
أطلق معهد “الحكمة” الفني والتقني العالي دفعة جديدة من خرّيجاته وخرّيجيه في فرعيه بالأشرفيّة وعين الرمانة، حاملين شرارات حيويّة شعارًا لدورتهم، في احتفال حاشد، دعا إليه رئيس المعهد الخوري شربل مسعد ورعاه رئيس أساقفة بيروت وليّ “الحكمة” المطران بولس مطر، وكانت السيدة سلام يونس المديرة العامة للتعليم المهني والتقني في لبنان ضيفة الشرف فيه، واُقيم في قاعة أنطوان الشويري في مدرسة “الحكمة” في جديدة المتن بحضور شخصيّات روحيّة وسياسيّة واجتماعيّة وآكاديميّة.
وبعد النشيد الوطني ونشيد المعهد، وكلمات معبّرة للطالبات والطلّاب المتخريجين باسم رفاقهم، ألقى الأب الرئيس الخوري شربل مسعد كلمة جاء فيها: “معهدُ “الحكمة” فرِحٌ اليوم ومبتهجٌ لأنه ما زال على الوعدِ والعهد، حاضنًا أبناءَه، ساهرًا عليهم، مرافِقًا لهم بعقله وقلبه منذ انطلاقتِهم وحتى تخرّجهم نحو حياةٍ أرحبَ، وأوسعَ من معهدٍ أو مدرسة.
معهدُ “الحكمة” فرِحٌ اليومَ لأنه، يقدّم للوطن خيرةَ شبابه وشابّاته مزوّدين أولًا بروح الله، ومَن لديه روحُ الله، لا يخشى شيئًا. مزوّدين بالعِلم والمعرفة، مزوّدين بأخلاقٍ وقيمٍ وروحٍ وطنيّة نبيلة، روحِ تضامنٍ وتعاضدٍ ومحبّةٍ وشجاعة.
مستمرّون في رسالتنا التي تبغي ربحَ الإنسان قلبًا وعقلًا، هذه الرسالةُ التي بناها أسقفٌ رؤيويٌ، ويتابعها أسقفٌ لا يعرفُ حدودًا في خدمةِ الإنسان وعلمِه وثقافته.
مستمرّون في قلب المعادلةِ التربويّة والثقافيّة والآكاديميّةِ والمهنيّة. فنحن نؤمنُ بالمواهبِ داخلَ كلّ إنسانٍ منّا، نؤمن بمواهبِ أبنائنا وبناتنا في معهد “الحكمة”، التي فيه نكتشفها لننمّيها، ونُطلقها شراراتٍ حيويّةٍ في المجتمع.
Étincelles vitales. شراراتٌ حيويّةٌ، شعارٌ اخترتموه لانطلاقتِكم الجديدة… فكونوا شرارةَ حبّ وسلامٍ وإيمانٍ وفرح في حياتِكم ومجتمعكم ووطنكم. كونوا شرارةَ خيرٍ ووئامٍ وبناء. فهكذا ومن دون سلاح تحاربون أشرارَ الحروبِ والجهلِ والكراهيّة واللاإنسانيّة….
نعم كونوا تلك الشراراتِ التي تُعطي: الحياةَ لا الموت، الحبّ لا البغض، المغفرةَ لا الإساءة، الإتفاقَ لا الخلاف، الحقيقة لا الضلال، الإيمانَ لا الشك، الرجاءَ لا اليأس، النورَ لا الظلمة والفرحَ لا الكآبة.
رُبّ سائلٍ لماذا نحن هنا، لماذا احتفالُنا وما فيه من حضورٍ ورعايةٍ وضيفِ شرفٍ وكلماتٍ ومشهدياتٍ فنيّة. نجيبُ إنه احتفالُ فرحٍ بانطلاق أبنائنا لمستقبلٍ مشرقٍ وواعد. إحتفالٌ نريدُه أن يبقى في ذاكرة كلٍ من تلامذتنا وأن تُشكّلَ كلماتَه زادًا لهم في رحلة العمر: كلمةَ المطرانِ والأبِ الرئيس وضيفةَ الشرف وعرّيفَ الإحتفالِ كلماتٌ، كلماتٌ لكن ليست كأيّ كلمات. هي كلماتٌ توجيهيّة ، وخارطةُ طريقٍ لهم لمستقبلهم الآتي…
نريدها كلماتٍ لا تنتهي مع انتهاءِ الإحتفال، بل تغدو رفيقة خرّيجينا في دروبهم التي نتمناها مزدهرةً ومكللةً بالنجاح والورود لا بالفشلِ والأشواكِ.
