“المسيرة”: معنى أن يكون العهد قويًا

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1665:

معنى أن يكون العهد قويًا

لم يكن العهد بحاجة إلى مرسوم التجنيس حتى يضطر للدفاع عن نفسه أمام حملات التشكيك التي حصلت على مستويات كثيرة وطاولته في شكل مباشر. هذا المرسوم شكل نقطة ضعف سهلة لم يكن أمام الرئيس العماد ميشال عون إلا الإلتفات إليها ومحاولة استيعابها حتى لا تتحول إلى كرة ثلج من السلبيات التي يمكن أن تسجل في خانة العهد القوي الذي أراده أن يكون على صورته. فهل ستبقى صورة العهد على هذا النحو أم أن ما فعله مرسوم التجنيس قد يتكرر في ملفات أخرى وكيف للعهد أن يتلافاها حتى يبقى قويًا؟

لم يكن بالإمكان إخفاء مرسوم التجنيس إلى ما لا نهاية. ذلك المرسوم الذي انتهت رحلة التواقيع عليه بتوقيع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في 9 أيار الماضي بعد توقيعي وزير الداخلية نهاد المشنوق ورئيس الحكومة سعد الحريري ما كان يمكن أن يبقى سرًا من أسرار الدولة، وبالتالي كان المطلوب أن تتم تنقيته من الشوائب قبل إصداره وليس بعد انفضاح أمره عبر تسريب معلومات عنه إلى وسائل الإعلام.

من الأساس لم يكن مقبولاً أن يتم التعاطي مع مثل هذا المرسوم وكأنه تهريبة أو عملية مشبوهة. إذا كان هناك أناس يمكن منحهم الجنسية اللبنانية على أساس أنهم يستحقونها أو أنهم يمكن أن يقدموا للبنان خدمات عظمى أو أن يضيفوا إليه خبرات، فكان المطلوب أن يتم فتح المجال أمام كل المستحقين والمطلوب تجنيسهم لكي تكون هناك إمكانية متوفرة لمن يجد في نفسه هذه الصفات، وكان يجب أيضًا أن يتم التحقق من الأسماء وأن يتم التدقيق فيها قبل أن يصل المرسوم إلى رئيس الجمهورية ليوقع عليه، ذلك أن الرئيس بحكم انشغالاته الوطنية الكبرى لا يمكنه أن يعرف تلقائيًا كل الأسماء والظروف التي تحيط بمنحهم الجنسية اللبنانية، خصوصًا أن الرقم وصل إلى 388 شخصا فقد يكون افترض حكمًا أن من أعدوا هذا المرسوم وضعوا هذا الأمر في حسبانهم، وأنه بالتالي مرسوم صحيح لا تشوبه شائبة ولا خوف من التوقيع عليه فوقّع. ولكن ما حصل لم يكن كذلك.

حق منح الجنسية اللبنانية كفله الدستور لرئيس الجمهورية ولذلك كان المطلوب أيضًا أن تتم مراعاة هذا الجانب. لم يكن الوقت داهمًا للإسراع في إبرام هذا المرسوم ولا يمكن الحديث هنا عن تسرُّع بل عن سابق تصور وتصميم، الأمر الذي عجل بانكشاف المستور وبمسارعة رئيس الجمهورية إلى محاولة احتواء الأضرار التي نجمت عنه. وربما يعود السبب الوحيد لهذه السرعة أن يكون المرسوم ناجزًا قبل انتهاء ولاية مجلس النواب، وبالتالي قبل انتقال الحكومة إلى وضع تصريف الأعمال بحيث يمكن للوزير المختص التوقيع.

لقد خاضت «القوات اللبنانية» مع التيار الوطني الحر معركة كبرى من أجل إقرار قانون استعادة الجنسية اللبنانية للبنانيين المتحدرين من أصل لبناني المنتشرين في كل العالم، وكان من الأفضل أن يكون مرسوم التجنيس المنتظر مخصصًا لفئة كبيرة من هؤلاء بدل أن يذهب الخيار في اتجاهات أخرى، ذلك أن كثيرين ممن يستحقون هذه الجنسية يعانون من الروتين الإداري وبطء المعاملات الخاصة على رغم تسهيلها، بالإضافة إلى أن معاملات كثيرة ضاعت في غياهب الإدارات اللبنانية وعلى دروب السفارات، وأن طعونا كثيرة قدمت في أسماء حصلت على الجنسية بموجب المرسوم الذي صدر في العام 1994 لم يتم البت بها بعد.

من المستغرب أيضًا أن يفتح الباب أمام اللبنانيين عامة لتقديم معلومات حول الأسماء التي وردت في هذا المرسوم ذلك أنها ليست مهمة اللبنانيين الذين لا يمكن أن يتحولوا كلهم إلى مخبرين عند الأجهزة الأمنية، فضلا عن أن هذا الأمر يفتح الباب أمام المتضررين من تجنيس بعض الأسماء أو أمام المصالح الشخصية الضيقة والمزايدات. بالإضافة إلى ذلك كيف يمكن للناس أن يقدموا معلومات عن الذين شملهم المرسوم قبل أن يتم نشر الأسماء، فهذه الخطوة باتت مسألة لا يمكن الإمتناع عن وضعها موضع التنفيذ وهذا ما قد يخلق أزمة أكبر عندما تتم معرفة اللائحة كاملة.

