء كل ما تقدّم فإن أصدق تعبير عن المرحلة المقبلة في سوريا هو ما عبرت عنه مجلة ال»فورين بوليسي» في مقالة لجوناثان سباير بالقول: «إن سوريا تتجه بشكل متزايد نحو التقسيم الواقعي مصحوبًا بالصراع العسكري المستمر على مستوى منخفض وصراع سياسي بطيء – ما يسمى «بالصراع المُجمد». ربما كان هذا هو الهدف طوال الوقت بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي بدأ وأدار مثل هذه الصراعات في أماكن أخرى، بما في ذلك جورجيا وأوكرانيا.
وهناك لاعبون مهمون آخرون في سوريا، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا والمتمردون من العرب السنة، ربما يكتشفون كذلك أنهم سيكونون راضين عن هذا الواقع الجديد. وعلى نقيض ذلك، فإن أوضح الخاسرين هو نظام الأسد وإيران.
توزع القوى العسكرية الموالية للنظام
تسيطر القوات الموالية للنظام حالياً على أكثر من 50 في المائة من الأراضي السورية وما بين نصف وثلثي سكانها. لكن سيطرة النظام على العديد من المناطق لا تزال غير مؤكدة بسبب غياب القوات الموالية والكفوءة والقدرة المؤسسية. وفي حين تمكنت القوات الموالية للنظام من “تطهير” العديد من المناطق التي استعادتها، إلا أنها مرهقة، لذلك يبقى أن نرى ما إذا كان بإمكانها “الاحتفاظ” بها. (وبالفعل، شن تنظيم «الدولة الإسلامية» مؤخراً هجمات لاذعة في مناطق – مثل تدمر ودير الزور – كان قد تم «تطهيرها» مراراً من قبل القوات الموالية للنظام). إن نقل المقاتلين المتمردين وعائلاتهم من المناطق المستعادة إلى محافظتي إدلب ودرعا – في إطار ما يسمى باتفاقيات المصالحة التي هي في الواقع أبعد ما يكون عن هذا المفهوم – سيسهّل مهمّة التطهير هذه، لكن القوات الموالية للنظام ربما لا تزال تواجه مقاومة مسلحة متجددة في هذه المناطق من قبل جيل جديد من المعارضين. وطالما بقيت القوات الأمريكية في شمالي شرقي سوريا وفوق أجواء تلك المناطق، فبإمكانها منع إعادة استحواذ النظام على ذلك الجزء من البلاد – الذي يشمل بعض أهم المناطق المنتجة للنفط والمناطق الزراعية الأكثر إنتاجية.
وربما لدى الجيش السوري ما بين 10 و20 ألف جندي جاهزين للعمليات الهجومية في مختلف أنحاء البلاد. وقد تمّ تأمينهم بشكل أساسي من “الفرقة المدرعة الرابعة” و”فرقة الحرس الجمهوري” و”قوات النمر” وعناصر من “قوات الدفاع الوطني”. أما سائر أفراد الجيش السوري – بمن فيهم بقايا عدة فرق من الجيش النظامي ومعظم “قوات الدفاع الوطني”، والفيلقين الرابع والخامس المشكلين حديثاً، و”قوات الدفاع المحلية” (المؤلفة من ميليشيات مختلفة موالية للنظام)، وأجهزة الاستخبارات التابعة للنظام – فربما يتراوح عددهم الإجمالي بين 100 و150 ألف عنصر مسلح. والكثير منهم من المجندين والمتطوعين من كافة الأعمار لم يتلقوا تدريباً جيداً، إلى جانب عناصر ميليشياوية مساعدة مسؤولة عن الأمن المحلي في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام. ولا يمكن الاعتماد عليهم لتنفيذ عمليات خارج مناطقهم.
ويؤمّن مقاتلون من “حزب الله” اللبناني (6,000-8,000 مقاتل)، وإيران (2,000 مقاتل)، ومقاتلون شيعة من العراق وأفغانستان وباكستان (10,000- 20,000 مقاتل)، وفرقة روسية برية وجوية صغيرة نسبياً، القسم الأكبر من قوة النظام القتالية الهجومية. وتمكنت قوات موالية للنظام من الاستعانة باحتياطي كبير من المقاتلين الشيعة الأجانب لتعزيز جهودها – في حين انخفض تدفق المقاتلين الأجانب السنّة المناهضين للنظام إلى حد كبير نتيجة تشديد الرقابة على الحدود والهزائم التي مني بها تنظيم “الدولة الإسلامية” في ساحة المعركة.
