
لم تكن معاناة لبنان في “طبيعته” عادية، فمنذ عشرات السنين، وبلاد الأرز تئن من الإهمال البيئي الذي يلحقها، من أبسط أدوات التلوث الى الأكثرها ضراوة.
لا المعامل تصرف نفاياتها بالشكل الصحيح، ولا مياه البحر نظيفة، ولا خطة حقيقية للنفايات التي افترشت الشاطىء منذ اشهر، في ابشع منظر وأسوء مشهد عاشه لبنان. حتى الغابات لم تعد تسلم، في مشهد يتكرر سنويًا، ملتهمًا الأخضر واليابس. نعم. هناك حيث الاشجار تشمخ عالية الجبين، الخطر متربص… إنه موسم الحرائق الذي بات يهدد هوية البلاد الطبيعية.
فبحسب وزارة الزراعة، كانت المساحات الحرجية تصل الى 74 في المئة من مساحة لبنان، لتتدنى ملامسة الـ13 في المئة من الغابات، وعشرة في المئة من الأراضي الحرجية.
الغطاء الحرجي في لبنان، تقلّص بشكل مخيف، منذ ستينات القرن الماضي حتى اليوم، وتشير الارقام الصادرة الى هول الفاجعة، فقد سجّل لبنان عام 2016، 260 حريقًا قضى على 1870 هكتارًا من الأراضي الحرجيّة.
وتعود أسباب الحرائق بالدرجة الأولى الى تنظيف الأعشاب بواسطة النار، رمي أعقاب السجائر المشتعلة في المساحات اليابسة، استخدام النار للطهو في الغابات أثناء الرحلات وعدم التأكد من إخمادها، إضرام النيران في مكبّات النفايات، الألعاب النارية، افتعال الحرائق بقصد الأذى، وتغيير وجهة استخدام الأراضي.
بدأ حزيران، ودخلنا عتبة الخطر من امكان حصول الحرائق التي ويا للاسف باتت تمتد حتى كانون الأول، فما الحل وما هي الخطوات الوقائية التي يجب اتباعها لتجنب المزيد من الكوارث البيئية؟
عام 2009، أقرّ مجلس الوزراء “الإستراتيجية الوطنية لإدارة حرائق الغابات”، ومن أبرز أهدافها تجنب اندلاع الحرائق من خلال الوقاية. على الرغم من أهمية هذه الخطوة، الا أنها لم تحقق المرجو منها، فقامت جامعة البلمند وبمبادرة خاصة بتطوير نظام للتنبه من “خطر الحرائق”.
فبتمويل من “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” USAID، أعد برنامج الأراضي والموارد الطبيعية في معهد الدراسات البيئية في جامعة البلمند، دراسات استمرت 4 سنوات، ليخرج بعدها بنظامً للتنبّه من خطر اندلاع الحرائق، قبل تسعة أيام من إشتعالها.
يقول مدير البرنامج الدكتور جورج متري الذي أشرف على الدراسة، وواكب تطبيقها، إن النظام لا يميّز بين بلدة وأخرى وهو يطال كل المناطق الحرجيّة في لبنان، آخذًا في الإعتبار أنواع الأشجار، كثافتها وجنسها.
النظام يتماشى مع هدف الإستراتيجية الوطنية وهو موقع إلكتروني، يتم التعامل معه بسهولة مطلقة، وما على “المستخدم” الا تحديد المحافظة ومن ثم القضاء، فالمنطقة لمعرفة النتائج التي يتم تحديثها يوميًا.
وبما ان النظام المذكور هو موقع الكتروني، فمن الطبيعي أن يكون في متناول الجميع بحيث يسمح للمستخدمين الحصول على المعلومات المطلوبة بسهولة.
إسم النظام “FireLab” يوضح متري لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، وهو يدخل في تفاصيل علمية تساعد على الوصول الى نتيجة جيدة من التنبه “الحرائقي” لاتخاذ الإجراءات اللازمة، ويضيف: “بدأ العمل جديًا بالنظام نهاية صيف عام 2016، بعد اربع سنوات من الدراسات المعمقة، وبصعوبة كبيرة، لغياب المعلومات والتغيّرات الديمغرافية والبيئية والمناخية والإجتماعية والإقتصاية الكبيرة، وتكمن أهمية هذا النظام في أنه يحذّر البلديات كما الإدارات المعنية، من الخطر “المحدق” قبل وقوعه، فالصعوبات الكبيرة التي تواجه عمليات اخماد الحرائق التي باتت تمتد على مساحات أكبر وتستغرق أيامًا للسيطرة عليها، حتمت علينا العمل على آلية تكافح الحريق قبل اندلاعه”.
“معظم الحرائق في لبنان، تحصل بسبب سوء تعاطي البشر مع الطبيعة، من مزارع يشعل النار لتنظيف أرضه الى إشعال النفايات في مناطق مجاورة للمناطق الحرجية، مرورًا بالألعاب النارية وطبعًا الحرائق المقصودة التي يفتعلها الإنسان بإرادته”، يُذكر متري الذي يشدد أيضًا على تراكم المواد القابلة للإشتعال في الغابات، بسبب غياب الصيانة.
ويدعو متري إلى إتحاد القوى المعنية لمكافحة الحرائق للحفاظ على غابات لبنان، مذكرًا البلديات بضرورة استخدام نظام “البلمند” لجدواه وفعاليته، ويتابع: “هذا النظام يساعد في تقدير الحرائق وهو ينبّه الى الخطر بحسب درجات معينة في كل المناطق”.
وعن كيفية الحصول على المعلومات، يشير الى ان المستخدم يمكنه تسجيل دخوله في النظام وبالتالي يحصل على النشرة اليومية، وإما يحمّل المعلومات الأخيرة (Download) الواردة على الموقع للإطلاع على كل التفاصيل في المناطق اللبنانية لايام.
يخسر لبنان سنويًا مل يقارب الـ1400 هكتار من الأراضي الحرجية بسبب الحرائق، ما يفاقم الضرر الاقتصادي والبيئي والاجتماعي، صحيح أن التوعية والتربية وصيانة الاحراج بنود أساسية للحد من خطر اندلاع الحرائق، وصحيح أيضًا أن الخطة الوطنية ونظام البلمند نموذجان للمساعدة على درء الخطر قبل وقوعه، لكن يبقى عليك ايها اللبناني، انت وحدك مسؤولية بيئتك.
كيف ستحمي لبنان إن لم تتمكن من المحافظة على البيئة التي تعيش فيها، وتلهو تحت أشجارها وتتنفس هواءها وتلهو في مياهها؟
كيف ستحمي لبنان إن لم تفكر ببيئتك الجميلة النظيفة؟
قيل يومًا “الإنسان ابن بيئته”، فايها اللبناني، هل ترضى أن تكون أنت، ابن بيئة ملوثة مشوهة مريضة؟
القرار بين يديك، والخيار امامك. فكما تحافظ على منزلك وترتبه، حافظ على بيئتك ورتبها… إنها ملاذك الاخير.
