
لم تشذ المستشفيات الحكومية عن قاعدة اداء المؤسسات الرسمية في لبنان، فانغمست هي الاخرى في منظومة الفساد وعدم الاحتراف، ونخر جسمها الوظيفي المحسوبيات والمحاصصة حتى اصبحت عبئا على الدولة. هذا الواقع، لم ينجح أحد من الوزراء المتعاقبين في تغييره، فجاء الوزير الحالي غسان حاصباني بخطة دعمها بدراسة ترفع مستوى الاداء فيها، وآلية لتحديد توزيع السقوف المالية للمستشفيات مبنية على أسس علمية تأخذ في الاعتبار عدد الاسرة والاقسام وعدد السكان في المنطقة المقصودة، ولكن مجلس الوزراء لم يوافق عليها.
ليس خافيا أن كلفة السرير في المستشفيات الحكومية على حساب وزارة الصحة هي ضعف الكلفة في المستشفيات الخاصة، وفي بعض المناطق تقدر بثلاثة اضعاف، وهو امر يؤكده وزير الصحة غسان حاصباني لـ”النهار”، فيما العدد المحدود للخدمات الطبية الاساسية والمتقدمة فيها يزيد عمليات تحويل المرضى الى المستشفيات الخاصة. فتقافم ديون الموردين أدى وفق حاصباني الى نقص في بعض المستلزمات والادوية وتأخير دفع الرواتب العاملين فيها، وذلك على خلفية “تأخر وزارة المال في تسديد مستحقات المستشفيات الحكومية منذ عام 2000 وصلت قيمتها حتى اليوم الى 240 مليار ليرة بينها 140 مليارا مستحقات للموردين”.
وفي مقابل محدودية الاعتمادات المخصصة للاستشفاء في وزارة الصحة والتي يبلغ حجمها 465 مليار ليرة، فيما تقدر الحاجة الفعلية بـ575 مليار ليرة، استطاعت وزارة الصحة أن تتخذ اجراءات عدة لدعم المستشفيات الحكومية: “نحاول تخفيف كلفتها وزيادة فاعليتها وتأمين الموارد بغض النظر عن السقوف المالية”. من هذه الاجراءات التي يشير اليها حاصباني “حصر تغطية برامج صحية وخدمات طبية في المستشفيات الحكومية بغية زيادة المداخيل المالية والسيولة لديها، ومنها الفحوص الصحية للعاملين في المطاعم والمصانع ومراكز التغذية، وكذلك الفحوص الخارجية للمواطنين”.
وفي الموازاة، وضعت وزارة الصحة المستشفيات الحكومية في رأس جدول الهبات الدولية لتوزيعها وتطوير اقسام الطوارئ والاشعة، وأهم هذه الهبات: الهبة اليابانية، الهبة الكويتية، اضافة الى تأمين تمويل من البنك الدولي بقيمة 150 مليون دولار من ضمنها هبة من البنك الاسلامي لتطوير المستشفيات الحكومية ومراكز الرعاية الصحية الاولية وتجهيزها وتأهيلها”.
وإذ يحرص حاصباني وفق ما يؤكد على “اعتماد التوزيع العادل للسقوف المالية بحسب كثافة الطلب والخدمات وحجم المستشفيات ضمن الموازنة المحدودة لوزارة الصحة والتي لم تتم زيادتها من قبل”، يأسف في المقابل لكون الذين يطالبون بزيادة السقوف المالية للمستشفيات الحكومية بالعلن، يطلبون في الخفاء زيادتها للمستشفيات الخاصة المحسوبة عليهم.
