
في ضوء تجارب سابقة وحالية من حالات جنوح الوزير عادة في ارتكابه مخالفات دستورية وقانونية وسياسية اثناء تصريفه الاعمال وكثرة الاجتهادات السياسية والدستورية – غب الطلب – في موضوع تفسير مفهوم “تصريف الاعمال “، وانطلاقًا من حرصنا على الدستور وعلى التقيد بخطاب قسم فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون – بانطلاق عهد الدستور والقوانين ودولة الدستور والقانون، نرى من واجبنا العلمي والوطني – القاء الضؤ على الاتي:
وفقًا للفقرة الثانية من المادة 64 من الدستور “لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال”.
وقد سجلت سوابق مخالفات بعض الوزراء في الحكومات لمفهوم تصريف الاعمال في ممارستهم انشطتهم اثناء تصريف الاعمال – وقد سجلت سابقة في عهد حكومة الرئيس تمام سلام – حيث ومن الناحية الدستورية – وامام استفحال مخالفة بعض الوزراء للمبدأ الدستوري – واستباحة صلاحياتهم المحدودة في تصريف الاعمال العادية – أصدر الرئيس تمام سلام في 3 تشرين الثاني 2016 تعميمًا أعاد به التذكير بالضوابط التي يتوجب على الوزراء احترامها في ظل تصريف الأعمال (تعميم رقم 20/2016 والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 54 تاريخ 10/11/2016).
الاساس الدستوري لمفهوم تصريف الأعمال
النظام في لبنان برلمانيّ، اي انه يقوم على ركيزةٍ أساسيّةٍ مفادها مسؤولية السلطة التنفيذيّة أمام مجلس النواب، أيّ ربط ممارسة الحكومة لصلاحياتها بحصولها على ثقة السلطة التشريعيّة. ولمّا كانت هذه الثقة لا تتجسد فقط عند منحها بل هي تمتد بمفاعيلها لتشمل عمر الحكومة برمته، فيصبح لا بد من ان تترافق ممارسة سلطة هذه الأخيرة بدوام مسؤوليتها أمام مجلس النواب. لذلك، عند استقالة الحكومة أو اعتبارها بحكم المستقيلة تزول هذه المسؤولية، فتصبح الحكومة خارج الرقابة السياسية للسلطة التشريعية التي تفقد بالتالي قدرتها على سحب ثقتها من الحكومة.
وبما أن السلطة لا تمنح إلا لجهة خاضعة للمحاسبة، نصل الى نتيجة أن الحدّ من صلاحيات الحكومة المستقيلة هو نتيجة منطقيّة تفرضها الطبيعة البرلمانيّة للنظام. وليس تصريف الأعمال في نهاية المطاف سوى آلية وضع حدود مقيدة لصلاحيات السلطة التنفيذية، طوال فترة تعذر رقابة مجلس النواب عليها.
وقد اكد مجلس شورى الدولة اللبنانيّ هذه الحاجة: “وحيث أن تطبيق مفاعيل الإستقالة أو الإقالة على إطلاقه يؤدي إلى قيام فراغ في الحكم في الفترة التي تسبق تشكيل وزارة جديدة مع ما يترتب على هذا الفراغ من تعطيل اعمال السلطة التنفيذية ووقف ادارة مصالح الدولة المنوطة بالوزراء (…) وحيث أنه تجنّبًا للأخطار والمحاذير التي تنشأ عن الفراغ في الحكم، جرى العرف الدستوريّ على أن يكلّف رئيس الجمهورية الوزارة المستقيلة بالبقاء في الحكم إلى أن تتألف الوزارة الجديدة، ويحدّد نطاق أعمالها بما يسمى “تصريف الأعمال العادية”. وقد أصبح هذا العرف مبدأ أصيلاً من مبادئ القانون العام واجب التطبيق في حالات فقدان الوزارة كيانها الحكوميّ المشروع، ومن بينها حالة الإستقالة…” (راشد/الدولة).
وقد أقر مجلس شورى الدولة في لبنان هذا المبدأ إذ أعلن في قراره الشهير رقم 334/614 (راشد/الدولة تاريخ 17/12/1967) التالي: “وحيث ان مسؤولية الحكومة تنتهي في الحالات المبينة آنفًا ومنها الاستقالة وحيث ان زوال المسؤولية هو الذي يحدد نطاق “الاعمال العادية” التي يوكل الى الوزارة المستقيلة تصريفها اذ ان السماح بتجاوز نطاق هذه الاعمال يؤدي الى قيام حكومة غير مسؤولة بأعمال تخضع للمسؤولية مع ما يترتب على هذا التجاوز من مخالفة احكام الدستور وقواعد نظام الحكم التي يعتمدها…”، فيبقى اذًا تصريف الأعمال ضرورة. وقد أشار مجلس شورى الدولة الفرنسي إلى هذا الأمر في القرار الأول له الذي يتطرق إلى مسألة تصريف الأعمال بشكلٍ صريح:
‘ Considérant qu’en raison de son objet même, et à défaut d’urgence, cet acte réglementaire (…) ne peut être regardé comme une affaire courante, si extensive que puisse être cette notion dans l’intérêt de la continuité nécessaire des services publics’ (CE, Ass. 4 avril 1952 Syndicat régional des quotidiens d’Algérie).