وإن كان لا بدّ من أشواكٍ، فنحن لن نضعفَ أمامها ولن تعيقَ مسارَنا، بل سنعملُ على استئصالِها، فنحن أبناءُ رجاءٍ تعلّمنا في مدرسةٍ مطبوعةٍ بتعاليمِ التفاؤل والرؤية والطموح.
لقاؤنا معكم اليوم، هو من أجل أن نشهدَ ونُبشّرَ تلامذتنا وأهلهم، أنّ وطننا كما العالم بحاجة إلى مهنيين وتقنيين وفنيين. من أجل إعلامِهم أنّ التعليمَ المهني هو جوازُ سفرٍ للعملِ وليس للبطالة. لإعلامهم أنّ المدرسة الفنيّة والمهنيّة باتت معبرًا للتألق والعمل. نعم هذه رسالتنا نحن المؤتمنين على التعليم المهني أن نوجّهَ ونرشد ونقدّم كل المعطيات التي لدينا لننيرَ درب تلامذتنا واكتشاف مهاراتهم الذاتيّة ليبنوا من خلالها مستقبَلَهم.
تحضرُني في هذه المناسبة كلماتٌ قالها ذات يوم العالِم ألبرت أنشتاين: الجميعُ أذكياء. ولكن ماذا لو حكمتَ على سمكةٍ بقدرتها على تسلقِ الشجرة، ستعيشُ كلّ حياتِها مؤمنةً بأنها غبيّةٌ.
نعم أحبائي، مجتمعُنا لا يجبرُ السمكة على التسلق فقط، بل يطلب أيضًا منها النزولَ والجريَ مسافةَ ١٠ أميالٍ.
نحن هنا لنعملَ معًا على تطوير عملنا التربوي لمساعدة تلامذتِنا على تنميةِ مواهبهِم وليس على القضاءِ عليها أو إهمالها. كلهم لديهم مواهبَ وقدراتٍ. تعالوا نعمل معًا لنقول لهم أنهم ليسوا بفاشلينَ وأنّ المستقبلَ مفتوحٌ أمامَهم، في كلّ مكانٍ وزمان. هذه رسالةُ معهدِ “الحكمة” الفني أن يرافق مَن أحبّهم ونحن أحببناكم ولم نرد إلا الخيرَ لكم واعذرونا على كلّ تقصيرٍ غيرِ مقصودٍ صَدرَ منّا.
ولكم يا أهلَ تلامذتنا التهنئةَ بفلذاتِ أكبادِكم نُعيدهم لكم وهم كبارٌ ينظرون إلى مستقبلهم بكل أملٍ ورجاءٍ وثقة، وكيف لا، وهم مَن كانوا وسيظلون، إن شاء الله، شراراتٍ حيويّةٍ ومحيية، إرتوت من نبع معهدٍ لا تنضبُ ماؤه وعطاءاته.
وأنتم، يا مَن رافقتم خرّيجي معهدِنا، كهنة ومربّين وعاملين في رحابِ صرحنا، الشكرُ الكبيرُ لكم لأنكم كنتم أمناءَ على الرسالة التربويّة في تنشئة مَن نفرحُ معهم اليوم.
ولا بدّ لنا هنا من الشكر والتقدير لحاملي همّ التعليم المهني والتقني في لبنانَ ليظلّوا أمناءَ على هذا الكنز. شكرًا لكِ سيّدتي سعادةَ المديرةَ العامة الحاضرة بيننا اليومَ في هذا اللقاء العائلي الفرِح، الذي، وإن دلّ على شيءٍ فإنّه يدلّ على التعاونِ القائم بين القطاعَين العام والخاص الذي به نحمي هذا الكنزَ الثمينَ في وطننا أعني به التعليمَ المهنيَ والتقني في لبنان.
ويبقى لنا أخيرًا، أن نرفعَ صلاتنا على نيّة نجاحِكم في الإمتحاناتِ الرسميّة، لتنطلقوا كما انطلق قبلَكم طلّابًا كُثرًا من أبناء معهد “الحكمة” وبناتِه إلى رحابِ الحياة الواسعة، مواجهين كلّ تحدّياتها، بالإيمان والعِلم والحق… الحقِ في أن تعيشوا في هذا العالم بكرامة… نعم بكرامة.
