جريمة الإشتباك مع المجتمع الدّولي

ملفّ النّازحين يتفاقم يومًا بعد يوم في ظلّ عدم اجتراح الحلول النّاجعة. فكلّ ما يطرح إلى الآن من إعادة مجموعات في أماكن مختلفة بطريقة تكاد تكون إفراديّة لا يشكّل حلّا لهذا الملفّ. ومن البديهي أن لا أحدًا من اللّبنانيّين يريد تحويل هؤلاء النّازحين إلى لاجئين على غرار ما  حدث في ملفّ القضيّة الفلسطينيّة. فهل الدّخول في اشتباك مع المجتمع الدّولي يساهم في حلّ هذه المعضلة؟ أم أنّه يثبّت هؤلاء في لبنان تحت ذريعة دخول البلد في اشتباك مع الأسرة الدّوليّة، على خلفيّة هذا الملف وغيره من الملفّات المطروحة عالميًّا؟

إنّ سياسات مواجهة المجتمع الدّولي قد أضرّت بلبنان في المراحل الماضية أكثر  بكثير  من إفادته. فلماذا تكرار أخطاء الماضي؟ يجب ألّا يستعمل الملفّ الدّولي كوسيلة لاستقطاب شعبيّة ما في الدّاخل اللبناني لا سيّما بعد تدنّي نسبة تأييد النّاس لهذا الخطّ الذي حصد في مراحل سابقة ما نسبته 70 % من المجتمع المسيحي. إلّا أنّ هذا التبدّل الذي نتج عن الإنتخابات النيابيّة يجب الإعتراف نتيجته بمسألتين:

 

1-   وجود “القوّات اللبنانيّة” كقوّة سياسيّة وشعبيّة وحزبيّة، وهذا ما يفرض على القوى السياسيّة مجتمعة القبول بهذا الواقع حكوميًّا، والكفّ عن مقاربة المسألة الحكوميّة عن طريق الأحلاف الهجينة أو المركّبة فقط للحصول على مقعد وزاريّ من هنا، أو لهزّ عرش طائفة ما من هناك.

2-   تحوّل المزاج العام المسيحي نحو الفئة التي تعمل ولا تتكلّم، وليس كما كان سابقًا مع كثيري الكلام وقليلي الأعمال. ولا يسألنّ أحد بعد عن أعمال “القوّات اللبنانيّة” من خلال اقتطاع بعض قرارات ومحاضر مجلس الوزراء لتزوير الوقائع. فالشمّس شارقة والنّاس ترى.

لا تُبنى الثقة السياسيّة بزعزعة الثقة بالخصم من خلال التّهشيم بأعماله. هذه المرحلة تتطلّب الكثير  من التّعالي على المصالح الشّخصيّة، ولا بدّ لنا كمجتمع مشرقيّ أن نتخلّص من الشّخصانيّة وأن نتّجه نحو بناء أحزاب تقوم على مبادئ  ثابتة، وتنظيم ديمقراطي يحترم تبادل السلطات لنستطيع بناء وطن. ماذا وإلا عدنا إلى سياسة الإقطاع وهذا ما سينتج حتمًا ثورة شعبيّة تجلّت بوادرها في نتائج الإنتخابات النيابيّة الأخيرة.

 

أمّا فيما يتعلّق بمقاربة ملفّ النّازحين، فللمتشدّقين بإعادة العلاقة مع النّظام كشرط لإعادة هؤلاء، يكفينا فخرًا أنّنا لا نضع يدنا بيد من  ذبح شعبه. فالتّنسيق مع النّظام ليس لإعادة النّازحين بل سيكون للبحث في كيفيّة الإحتفاظ بهم، وفي إعادة هذا النّظام إلى صلب الحياة السياسيّة اللبنانيّة. وهذا ما سيضع لبنان في مواجهة مع المجتمع الدّولي الذي يحارب هذا النّظام. وهذا بالطّبع مرفوض مرفوض مرفوض.

في ظلّ هذه المقاربات كلّها، من غير المسموح زعزعة علاقة لبنان اليوم بالمجتمع الدّولي، وتشويه صورة الدّولة فيه، لا سيّما وأنّنا بتنا نعاني من ثقل صورة هيمنة السلاح غير الشّرعي، ومشاركة “حزب الله” في الحرب السّوريّة ما يكفي لوضع لبنان في مواجهة المجتمع الدّولي. ناهيك عن العقوبات الأميركيّة التي صدرت مؤخّرًا بحقّ بعض الشّخصيّات في هذا الحزب. فهل يحتمل لبنان مثلاً كشف حدوده الجنوبيّة بالكامل في حال تمّ انسحاب القوّات الدّوليّة من الجنوب؟ وهل يحتمل الإقتصاد اللبناني عدم التزام الأسرة الدّوليّة بمقرّرات مؤتمر سيدر الأخيرة على أثر هذه السياسات الخارجيّة؟

خبر عاجل