
لا غبار قانونيا على الحق الحصري لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون في اصدار مرسوم التجنيس. فالرئيس وفق الدستور ونصوصه مطلق الصلاحية في الاستنساب واتخاذ القرار وتحديد الاسباب الموجبة لمن يرتئي تجنيسهم. بيد ان واقع المرسوم 2942 بما تضمن من ملابسات و”أخطاء” بإقرار الدولة نفسها، استنادا الى بيان وزارة الداخلية امس الذي أكد اثر نشر المرسوم “أنّ عدداً من الأسماء الواردة في متنه تدور حولها شبهات أمنية وقضائية”، فرض بنفسه زوبعة من الغبار السياسي حول العملية برمتها من لحظة جمع الاسماء الى حين توقيعه، بعيدا من كل حديث عن ان الكشف عما اعتُبر “فضيحة” مجرد محاولة لاستهداف العهد وسيده او تصوير الامور على انها معبر لانتزاع صلاحيات رئاسية.
اسئلة كثيرة ارتسمت في افق المرسوم قبل ان يبصر النور الكترونيا وبعده، شكلا ومضمونا، كما تقول اوساط سياسية في الفريق المناهض للخطوة “الخطيئة” لـ”المركزية”. بداية مع توقيت توقيعه بعد خمسة ايام على انتهاء الانتخابات النيابية وفي خضم الانهماك الداخلي بنتائجها وافرازاتها، والاهم انه وُلد في لحظة غياب حكومة اصيلة بعدما تحولت “استعادة الثقة” الى تصريف الاعمال تمهيدا للرحيل. وبعده مع محاولة تمرير المرسوم بسرية من دون الكشف عنه، اذ لو لم تبادر بعض الاحزاب السياسية الى الحديث عنه وتسريب بعض الاسماء بما ترمز اليه الى الاعلام لمرّ من دون ان يدري به سوى من اعدّه ووقّع عليه ونال ” شرف” الجنسية اللبنانية. وهنا السؤال الذي يفرض نفسه لمَ لم يوضع المرسوم في متناول الرأي العام اللبناني المفترض ان له كامل الحق في معرفة من سيشاطره “نعمة” الانتماء الى وطنه، او يعرض على مجلس الوزراء حرصا على الشفافية التي تبدو غابت لمصلحة منافع شخصية وسياسية؟ لمَ لم يضع وزيرا الداخلية والخارجية، اللبنانيين في اجواء اصدار مرسوم من هذا النوع اذا كان مطابقا لمواصفات المنفعة العامة والصالح العام الواجب توافرها عادة لمنح الجنسية لأي انسان غير لبناني، ذلك انها تُمنح عادة لمن يُقدم خدمة للبنان او يسهم في اعلاء شأنه؟ لماذا اثيرت زوبعة سياسية في وجه الفريق الذي كشف المستور وتبين ان مقاربته للملف دقيقة بإقرار وزارة الداخلية نفسها؟ هل كان المطلوب السكوت وغض النظر فيتم تاليا تجنيس اشخاص مشبوهين امنيا وقضائيا؟ لماذا لم يدقق بتلك الأسماء قبل صدور المرسوم؟ ولمَ تعمّد التصويب على محاولة انتزاع الصلاحيات الرئاسية فيما المطلوب فقط تصحيح الخطأ لا اكثر؟
اما بعد، تضيف الاوساط، كيف سيثق اللبناني بعد اليوم بدولته والطريقة التي يدير بها المسؤولون شؤونها ما دامت اخطاء على هذا المستوى ترتكب بهذه السهولة، او يُعقل ان يمر مرسوم تجنيس مئات الاشخاص من دون ان تدقق الجهات الامنية المختصة في البلاد بهوياتهم وملفاتهم الشخصية، ليتبين بعدما فُرِض النشر ان من بينهم مطلوبين من الانتربول وكثيرين ممن ترتسم حول اسباب طلبهم للجنسية اللبنانية علامات استفهام؟ وأبعد، تسأل الاوساط، من هي الجهة السياسية الحقيقية التي تقف خلف تسريب خبر مرسوم التجنيس الذي لا تعرف بوجوده سوى قلة قليلة من دائرة الحكم الضيقة والتي على ما يبدو ثمة ما ازعجها فقررت كبس زر التفجير في وجه الجميع. الخطأ وقع وعلى المسؤولين العودة عنه والاقرار به لا القفز فوقه من خلال التعمية عليه باثارة ملفات اخرى، تختم الاوساط، لان خلاف ذلك، سيُفقد اللبنانيين اخر نقطة ثقة بدولتهم بعدما اظهرت نتائج الانتخابات النيابية حجم ” اليائسين” من الحكم واهله والطبقة السياسية برمتها.