وفقكم الله أبنائي وأحبّائي ورافقكم في مسيرتكم الجديدة. فليبقى معهدُ “الحكمة”، فتبقى “الحكمة” ويبقى لبنان.
سلام يونس
ثمّ ألقت السيدة سلام يونس مديرة التعليم المهني والتقني كلمة جاء فيها: “يسعدني ويشرفني أن احتفل معكم في هذه المناسبة في هذا الصرح التربوي المميّز، ونحن على أبواب نهايّة عام دراسي، مقدّرين الجهود المبذولة من القّيمين والعاملين في معهد “الحكمة” الفني، للقيام بالمهام الملقاة على عاتقهم، لتقديم نوعيّة أفضل لطلّاب التعليم المهني والتقني. طلّابنا أمانة في أعناقنا ومسؤوليتنا تجاههم متعدّدة الإتجاهات، تربيّة ، تعليم وتأمين فرص عمل في ظلّ الظروف الإقتصاديّة الصعبة التي يمرّ بها لبنان. وهنا يتجلّى دور الدولة في تعزيز قطاع التعليم المهني والتقني، كما في أكثر الدول تقدّمًا وتطوّرًا، كونه الطريق الأسرع لسوق العمل وبشراكة مع القطاع الخاص لدراسة وتأمين حاجات سوق العمل. ومسؤوليتنا جميعًا كسياسة حكوميّة وكإدارة تربويّة رسميّة ومعاهد خاصة النهوض بهذا القطاع وعلى جميع المستويات: تحديث المناهج وتدريب أفراد الهيئة التعليميّة، تحديث الإختصاصات، ومواكبة حاجة سوق العمل لإختصاصات جديدة. اللائحة تطول ونحن جميعًا شركاء في السعي والتخطيط لتحقيق هذا النهوض.
واجبنا كإدارة تربويّة ومؤسّسات تعليميّة رسميّة وخاصة، تقديم خدمة تعليم لائقة لطلّابنا وتأمين فرص عمل لجميع المتخريجين. وأنا أنتهز هذه المناسبة، لأعبّر عن فخري بكثير من المعاهد والمدارس الفنيّة الخاصة، التي تحتضن الآلاف من طلّابنا وتقدّم لهم التعليم والتوجيه، وتسعى جاهدة لأن تقوم بكل ما هو مطلوب منها، لتأديّة رسالتها التعليميّة على أكمل وجه، وخير مثال على ذلك، معهد “الحكمة” الفنّي بإدارة حكيمة من الأب شربل مسعد وبجهود مجموعة من أفراد الهيئة التعليميّة، مؤمنين بالرسالة الوطنيّة التي يقومون بها. ولا بدّ من كلمة شكر وتقدير للمواكبة الأبويّة الراعيّة لهذه المسيرة، المتمثلة براعي أبرشيّة بيروت المطران بولس مطر.
وأخيرًا نبارك لجيمع الخريجين ونتمّنى لهم مستقبلًا زاهرًا وأمنًا. وكل عام دراسي وأنتم بخير”.
المطران بولس مطر
كلمة الختام كانت لرالعي الإحتفال المطران بولس مطر جاء فيها:
“هي المرة الأولى التي أرى فيها هذا المسرح ملآن وهادئ، تهانينا”، هذا يعني أنّ هذا اللقاء ناجحٌ بفضلكم جميعًا ومحبّتكم للحكمة ومحبّة “الحكمة” لكم.
تاثّرت كثيرًا بكلمة الطالبة غابرييلا بواري عندما أطلقت صرخة للمسؤولين: كفى إستنذاف للشباب في هذا الوطن، كفى هجرة، كفى لنذهب إلى أصقاع الأرض لنبني إقتصاد الآخرين ولا نستطيع أن نبني إقتصادنا في بلادنا. هذا أمرٌ معيب. لي طلاّب من “الحكمة” هم الأوائل، على سبيل المثال، في أكبر مصرف عالمي في لندن، رئيسه من “الحكمة” ، لماذا ليس في بيروت؟ اين شبابنا؟ في لندن في باريس في نيويورك في الخليج العربي. لماذا لا نبني وطننا لبنان ونبني فيه الدولة الحقيقية القادرة والمُحبّة؟ نحن هنا لسنا للبكاء ولا لليأس، نحن وأنتم أبناء الرجاء والمستقبل بين ايديكم .
