
لا نتمالك انفسنا بازاء إحدى الإطلالات “المميزة” لأحد ابرز رموز ايران العسكريين المتوغلين بمباهاة عظيمة في اربع رياح نفوذ الجمهورية الاسلامية في الشرق الاوسط عن مقارنة عابرة بين الوصايتين الاكثر تحكما بلبنان في العقود الاخيرة اي وصاية النظام السوري ومن ثم النفوذ الايراني.
نقول الوصاية هناك والنفوذ هنا لانه على رغم وحدة التحالف بين النظام الأسدي والجمهورية الاسلامية ثمة فوارق موضوعية في إدارة كل منهما لورقة لبنان التي جمعتهما من باب التوظيف المجزي لاستباحة ساحته كأسرع بريد اقليمي قبل ان تتسع ميادين النفوذ امام ايران طبعا في السنوات الاخيرة.
وتستحق هذه الفوارق إفراد أبحاث معمقة ولكننا الآن امام المفاجأة “اللطيفة” التي تعمد الجنرال قاسم سليماني إتحاف بعض اللبنانيين والكثير من الاقليميين بها لا نرى جواز مرور هذه الإطلالة بخفة واستهانة بافرقاء لبنانيين اصابت منهم إصابات موجعة ومؤذية جدا.
بطبيعة الحال لا نرى حاجة الى التبحر بالاهداف الاقليمية المتصلة باستعراض العضلات الايرانية في ميادين الصراع الاقليمي من خلال التباهي المفرط للجنرال سليماني بما عده فوز “حزب الله” بأكثرية 74 نائبا في البرلمان اللبناني.
هذه المباهاة سواء كانت تستهدف نبش مخاوف الخليج والغرب ومحاكاتهما لجهة الرد على التضييق الاميركي الخليجي والاميركي الاسرائيلي التصاعدي على ايران او كانت رد فعل موضعيا حيال النكسة الايرانية في انتخابات العراق كما تعامل معها الرئيس سعد الحريري، لم تكن من الزاوية اللبنانية الصرفة ضربة موفقة اطلاقا بل يمكن ان تشكل مؤشرا الى ضعف بنيوي طارئ او موجود اساسا وانكشف الآن في التعامل مع تعقيدات الواقع اللبناني.
غالبا ما يمكن تشبيه التسبب بالإحراج والضيق للحلفاء اللبنانيين كما فعل قاسم سليماني في لحظة خاطئة بأخطاء الوصاية السورية إبان عهد الأسد الابن وليس الأب. كان حافظ الأسد أذكى من اختبأ وراء خصوصيات التركيبة اللبنانية فلم يشأ العبث بأوكار دبابيرها مباشرة بل كان يمسك بالقرار من القيادة الخلفية ويترك المسرح الشكلي هامشا لحلفائه في مواجهة الداخل والخارج. أقصى الحماقات القاتلة التي مهدت لحرب الاغتيالات بدأها النظام الوريث مع فرض التمديد لأميل لحود كما قبل ذلك وبعده في صلافات ضباط الوصاية كرستم غزالة وسواه التي تجاوزت صلافة غازي كنعان بأشواط. شيء من هذا يمكن استحضاره الان مع استغراب شديد لان سليماني المنشغل والشاغل ساحات الصراع الايراني الواسع مع اكبر قوى العالم في المنطقة يفترض الا تصدر مؤشرات ضعفه الاولى من الساحة اللبنانية.
فلسنا من السذاجة والتسرع لنظن ان ايران تعتقد فعلا ان التلويح بحكم لبنان من بعد سيتيح لها ترويض دونالد ترامب المزهو الان بقمته التاريخية مع “أخيه العزيز” الزعيم الكوري الشمالي الاكثر اثارة للجدل بين زعماء العالم اسوة بالرئيس الاميركي نفسه. ومن يدري فلعل سقطة الجنرال المزهو بنفسه وبنفوذ بلاده فوق العادة حجب عنه حقيقة بسيطة هي انه كان عليه ان يأخذ بإرشاد من استمات للاشادة به اي السيد نصرالله قبل هذا التهور!