وتقوم القاعدة العامة التي يعتمدها المخططون العسكريون على ضرورة وجود 20 جندياً لكل ألف مدني خلال عمليات ضمان الاستقرار. ويعادل ذلك قوة تتألف من 200,000-240,000 جندي لكي يتمكن النظام من السيطرة على ما بين 10 و12 مليون شخص يعيشون حالياً وفقاً للتقارير في المناطق الخاضعة له نوعاً ما. وهذا أكثر بكثير من عدد العناصر التي هي حالياً بتصرف القوات الموالية للنظام. لكن بعد مرور سبعة أعوام على الحرب، أصبحت قوات المتمردين مستنزفة ومرهقة أيضاً – وتشهد انقسامات لم تعهدها سابقاً. وبالفعل، قد لا تكون قادرة بعد الآن على المقاومة بشكل مستدام في معظم الأماكن.
إضافة إلى ذلك، لم ترسل إيران أبداً أكثر من جزء من نسبة مئوية من قوتها البرية المؤلفة من 450,000 عنصر للقتال في سوريا (ويشمل هذا العدد الإجمالي 100,000 في «فيلق الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني، و350,000 في «أرتش»، أو الجيش النظامي). كما أنها لم ترسل قط سوى الحدّ الأدنى المطلوب من المقاتلين لإبقاء الأسد في السلطة – لذا فهي «لم تستنزف» أبداً قدرتها على مساعدة النظام.
يذكر أن المستشارين والمقاتلين من “الحرس الثوري الإسلامي” في سوريا كانوا على استعداد لتحمل المخاطرة نوعاً ما، في حين أن صناع القرار في طهران كانوا يعزفون باستمرار عن المخاطرة. وإذا حظي «الحرس الثوري» بسلطة أكبر في صنع القرار في طهران، فقد ترسل إيران قوات إضافية إلى سوريا لتمكّن نظام الأسد من القضاء على أعدائه المحليين – على الرغم من أن ذلك قد يثير بدوره ردود فعل ساخطة من قبل الإيرانيين الذين يعارضون الدور الذي تضطلع به بلادهم في سوريا. وبالتالي، لا يجب أن تتفاجأ الحكومة الأميركية إذا ما عززت إيران موقعها في سوريا – كما فعلت في أيلول 2015، عندما زادت عناصرها لفترة وجيزة بالتزامن مع تدخل روسيا في البلاد للمساعدة على وقف هجوم المتمردين الذي هدّد صمود نظام الأسد.
ديناميكية الحرب المدنية
ويعتبر مايكل آيزنشتات وهو مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن نظام الأسد سيواجه العديد من التحديات الإضافية التي جرى تحديدها في التقارير الأكاديمية حول الحروب الأهلية. أولاً، من المرجح أن تزداد معاناة البلدان، التي تحملت حرباً أهلية، من الانتكاس. وسوريا هي مثال على ذلك: فقد شهدت تمرداً مضاداً لفترات طويلة من قبل جماعة «الإخوان المسلمين» بين عامي 1976 و1982، لذلك فهي تعاني الآن من حرب أهلية ثانية. وثانياً، إن الحروب الأهلية التي تنتهي بانتصار عسكري واضح من جانب واحد هي أقل احتمالاً بأن تؤدي إلى تجدد الصراع من التسويات التي تترك القدرات العسكرية الكبيرة سليمة. وليس من الواضح ما إذا كان نظام الأسد قادراً على تحقيق انتصار مطلق؛ وتبقى جيوب المتمردين قائمة في محافظتي إدلب ودرعا وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في شمال شرق البلاد، وتحظى بعض هذه المناطق بحماية قوى أجنبية. علاوةً على ذلك، من غير الواضح ما إذا كانت انتصارات النظام ستؤدي إلى فترة مطوّلة من الهدوء، كما حصل بعد انتصارات الأرض المحروقة التي حققتها سوريا في حماة (1982). وستعتمد النتيجة في سوريا، كما في أي دولة أخرى، جزئياً على مدى إرهاق الشعب السوري وقبوله بالهزيمة، وعلى فعالية الجهاز الأمني الداخلي للنظام. وحتى في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، قد يكون «نصره» غير كامل ففي حين أن بعض المناطق قد تكون هادئة، قد تبقى أخرى مثيرة للمتاعب. كذلك، إن استخدام الحكومة التركية لعناصر من «الجيش السوري الحر» المناهض للنظام في قتالها ضد «حزب الاتحاد الديمقراطي» السوري الكردي في شمالي غربي سوريا يضمن على الأقل صمود جزء من المعارضة ضد الأسد.