لفتتني كلمة من الأب الرئيس الخوري شربل مسعد، المحبّ والمحبوب، عن أينشتاين الذي هو من أكبر الأدمغة في التاريخ والعالم، عندما تقدّم لإمتحان دخول في أحد جامعات المانيا، رسب في الإمتحان. دماغه أكبر من الجامعة كلّها. يقول في أحد كلماته الشهيرة: التخيّل أهم من العلم. العلم تتلقاه ويعطونك إيّاه. التخيّل من إبداعك أنت. أنتم ،أيها الأحباء، نظرتكم إلى المستقبل، نظرة تخيّل ونظرة عمل وليست نظرة قراءة في فنجان قهوة. مستقبلكم في أيديكم. نحن نصنع المستقبل، وكيف علينا نصنعه في لبنان؟
أولًا: نصنعه بوحدتنا نحن اللبنانيين، وباتحادنا نبني مستقبلًا واحدًا ووطنًا واحدًا. هذا ما كان يفكّر فيه خليل جبران، ابن “الحكمة”، الذي قال: لكم لبنانكم ولي لبناني، ونخبركم عن جبران خليل جبران لقد أمضى في “الحكمة” ثلاث سنوات من 1897 إلى سنة 1900 آخر القرن التاسع عشر وفي الثلاث سنوات قفز ستة صفوف في كلّ سنة صفّين، قال له أحد الكهنة المسؤولين في المدرسة: يا جبران لماذا تفعل هكذا إصعد ،السلم درجة درجة. قال لهم: نعم ولكن ليس النسر. النسر لا يصعد برجليه ولكن يحلّق بجوانحيه.
نحن أمام تحدٍّ نبني وطننا ونبني الثقة بعضنا ببعض. نستفيد بعضنا، من غنى بعض ونتعامل كإخوة، نصفّي كلّ الماضي ورواسبه، ننظر إلى المستقبل نظرة واحدة وكريمة. نتمّنى للمجلس النيابي الجديد، أن يحمل شرارة جديدة من شرارات “الحكمة”، شرارت تلاميذ “الحكمة” 2018 في المدرسة المهنية.
وقال المطران مطر: “نريد تعاون حقيقي بين القطاعين الخاص والرسمي، بين المدرسة الخاصة والمدرسة الرسمية، حضورك سيدتي (سلام يونس)، اليوم معنا، علامةٌ إيجابية لهذا التعاون نتمنّى الخير لهذا المنحى في بلادنا، أن نتعاون ونتعاضد. هذا هو المطلوب. عندئذٍ نبني مستقبلًا حقيقيًّا”.
وقال: “إسمحوا أن أقول لكم، أنا أمامكم أزيد إيماني بلبنان. أنا في “الحكمة” منذ 52 سنة، أخرّج تلامذة، ومع كل دفعة أُخرّجها، أقول: نشكر الله، على أننا نخرّج دورة جديدة من تلامذتنا العمل بثقة ومحبة. واليوم شعرت أن المحبّة سائدة بينكم وهذا ما أفرحني كثيرًا. الأب الرئيس الخوري شربل مسعد يدير “الحكمة” المهنيّة بحكمة وعلم ومحبّة. سُئل حكيم ما هي الصفة الأساسية في القائد كل قائد؟ فقال أحدهم الصفة الأساسية في القائد هي الرؤية وقال آخر هي الحزم، وقال آخر هي المعرفة. وقال الحكيم الصفة الأولى والأساسية في القيادة هي المحبّة. قائد يحبّ شعبه ينجح هو وشعبه، وقائد لا يحبّ شعبه، لن ينجح لو كان عظيمًا وعظيمًا جدًا، فإنه لن ينجح. وإن أردتم أن تنجحوا في الحياة، فلتكن المحبّة، هي القائدة الأولى في حياتكم، ثم يأتي العلم والدراية، لأن المحبّة تجعل القلوب متصافية مع العقول وتشدّ معًا من أجل المستقبل الزاهر”.
وختم: “أتمنّى من صميم القلب لهذه الدفعة الجديدة من الخريجات والخريجين، أن تنطلق بنجاح ونحن نصلّي من أجلكم، ونشكر عيالكم الذين أرسلوكم إلى هذا المعهد تخرجون منه وقد أخذتم جرعة من العلم والمحبّة والرجاء والخير بها تنجحون وستنجحون بإذنه تعالى. وفي ختام الإحتفال سلّم المطران بولس مطر والأب الرئيس الخوري شربل مسعد والسيدة سلام يونس والأستاذ جورج شلهوب مدير الدروس في المعهد والشدياق ماهر العينتوري والخريجات شهاداته”.
