
تجلس اللبنانية القروية بمنديلها الأويا تحيّك العلم، تطريزة تطريزة، قطبة قطبة، على مهل، تنكزها احيانًا الابرة الرفيعة، تمتص مبتسمة نقطة الدماء الصغيرة على رأس اصبعها الرشيق وتكمل تحفتها المرسومة بخيوط الحرير، تحفتها المحفورة بتاريخ المقاومين الشرفاء، تحفتها المطرّزة بحكايا الشهداء، اكتملت اللوحة الحيّة بين يديها وصارت هي الصورة، لبنانية تحيّك العلم اللبناني، وما عادت مجرّد لوحة للرسام اللبناني العالمي مصطفى فرّوخ لا، صارت اللوحة الرمز. حيّكنا هذا الوطن الصغير الكبير بالابرة خيطًا بعد خيط، قطبة بعد قطبة، نقطة دماء بعد نقاط مدرارة، ليس ليأتي زمن ويتحوّل العلم المطرّز من استشهادنا وحكاياتنا، مجرّد قطعة قماش للبيع يدفع سعرها بالعملة الخضراء وليس بدمائه ويتأبطها ويمشي!! هذا وطن ليس للبيع، هذا علم ليس للزينة، هذه جنسية ليست لسوق النخاسة، وثمّة من يحاول أن يجعله صفقة، ويجعل من ذاك العلم قطعة قماش ملوّنة…
لما رسم مصطفى فروخ تلك اللوحة، ما كان يدرك انه سيأتي زمن وتصبح الجنسية اللبنانية صفقة بيع بين تجار، صفقة تمنح من خلالها جنسية تقارب هالة الرب يسوع بالنسبة الينا، جنسية هي كل ما نملك ونطمح بان تكون ملكًا لمن يستحقها فعلا، ومن يستحقها ليس الا اولئك الذي ضحوا بالعمر كله حياة واستشهادًا لاجلها، وهم كثر كثر عبر التاريخ، جنسية لا نقبل بأن يحملها مرتزقة ومجرمون وازلام مجرمين، محتلون وازلام محتلين، عملاء وناهبي خيرات الارض وشبابها. نعترض على مرسوم التجنيس؟ لا لا نعترض وحسب، بل نثور وقد نذهب الى البعيد البعيد ضد اي مرسوم مماثل، والمفارقة اننا لم نصدّق حتى اللحظة ان رئيس البلاد يفعلها، لا نريد ان نصدق، لا نصدق ان رئيس البلاد قد يستسلم لمن شبكوا من حوله هذه المؤامرة، المؤامرة بكل ما للكلمة من معنى، التي تنال اولا منه شخصيًا، ومن عهده قبل اي شيء ثان!
“يحق لرئيس البلاد أن يجنّس من يشاء” قال احد “ممانعي” نوابنا الجدد!! لا لا يحق لأي رئيس مهما علا شأنه، ان يجنّس من يشاء، خصوصًا لاشخاص معروف عنهم انهم من ممولي سفاح الشام، ذاك الذي احتلنا وقتل شبابنا ودمر بلادنا ولا يزال حتى اللحظة يعتقل خيرة رجالنا في اقبية التعذيب، واذا كانت هذه هي الحال فلنجنّس اذن بشار الاسد ذاك ونتنياهو ذاك مثلاً أتقبلون؟!!
ما ثمن المواطنية اللبنانية؟ ما ثمن تلك الهوية اللبنانية التي تقاذفتها أعاصير الزمان في كل الاتجاهات، وصمدت ليس فقط بالاعجوبة، لا، صمدت بالنضال والتعب والقهر والعمر المستباح قهرًا ومقاومة واستشهادًا وليس اقل مهما حاول البعض الاستخفاف بكل تلك القيم، ولن نسمح، لن نسمح ان تصبح جنسيتنا مسخرة الصغار، ان تصبح جنسيتنا صفقة اموال خضراء ملوّثة بالخيانة مشقوعة في المصارف على حساب وطن. اتعرفون ما الثمن؟ حياتنا.
اقول في سري وعلني، اشكر ربي ان في لبنان “القوات اللبنانية” بكل ما ومن تمثل، وايضًا من يشبهها من حلفاء واصدقاء، اشكر ربي لانها دائمًا بالمرصاد متربصة لكل ما قد يحيط بلبنان من اخطار، وها هي تتوثب للطعن بمرسوم التجنيس ذاك الذي تضمن شخصيات لا تستحق حتى التلفظ باسمها، لانها من ممولي نظام بشار الاسد القاتل لشعبه ولشعبنا، اشكر ربي ان لدينا “قوات لبنانية” نظيفة شفافة لا تعد الكؤوس حين تشرب خمرة المقاومة ايام السلم المفترض، كما ايام الحرب، لاجل لبنان اولا وآخرًا، اشكر ربي ان لدي بعد امل، امل كبير ان الشر مهما انتصر فالغلبة في النهاية لقوى الخير المستمدة من ذاك الاله الذي باركت اقدامه تراب هذه الارض، وليعلن لنا منذ اكثر من الفي عام انها ارض مقدسة تبقى مباركة مهما حاول البعض تدنيسها.
وبعد؟ ليتك فخامة الرئيس تمنح الجنسية اللبنانية الفعلية، لبعض لبنانيين متآميرن عليك أولا، ويحاولون ان يسلبوك انت شخصيًا وقبل الجميع، جنسيتك اللبنانية التي لطالما تباهيت بها، ليقتلوا عهدك وليسلبوه اغلى ما يملك، الكرامة، ونعرف انك لن تقبل او على الاقل نريد ان نصدّق ان من المستحيل ان تقبل اليس كذلك؟!…