ويشير الباحث آيزنشتات إلى أنّ التوترات والانقسامات داخل نظام الأسد يمكن أن تبرز إلى الواجهة. فقد أسفرت الحرب الأهلية عن إنشاء نخب جديدة مضادة تابعة لأمن النظام في أوساط “قوات النمر” و”قوات الدفاع الوطني” و”قوات الدفاع المحلية”، وقد يطالب قادة هذه المنظمات بحصة أكبر من غنائم الحرب وحوكمة ما تبقى من سوريا. وقد يتنامى الاحتمال الدائم بتصاعد وتيرة العنف في أوساط النخبة الأمنية العنيفة التابعة للنظام – خاصة إذا قام الأسد وإيران بجر سوريا إلى حرب مدمرة مع إسرائيل قد تؤدي إلى وقوع خسائر فادحة في صفوف القوات الموالية للنظام.
ويؤدي هذا التقييم الموجز للحرب الأهلية في سوريا إلى عدة استنتاجات، منها أنها ربما لم تنته بعد. فقد تؤدي عودة القوات الموالية للنظام إلى المناطق ذات الأغلبية السنية إلى تجدد المقاومة، في حين أن الصراعات المستمرة بين الأتراك والأكراد، وإسرائيل وإيران، والولايات المتحدة ونظام الأسد، قد تتداخل أو تتصاعد وتيرتها بطرق غير متوقعة. وهكذا، فإن الغزو التركي لبلدة عفرين في شمال غرب سوريا قد أبعد المقاتلين الأكراد من المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الشرق، مما أدى إلى عرقلة العمليات العسكرية هناك. وعلى نحو مماثل، قد تؤدي الحرب بين إسرائيل وإيران (وربما «حزب الله») إلى إلحاق أضرار كبيرة بالقوات الموالية للنظام، وتخفيف قبضتها على المناطق التي استعادتها من قوات المتمردين، مما يمنح المعارضة أملاً جديداً.
ويتابع الباحث بالقول، إن العوامل التي غالباً ما جعلت من الصعب على الولايات المتحدة وحلفائها تعزيز الانتصارات العسكرية في الشرق الأوسط، قد تجعل أيضاً من الصعب على خصوم الولايات المتحدة القيام بذلك، مما يوفر لواشنطن فرصاً للعمل مع حلفائها لتقويض هذه المكاسب العسكرية أو الحدّ منها.
وبالتالي، فإن القوات المرهقة الموالية للنظام في سوريا، التي تعتمد على خطوط اتصالات منكشفة تمر عبر مناطق ذات أغلبية سنّية، معرّضة لإستراتيجية سرية مكلّفة تستخدم وكلاء عصابات لمنع نظام الأسد من ترسيخ مكاسبه. والآن بعد أن أصبح تدخل طهران في سوريا قضية سياسية في إيران، فقد بات مصدراً لضعف النظام الإيراني – خاصة إذا ما زادت تكاليف تدخله، وإذا ما أدى تدهور الوضع الاقتصادي في الداخل إلى إرغام طهران على تقليص مليارات الدولارات من المعونات الاقتصادية السنوية التي تساعد نظام الأسد على الصمود. وقد تؤدي مثل هذه الاستراتيجية أيضاً إلى تقويض القوى الموالية للنظام في سوريا، مما يحدّ من قدرتها على تهديد المناطق التي لا تزال خارج سيطرة النظام، وإحداث تدفقات جديدة من اللاجئين المزعزعة للاستقرار. كما أن المقاومة المتجددة للقوات الموالية للنظام في المناطق التي استعادتها هذه الأخيرة، قد تمنح الولايات المتحدة فرصاً إضافية لرسم معالم التطورات في سوريا وتنفيذ إستراتيجية فيها.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]