“المسيرة”: المصالحة حاجة قواتية أكثر منها عونية؟

"المسيرة": المصالحة حاجة قواتية أكثر منها عونية؟

نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب “القوات اللبنانية” شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1665:

هناك من يصوِّر ان المصالحة بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” تخدم الطرف الأول حصرا، وأنه من مصلحة الطرف الثاني الانقلاب على المصالحة بعد ان حقق هدفه بالوصول إلى رئاسة الجمهورية. ويتابع أصحاب هذا المنطق بالقول إن المصالحة لم تقتصر على القواعد القواتية والعونية، بل صالحت “القوات” مع الجمهور المسيحي العريض، الأمر الذي ترجم في الانتخابات النيابية للمرة الأولى، وبالتالي مجرد العودة عن المصالحة يعني إعادة تحجيم الاختراق القواتي مسيحيًا.

والمؤسف ان هذه الصورة أصبحت بشكل او بآخر معممة، فيما هي في الحقيقة تبسيطية للغاية لا بل غير صحيحة، والصحيح أنه بمعزل عن المكاسب السياسية لـ”القوات” و”التيار الحر” باتت المصالحة تشكل مصلحة مشتركة للطرفين في آن معا ولا مصلحة لأي منهما بالعودة عنها، ومن يبادر في هذا الاتجاه يدفع الثمن لدى الرأي العام المسيحي الذي ينشد الاستقرار وان يبقى الخلاف ضمن الأطر السياسية الديموقراطية المعهودة بعيدًا عن التشنج وفتح القبور.

وإذا كانت بعض القواعد الحزبية القواتية والعونية ترى في ضرب المصالحة مادة للتعبئة والاستنهاض، فإن انعكاسات العودة عن المصالحة سترتد على الطرف الذي سيدفع في هذا الاتجاه، ولكن دحضًا للصورة القائلة إن المصالحة خدمت “القوات” وإن العودة عنها تعيد تحجيم “القوات” لا بد من توضيح الآتي:

أولا، أظهرت الانتخابات البلدية في العام 2004، أي قبل عام واحد من خروج الجيش السوري من لبنان وعودة العماد ميشال عون من الخارج وخروج الدكتور سمير جعجع من المعتقل، ان “القوات اللبنانية” تتقدم على “التيار الوطني مسيحيًا”.

ثانيا، تقدُّم “التيار الحر” على “القوات” حصل في انتخابات العام 2005 بسبب التحالف الرباعي وصدمة الرأي العام المسيحي بأن الخروج السوري من لبنان لم يبدِّل شيئا على مستوى السلطة، فقرر منح أصواته للطرف الذي بقي خارج التحالف الرباعي.

ثالثا، معلوم ان أكبر قوتين لدى المسيحيين هما “القوات” و”التيار الحر”، وما أظهرته الانتخابات الأخيرة ليس جديدًا، إنما نتيجة طبيعية لقانون انتخاب تمثيلي حقيقي، فيما “القوات” كانت ضحية القوانين الانتخابية السابقة.

رابعا، الانقسام السياسي العمودي الذي شهده لبنان بين عامي 2006 و2015 لم يسمح ليس فقط للرأي العام المسيحي بل للرأي العام اللبناني العريض أيضا بأن يرى “القوات” على حقيقتها، وبالتالي المسألة لا تتصل بالمصالحة المسيحية-المسيحية بقدر ما تتصل بالتهدئة السياسية التي دخلت فيها البلاد وسمحت ببمارسة الشأن العام بعيدًا عن الخلافات الإيديولوجية، ولا بل الخلاف الطاغي في هذه المرحلة كان مثلاً بين “القوات” والتيار أكثر منه بين “القوات” و”حزب الله” بفعل المقاربات المختلفة لممارسة الشأن العام، وبالتالي في هذه المرحلة التهدوية بامتياز “اكتشف” جزء كبير من الرأي العام “القوات” التي تميّز بين ما هو سياسي وما هو دستوري وقانوني، ولا تخلط بين التحالفات السياسية وبين الحرص على المال العام والشفافية، ولا تساوم على كل ما يتصل بالدولة ومؤسساتها.

خامسا، لا يجب التقليل إطلاقا من التبريد السياسي الذي سمح بعودة الاستقرار السياسي والانتظام المؤسساتي، لأنه في هذه المرحلة بالذات سقطت الأقنعة التعبوية والإيديولوجية وظهر كل طرف على حقيقته بين من يرفع العناوين لاستقطاب الناس وممارسته تختلف عن شعاراته، وبين الطرف المتمسك بثوابت دولتية لا يحيد عنها لأي سبب كان.

سادسا، تختلف المعارضة عن السلطة كونها تكشف بعض الأطراف على حقيقتها لجهة هل ما كانت ترفعه من عناوين وهي في المعارضة تعمل على ترجمتها مع وصولها إلى السلطة؟ وفي هذا المجال بالذات يجب الإقرار لأنه بين تصوير ان وصول العماد ميشال عون إلى الرئاسة سيؤدي إلى انفراجات غير مسبوقة، الأمر الذي لم يتحقق بفعل الوضع اللبناني المعقد وارتباط أزمته بأبعاد إقليمية، وبين عدم المبادرة إلى تقديم ما يهم الناس اقتصاديًا وإداريًا، وبين الممارسة السياسية السلطوية الطابع، وبين طرف رأت فيه الناس عنوان استقامة سياديًا وإصلاحيًا، وبالتالي لكل هذه الأسباب مجتمعة ظهر إلتفاف مسيحي حول “القوات اللبنانية”.

من الخطأ بل الخطيئة تصوير المصالحة بأنها خدمت “القوات”، لأن أي تصوير من هذا النوع يحوّلها إلى مادة ابتزاز، وكأن المطلوب أساسًا تحويلها إلى مادة من هذا النوع، او ان هناك من يقتنع بهذه المقاربة، فيما الحقيقة في مكان آخر وهو ان نتيجة الانتخابات مرتبطة بعوامل عدة ومن بينها المصالحة، ولكن ليس من زاوية المصالحة بحد ذاتها، إنما من زاوية لمس المجتمع لمس اليد ان المصلحة الوطنية العليا تشكل أولوية “القوات” في ممارستها للشأن العام ان من خلال تبريد الساحات الداخلية من اجل إعلاء مصلحة المواطنين، او من خلال تمسكها بالدستور والقوانين المرعية والشفافية، أو من خلال استمرارها رأس حربة الدفاع عن السيادة في لبنان.

ويبقى ان الوزن الشعبي لـ”القوات” و”التيار الحر” متقارب تاريخيًا مع فوارق بسيطة لهذا الحزب أو التيار تبعًا للظروف السياسية، ولكن قوانين الانتخاب لم تنصف “القوات”، فيما التهدئة السياسية التي عمّت البلاد نتيجة اعتبارات موضوعية سمحت للرأي العام بالتعرف على كل فريق على حقيقته، فجمهور “حزب الله” الذي لا علاقة له بالمصالحة القواتية والعونية ويختلف مع “القوات” استراتيجيًا وعقائديًا أشاد بوضوح تام بممارسة “القوات” داخل السلطة، وقس على ذلك…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل