وطن الهدر والفساد والبداية من هدر الأدمغة

السؤال الذي يسأله اللبنانيون ولا يجدون جواباً عليه هو:

وهل قدرنا أن نتعايش مع الفساد على أنَّه معضلة، ولا إمكانية لمعالجته؟

يطرح اللبنانيون على أنفسهم هذا السؤال، وفي قلوبهم غصة، انطلاقاً من المعطيات التالية:

أيُّ بابٍ في لبنان ليس فيه منفذ فساد؟

هل في الكهرباء؟

هل في النفايات؟

هل في التلزيمات؟

هل في المعابر غير الشرعية؟

هل في التهريب؟

هل في التهرب الضريبي؟

وحتى لو ضُبِط الفساد، فما هي الإجراءات التي تتخذ؟

وهل تكون بحجم الفِعْلَة التي يقوم بها الفاسد والفاسدون؟

 

يحتار المتابع من أيِّ ملفٍّ يبدأ! كلُّ الملفات فيها الخير والبركة لجهة حجم الفساد فيها، وربما قبل أن نكتب إسم الملف يكون القارئ قد فطن إلى ماذا نريد أن نكتب. وهل أقسى من ملف الكهرباء والمحروقات؟

مَن لا يعرف أنَّ نصف العجز في خزينة الدولة مردُّه إلى الكهرباء ومفاعيلها؟

إذا كان العجز وصل إلى 80 مليار دولار، فإنَّ الكلفة على الكهرباء منذ ربع قرن إلى اليوم بلغت أكثر من 30 مليار دولار.

لو أنَّ الكهرباء عادت 24 ساعة على 24 ساعة، لقال اللبناني:

مغفورة للدولة خطاياها، لكن أي غفران يمكن أن يُعطى فيما يدفع المواطن من جيبه كل هذه المليارات وفيما واقع الكهرباء يزداد إيلاماً؟

المؤسسات المالية الدولية ومراكز الأبحاث والدراسات، تضع رقماً شبه دقيق لكلفة الهدر والفساد في لبنان، فتكتب في تقاريرها أنَّ الكلفة لا تقل عن 10 مليارات دولار سنوياً. نصف هذا المبلغ الهائل يذهب هدراً في الإدارات الرسمية، وهو مبلغ متأتٍ من رواتب لا لزوم لها ومن رشاوى تُدفع لموظفين لتمرير معاملات ومن التهرب الضريبي، ولكن أين تذهب هذه الأموال المهدورة؟

الجواب في غاية البساطة:

تذهب إلى جيوب، يعرفها القارئ الفطن، أما القسم الباقي من الهدر والفساد فهو من النزف الحاصل الذي تتسبب به عوامل عديدة، منها عدم إيجاد فرص عمل للخريجين، فعلى سبيل المثال لا الحصر:

يكلِّف التلميذ لكي يصل إلى الإجازة الجامعية في جامعة محترمة معترف بها ما يزيد عن أي دخل عائلة متوسطة، ناهيك عن المدارس الرسمية والجامعات اللبنانية التي تغصُّ بمن فرغت جيوبهم. أما هذا الخريج حين يحمل شهادته يذهب بها إلى الخارج بحثاً عن فرصة عمل، فيكون لبنان قد خسر بهذا الشاب:

عقلاً جامعياً، والكلفة التي تكبدها ليصل إلى ما وصل إليه.

السؤال هنا:

كم من خريج جامعي يخسره لبنان سنوياً حيث يغادر حاملاً شهادته مع كلفتها التي تتجاوز مئات ألوف الدولارات؟

هذا هدرٌ غير مباشر لكنّه موجع:

يسافر المتعلِّم الذي كلَّف أهله ثِقله، والآخرون ينتظرون ليكون هذا هو حالهم، أليس هذا هدراً تتسبب به دولةٌ لا تُخطِّط لمستقبل أبنائها الذين هم مستقبل الوطن؟

ليست هذه وحدها ملفات الفساد، وللبحث صلة.

المصدر:
الأنوار

خبر عاجل