بحكم الأمر الواقع بات المرسوم الذي تم توقيعه أمرًا واقعًا. يمكن تجميد تنفيذه بانتظار تنقيته أو العودة عنه كاملاً بمرسوم آخر يلغيه. ولكن هل يمكن أن يلغيه رئيس الجمهورية في ظل حكومة تصريف الأعمال أم يجب انتظار تشكيل الحكومة الجديدة لكي يتم اتخاذ قرار من هذا النوع وبهذا الحجم؟

لا شك في أن فضيحة هذا المرسوم قد طالت شظاياها العهد ورئيس الجمهورية ولا تتعلق المسألة هنا بكون الرئيس عون في قصر بعبدا بل بأي رئيس أيًا يكن اسمه وتاريخه. ولذلك لا بد من أن يذهب الرئيس إلى النهاية في حسم الجدل حول هذا المرسوم وتحميل المسؤولية إلى من يجب أن يتحملها.

فأن يكون العهد قويًا فتلك مسألة لا تتعلق فقط بأن يكون الرئيس قويًا. هذه الصفة لازمت الرئيس عون ومنذ ما قبل الرئاسة على أساس أنه يتمتع بتمثيل شعبي وبكتلة نيابية وازنة وبعلاقات مفتوحة مع أكثر من طرف داخلي، وقد زادت هذه القوة أضعافاً بعد تفاهم معراب بحيث تحول عون إلى ممثل أول لطائفته قبل أن يكون ممثلاً فقط لتياره، وبعد أن دخل الرئيس سعد الحريري على خط هذا التفاهم بحيث أنه بعد هذا التفاهم لم تعد هناك أي حجة عند أي طرف تحول دون إتمام عملية الإنتخاب. وقد أعطى هذا التفاهم الزخم الأكبر للعهد في بداية انطلاقته وكان المطلوب أن يستمر هذا الزخم بقوة هذا التفاهم وبفعل الشراكة السياسية والشعبية مع «القوات اللبنانية» التي تعتبر السر الأول من أسرار هذه القوة.

مع حكومة الرئيس سعد الحريري احترمت بعض موجبات هذا التفاهم، ومع الحكومة الجديدة بعد الإنتخابات النيابية من المطلوب العودة إلى هذا التفاهم ومندرجاته الكاملة بدل التنكر له وذلك من أجل مصلحة العهد أولاً لأنه لا يزال يجتاز السنة الثانية من عمره ولا تزال تنتظره سنوات أربع عليه أن يبقى فيها قويًا.

لا يمكن أن يكون الرئيس قويًا فقط حتى يصنع عهدًا قويًا. ولا يكفي أن يكون العهد قويًا حتى تكون الجمهورية قوية. صدام حسين كان رئيسًا قويًا ولكن جمهوريته كانت ضعيفة. حافظ الأسد كان رئيسًا قويًا ولكن جمهوريته كانت ضعيفة. كيم غيل سونغ في كوريا الشمالية رئيس قوي ولكن جمهوريته ضعيفة. المرشد الأعلى في إيران قوي ولكن جمهوريته الإسلامية ضعيفة. قوة الجمهورية تكون أولاً من قوة المؤسسات التي تدوم أكثر من الرئيس وتحافظ على استمرارية الدولة والكيان. في الجمهورية القوية التي تحكمها المؤسسات يتغيّر الرئيس وتبقى الجمهورية قوية. تبقى قوية بجيشها وأجهزتها الأمنية وقضائها ومحاكمها التي يمكن أن تحاكم الرؤساء وبالشفافية التي حكم عمل الإدارة وبتكافؤ الفرص وبأولوية الشعور بالإنتماء الوطني قبل أي انتماء آخر. وربما لذلك يجب أن يكون اتجاه الرئاسة نحو هذه الجمهورية القوية التي يجب أن تظلل العهد القوي والرئيس القوي، وإن لم يتحقق مثل هذا الأمر تبقى المهمة التي وصل من أجلها الرئيس عون إلى بعبدا ناقصة. ويبقى العهد عرضة لمواجهة قضايا من نوعية مرسوم التجنيس.

ولذلك يجب مراعاة مثل هذا الأمر في تشكيل الحكومة الجديدة ويجب أن تكون هناك مقاربة جديدة لموضوع السيادة وسلاح «حزب الله» والإستراتيجية الدفاعية وشن الحرب ضد الفساد والفاسدين، لأن هذه المهمة هي التي تنقذ الدولة وتضعها على مسار الإنتقال إلى الجمهورية القوية. ولا شك في أن تجربة الوزراء الذين احتسبوا من حصة رئيس الجمهورية في هذه الحكومة التي تصرف الأعمال لم تكن بمستوى الآمال التي وضعت عليها، ذلك أن رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل نقل عنه أكثر من مرة أنه فكر وطرح مسألة تغيير هؤلاء الوزراء. وربما من مصلحة العهد أن يكون قويًا أكثر بالقوى التي تحيط به وتعتبر نفسها أنها من حصته. فماذا ينفع العهد عدد من الوزراء يحسبون في حصته إذا كان هذا الأمر يضع الوزراء الآخرين خارج هذه الحصة؟

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل