“المسيرة”: “حزب الله” راجع من سوريا

 

كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1666:

في 14 تشرين الثاني 2016، قبل أسبوع من أول عرض عسكري للجيش اللبناني بحضور رئيس الجمهورية المنتخب العماد ميشال عون، أقام «حزب الله» عرضًا عسكريًا لقوات تابعة له في بلدة القصير في سوريا. كان الحزب أعلن في 6 حزيران 2013 أنه استكمل احتلال المدينة وطرد مسلحي المعارضة السورية منها بعد 19 يومًا على المعركة التي فقد فيها نحو 130 من عناصره. اليوم في حزيران 2018 يجد «حزب الله» نفسه أمام تحدي البقاء في القصير وفي سوريا إجمالاً مع ارتفاع وتيرة الحديث عن ضرورة انسحابه مع القوات الإيرانية من هناك. فهل يمكن أن ينسحب؟ وإلى أين؟ وماذا سيفعل بترسانته العسكرية وهل يمكنه أن ينقلها إلى لبنان وأن يستعرضها مرة ثانية؟ وهل ترتبط هذه المسألة باستعجال «حزب الله» تشكيل الحكومة في لبنان؟

في مناسبة إحياء يوم القدس العالمي في 8 حزيران الحالي، إي في الذكرى الخامسة للسيطرة على القصير، ذكّر أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله برغبة إسرائيل بإسقاط رئيس النظام السوري بشار الأسد في سوريا، معتبرًا أن عنوان معركة الإسرائيليين تحوّل من ضرورة إسقاط الأسد إلى وجوب إخراج إيران و«حزب الله» من سوريا. وخاطب نصرالله الإسرائيليين قائلاً «إعترفوا أيها الصهاينة أنكم فشلتم في إسقاط عمود المقاومة في المنطقة وأحلامكم ذهبت أدراج الرياح»، مؤكداً أنه ليس لـ«حزب الله» أي مشروع خاص في سوريا.

وأكد نصرالله أن «حزب الله» سيكون سعيداً باستعادة شبابه إلى لبنان وسيشعر بالنصر عندما يُتم المهمة هناك، وذلك عندما تقرر القيادة السورية هذا الأمر. وفي المقابل أضاف «لو اجتمع العالم كلّه ليفرض علينا أن نخرج من سوريا لن نخرج من سوريا إلا بطلب من القيادة السورية.»

لماذا وجد نصرالله نفسه مضطرًا إلى الحديث عن الخروج من سوريا؟ ولماذا وضع المسألة بين يدي رئيس النظام السوري بشار الأسد؟

قبل هذا الإعلان برزت إلى الواجهة معلومات عن توتر بين القوات الروسية في سوريا وبين «حزب الله» بسبب محاولة هذه القوات الإنتشار في منطقة القصير. قيل إن النظام السوري تدخل وأرسل قوات تابعة له إلى المنطقة التي اكتفت فيها القوات الروسية بالإستطلاع وتسيير الدوريات. ولكن لاحقا قيل أيضًا إن القوات الروسية انتشرت في منطقة القلمون وأقامت مواقع في المناطق الحدودية مع لبنان لضبط المعابر.

رسالة نصرالله كانت موجهة لطرفين أساسيين: الروس والأسد. رده العنيف يعني حتمًا أن الروس يريدون أن تنسحب القوات الإيرانية وقوات «حزب الله» من سوريا وأن المسألة جدية. والرسالة إلى الأسد تعني أنه «لا يمكنك أن تتخلى عنا لمصلحة التفاهم مع الروس بصورة مباشرة ومع الأميركيين والإسرائيليين بصورة غير مباشرة».

عندما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الأسد في منتجع سوتشي على البحر الأحمر في 17 أيار الماضي بناء على طلب روسيا كان من أجل البحث في هذا الموضوع. بعد اللقاء خرج بوتين ليعلن أن الوقت حان لتسريع العملية السياسية والإنتقال إلى إعادة الإعمار وسحب القوات الأجنبية من سوريا في ظل صمت مطبق من جانب الأسد أو أي من أركان نظامه.

هذا الصمت خرقه تصريح مبعوث بوتين إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف الذي قال جازمًا إن بوتين كان يقصد الأميركيين والأتراك و«حزب الله» بالتأكيد والإيرانيين.

التعليق السوري الأول جاء من مساعد وزير الخارجية فيصل المقداد الذي اعتبر أن انسحاب قوات إيران و«حزب الله» من سوريا غير مطروح للنقاش، معتبرًا أنه يعتقد أن الروس لا يقصدونها تحديدًا من دون أن يحكي عن موقف رئيسه في القمة مع بوتين. ولكن بعد هذا التصريح كان الأسد يستقبل لافرنتييف ويؤكد أن روسيا شريكة في الإنتصارات الميدانية التي تحققها قواته. وبدل أن ينفي الأسد خبر طلب سحب قوات إيران و«حزب الله» اكتفى بالإعلان عن أن ليس لإيران قوات في سوريا بل خبراء.

حتى ما قبل لقاء الأسد بوتين كان «حزب الله» مع النظامين السوري والإيراني يبشرون بقرب مرحلة تقدم القوات التابعة لهم نحو المناطق الجنوبية المتاخمة للحدود مع الأردن والجولان. ولكن سريعًا جاءت النتائج عكسية بدل الإحتفال بتحقيق إنجاز ميداني استراتيجي لعلاقته بالصراع مع العدو الإسرائيلي إذا بالحزب وبإيران يواجهان مسألة انسحاب قواتهما من سوريا خصوصا أن التفاهم الذي حصل بين الروس والإسرائيليين والأميركيين كان يقضي بقبول انتشار قوات النظام في هذه المناطق مقابل سحب قوات المعارضة السورية منها وإبعاد قوات إيران و«حزب الله» عنها.