هارون: الاعتمادات للمستشفيات الحكومية مضاعفة
يبدو أن السياسة التي يعتمدها حاصباني تروق نقابة اصحاب المستشفيات لكونها تعتمد وفق ما يؤكد النقيب سليمان هارون على الاسس العلمية والموضوعية، وخصوصا بالنسبة الى الاعتمادات المخصصة للمستشفيات الحكومية والخاصة. هذه السياسة لم تكن معتمدة في السابق، اذ كانت قرارات الوزراء، (تحديدا حيال السقوف المالية للمستشفيات الخاصة)، تعتمد بما نسبته 80% على استنسابية الوزير و20% على أسس علمية وموضوعية. بمعنى آخر، كل وزير كان لديه نظرة خاصة الى المستشفيات الموجودة ضمن بيئته السياسية والطائفية، وهذا الامر لا يعتبره هارون مستغربا في بلد مثل لبنان. ولكن المستغرب في رأيه أن مجلس الوزراء رفض “المعادلة الموضوعية والعلمية” التي وضعها الوزير حاصباني أخيرا والتي على اساسها يتم تحديد توزيع السقوف المالية على المستشفيات، وهي كفيلة بالحد من مشكلة دخول المواطنين الى المستشفيات الخاصة بسبب نفاذ السقف المالي لها. هذه المعالجة مبنية على عدد الاسرة وعدد السكان في المنطقة، وعدد الاقسام الموجودة فيها (تمييل قلب، غسيل كلى، عمليات قلب مفتوح، عناية فائقة للاولاد والمواليد الجدد).
ولكن بدل اعتماد هذه الآلية، تم خفض السقوف المالية للمستشفيات الخاصة والحكومية لتصبح 460 مليار ليرة بعدما كانت 560 مليارا، اي بخفض 100 مليار ليرة، لتتعزز بذلك المشكلة التي تعانيها المستشفيات: عدم توزيع السقوف المالية بشكل علمي، والنقص في الاعتمادات، وفق ما يؤكد هارون.
وإذا كانت المستشفيات الخاصة تعاني هاتين المشكلتين، تحصل المستشفيات الحكومية التي تشكل 21% من اجمالي عدد الاسرة في لبنان على 28% من موازنة وزارة الصحة للاستشفاء، فيما يخصص للمستشفيات الخاصة التي تضم 79% من عدد الاسرة نحو 72% من الموازنة “اي أن المستشفيات الحكومية تحصل على حصة مضاعفة مقارنة بعدد الاسرة فيها”.
وعلى الرغم من هذه المخصصات للمستشفيات الحكومية، يلاحظ هارون أنها تتخبط في التعثر بدليل الاضرابات التي حصلت أخيرا فيها، وعدم قدرتها على تأمين مشتريات الأدوية والمستلزمات الطبية. وهذا لا يعود في رأيه الى الموازنة المخصصة لها، بل الى “تدخل السياسيين في شؤونها، بدليل عدم القدرة على تعيين مجالس ادارة في بعضها، وكذلك عدم قدرة المديرين في مستشفى رفيق الحريري الجامعي على النهوض به، على الرغم أنهم أكفياء، بسبب التدخلات السياسية وفرض توظيف اشخاص لا يتمتعون بالكفاية والنزاهة بدليل الهدر والسرقة (فضيحة سرقة المازوت وادوية السرطان).
ويختم هارون: “ثمة سياسيون يشكون عدم استطاعة مواطنين الدخول الى المستشفى الا بناء على تدخلات أو وساطات، ولكنهم في المقابل يرفضون الحل “العلمي” الذي وضعه الوزير حاصباني بسبب النكايات السياسية”.
أرقام
32 عدد المستشفيات الحكومية العاملة
122 عدد المستشفيات الخاصة
2653 عدد اسرة المستشفيات الحكومية من اصل 12574 سريرا في لبنان اي ما نسبته 21 %
113 مليار ليرة قيمة السقوف المالية للمستشفيات الحكومية من اصل 4َ13 مليارا مخصصة للمستشفيات اي ما نسبته 28 %
4 % معدل نسبة خفض السقوف المالية للمستشفيات الحكومية
1260 مليون ليرة اجمالي السقوف المالية التي تمت زيادتها لمستشفيات طرابلس عن العام 2016 و660 مليون ليرة عن العام 2017.
توزّع عدد أسرّة المستشفيات في المناطق والنسبة التي حصلت عليها من موازنة وزارة الصحّة للاستشفاء
المنطقة المستشفيات الحكومية المستشفيات الخاصّة
نسبة عدد الأسرّة النسبة من الموازنة نسبة عدد الأسرّة النسبة من الموازنة
بيروت 4% 6% 13% 9%
الشمال 4% 6% 15% 13%
جبل لبنان 3% 5% 30% 26%
البقاع 2% 4% 13% 12%
الجنوب 5% 7% 11% 11%