وبالتالي وعلى الصعيد السياسي، فان مفهوم تصريف الأعمال ينطوي على ارادة دستورية بمنع الحكومة المستقيلة من إتخاذ تدابير تلزم الحكومة الجديدة المزمع تشكيلها وتحدّ من حريتها بممارسة كامل صلاحياتها الدستورية عند نيلها الثقة. إذ يمكن للحكومة المستقيلة “القيام بالأعمال التي لا ترتبط بسياسة الدولة العليا والتي ليس من شأنها تقييد حرية الحكومة اللاحقة في انتهاج السياسة التي تراها أفضل…” (مجلس شورى الدولة، قرار رقم 700 تاريخ 15/5/1995، منصور حنا هنود/الدولة).
تحديد مفهوم تصريف الأعمال
عرف لبنان سنة 1969 لأكثر من سبعة أشهر ازمة سياسية ودستورية فجرتها استقالة الرئيس رشيد كرامي. وفي هذه الاثناء وبمناسبة تقدم احد الموظفين بطعن ضد قرار اداري، مدعيًا أن الوزير لم يكن يحق له اتخاذ الاجراء المشكو منه كونه ينتمي إلى حكومة مستقيلة. وبالفعل، قسّم المجلس في قراره انذاك أعمال الحكومة إلى ثلاث فئات:
·الأعمال العاديّة الإداريّة (actes de gestion): أيّ الأعمال اليومية التي يعود إلى الهيئات الإداريّة إتمامها، ويتعلّق إجراؤها في الغالب على موافقة هذه الهيئات كتعيين ونقل الموظفين وتصريف الأعمال الفردية التي لا يمارس عليها الوزير سوى إشراف محدود.
·الأعمال التصرفيّة (actes de disposition) في الظروف العاديّة: وهي تلك التي ترمي إلى “إحداث أعباء جديدة أو التصرّف باعتمادات هامّة أو ادخال تغيير جوهريّ على سير المصالح العامة أو في أوضاع البلاد السياسية والإقتصاديّة والإجتماعيّة تحت طائلة المسؤوليّة الوزاريّة”. لذلك، لا تدخل الأعمال التصرفيّة في نطاق تصريف الأعمال، ولا يجوز للحكومة المستقيلة أن تقوم بها.
·الأعمال التصرفيّة في الظروف الإستثنائيّة حصرًا: الأوضاع الإستثنائية التي تتعلّق بالنظام العام وأمن الدولة الداخليّ والخارجيّ تسمح للحكومة المستقيلة وليس للوزير او الوزراء منفردين باتخاذ تدابير ضرورية تخرج عن تصريف الأعمال. “وفي هذه الحالات، تخضع تدابير الوزارة المستقيلة وتقدير ظروف اتخاذها إياها إلى رقابة القضاء الإداريّ بسبب فقدان الرقابة البرلمانيّة وانتفاء المسؤولية الوزارية”.
اما المجلس الدستوريّ في لبنان فقد رأى أن تصريف الاعمال هو تعبير عن مبدأ إستمرارية السلطات الدستورية منعًا لحدوث أيّ فراغ، كما اعتبر أن “حق رئيس مجلس الوزراء المستقيل بالطعن بالقانون الذي يشارك بتوقيعه رئيس الدولة في مرسوم إصداره لا يدخل في المفهوم الضيّق لتصريف الأعمال، لأنه عملٌ إنشائيّ بامتياز وغير إجرائيّ، طالما أن من شأنه أن يؤدي إلى إبطال هذا النصّ التشريعيّ وإحداث وضع قانونيّ مغاير بنتيجة هذا الإبطال” (قرار رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005).
ويبقى ان نشير الى انه وانطلاقًا من احكام المادة 66 من الدستور التي تنصّ صراحةً على أن “يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين كلّ بما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته”، فالوزير هو رأس الهرم الإداريّ في وزارته، وهو مسؤول عن تطبيق ساسات الحكومة وليس سياسته المنفردة الى جانب القوانين والانظمة .