قبل هذا التطور أنجزت إسرائيل مهمة تدمير المقرات التي اعتبرت أن إيران تعمل لتحويلها مراكز ثابتة لها وأحيانا كثيرة بقيت أخبار الغارات الإسرائيلية من دون إعلان على عكس ما روّجت له إيران و»حزب الله» من أنه تم كسر القواعد التي كانت تحكم الوضع في هذه المنطقة بعد إطلاق عدد من الصواريخ في اتجاه المواقع الإسرائيلية في الجولان.

بعد هذه التطورات بدأ الحديث عن تفاهم روسي ـ إسرائيلي سبق الإعلان عن طلب سحب قوات إيران و»حزب الله» وعن قبول الأسد نشر قوات تابعة له في المناطق الجنوبية من دون الأخذ في الإعتبار بقاء قوات أخرى فيها. وهذا ما طرح لدى «حزب الله» وإيران علامات استفهام حول حقيقة موقف الأسد وأسباب التزامه الصمت، وبالتالي كان هناك تساؤل عما إذا كان قبل بالصفقة مع الروس على حسابهما مقابل حفظ موقع له في الحل النهائي لسوريا. وربما من خلال ذلك يمكن قراءة حقيقة موقف السيد حسن نصرالله الذي ربط مسألة الإنسحاب من سوريا بطلب مباشر من الأسد.

يعرف نصرالله ويعرف الأسد أنه لولا الروس لما كان نجا النظام من السقوط. قبل التدخل الروسي في سوريا كانت دمشق مهددة. وقبل التدخل الأميركي في العراق كانت بغداد مهددة. الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس هو الذي توجه إلى موسكو طالبًا التدخل والقيام بمهمة إنقاذ النظام. وعندما تدخل بوتين وأرسل طائراته لقصف مواقع «داعش» والمعارضة السورية كان يعرف أنه لن يفعل ذلك إلا من أجل مصلحة روسيا، وكان الأسد يعرف أنه لولا التدخل الروسي لكان سقوطه حتميًا ولما كان ينفعه دعم إيران و«حزب الله» العسكري. ولذلك من الطبيعي أن يسمع الأسد كلمة الروس أولاً، ويعني ذلك أنه إذا طلب منه بوتين أن يطلب انسحاب قوات إيران و«حزب الله» فلا قدرة له على الرفض وعليه أن ينفذ ذلك بطريقة لا تشكل إهانة لهما. فالأسد يدرك أنه عندما يستدعيه بوتين إلى موسكو وحيدًا يذهب وحيدًا. وعندما يحضر بوتين من دون أن يبلغه إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية في سوريا عليه أن يحضر فورًا للقائه ويسير خلفه ولا يمانع في أن يوقفه ضابط روسي ويمنعه من متابعة السير. هذه قواعد اللعبة في سوريا وعلى الأسد أن يلتزم بها وهو ملتزم.

ليست هذه هي المشكلة الوحيدة التي يعاني منها «حزب الله» وإيران في المنطقة. قبل عام كان النظام في إيران يتحدث عن السيطرة على العواصم العربية صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت، وعلى الطريق الممتد من طهران إلى بيروت، ولكن لا يبدو أن الأحلام الإيرانية قابلة للتحقيق. فالإنتخابات العراقية كشفت صورة جديدة عن الوضع لا تناسب طهران ولذلك تحصل محاولة انقلاب عليها. والحديدة في اليمن مهددة بالسقوط. ووجود قوات إيران و»حزب الله» في سوريا مطلوب وضع حد له. والرئيس الأميركي دونالد ترامب يلتقي الزعيم الكوري كيم جونغ أون ويتفقان على إنهاء البرنامج النووي الكوري الشمالي بعدما كان ترامب أعلن الخروح من التفاهم النووي مع إيران.

لكل هذه الأسباب ربما يريد «حزب الله» أن تتشكل الحكومة في لبنان بأسرع وقت ليكون تمثيله فيها مع حلفائه وازناً قبل أن تتكاثر التطورات التي لا تصب في مصلحته في المنطقة، ولذلك يتم التهويل على الرئيس المكلف سعد الحريري لكي يخضع لشروط الحزب الذي يطلب للمرة الأولى أن تكون له حقائب وزارية أساسية.

في 8 آذار 2005 وقف السيد حسن نصرالله في ساحة رياض الصلح ليطالب ببقاء قوات النظام السوري في لبنان وبعدم تطبيق القرار 1559 الذي طالب بسحب هذه القوات ونزع سلاحه وحل ميليشياته وكان ذلك المهرجان تحت عنوان «شكرًا سوريا».

منذ العام 2011 يترنح النظام السوري تحت ضغط صراع دموي لا يرحم. كان على «حزب الله» وإيران أن يقاتلا في سوريا لمنع سقوط الأسد. اليوم بعد الخسائر الكبيرة التي تكبّدها «حزب الله» في سوريا ربما ينتظر في لحظة معينة كلمة شكر من الأسد: «شكرًا حزب الله» قبل أن يجد نفسه مضطرًا للعودة إلى لبنان. ولكن إذا حصل ذلك هل يعود مع ترسانته العسكرية أم يطلب منه الأسد أن يتركها في سوريا؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل