
من العجيب، في زمننا الحاضر، أنّ الكثيرين من متعاطي الشأن العام عندنا، قد غاب عن بالهم أنّ اللسان هو العقل الحسّي، بمعنى أنّه آلة العقل التي تنقل الأفكار من حالة الوجود بالقوة الى حالة الوجود بالفعل. من هنا، لا مجال للتمويه أو للتلطّي مع اللّسان الذي يتحوّل الى بيان قاطع يفضح ما يجول في البال، فلا دور بالتالي لضبط ما لا ينضبط.
واللّسان، بالمفهوم الأخلاقي، يندرج في سلم القيم، عندما يتشدد معه بمعايير الحصافة التي يعتبرها البعض حقّاً يستدعي المواجهة. والحصافة كالأمن، تنتهك سيادتهما بحيثيّة التراضي، ويعزز خمولهما بانهيار غضب الكرامة. وبقدر ما يتفلت اللّسان من مقاييس الحصافة، أي من سلوكيّات الإنضباط ومبدئيّات الأعراف، بقدر ما ينحرف صاحبه الى السفاهة الكريهة، ما يتسبب بتمزيق صورة النّاطق بمنطوقه.
أمّا الإرتهان، فهو التخلّي الإرادي عن التعملق بالحرية والتفوّق بتكاثف الكرامة الوطنية، لمصلحة الخضوع لأزمنة الصّدأ والمفاهيم الممسوخة. الإرتهان، وهذا عنوان البعض عندنا ممن نكروا الجميل واستهواهم الذلّ، هو أن يصبح هذا البعض مسكوناً بدنس الخيانة والولاء للعمالة، والموقعتين بالشتائم. ولو لم يكونوا كذلك، لماذا لا تقع مواقفهم إلاّ في خانة التهريج السياسي؟ لماذا لا تعمل حواجز المراقبة عندهم لصدّ ما يتسرب من “عقولهم” العفنة الى ألسنتهم؟ لماذا أصبح معهم مفهوم الوطن السيّد هرطقةً بائدة، إسوةً بالذين يشغّلونهم؟
إنّ هذا البعض المنبطح لا يتحفنا إلاّ بتصريحاتٍ دونيّة دونكيشوتيّة، وكأنّ عصور التنوير قد فاتته. وقد باع هذا البعض كرامته بأثمانٍ بخسة، ولجأ الى اللغة النّابية الشتّامة التي تنتجها ألسنةٌ موضّبة في علب التفاهات، تصدر عن أوكارٍ دنيئة همّها النيل الممقوت من تسامي الصّالحين. إنّ هذا البعض المتذاكي، والذي لا ينمّ كلامه سوى عن جبانة مشهودة وعن عزلةٍ أخلاقيّة، لا يعلم بغبائه أننا نعرف تماماً الشيطان، مهما بدّل ثيابه.
مع هذا البعض ذي الهلوسات العقيمة، يعيش لبنان عصر انحطاطٍ جدرانه صفيقة. والتخلّف ليس فقط ماديّاً، لكنّ شراسته تظهر في حرمان صاحبه من الإعتدال العقليّ، فتسدل على وجهه السّفور، وتلقى على محيّاه الحجب، ليعيش حال الزحف والعجز في أقبية الذلّ. مع هذا البعض الأرعن، والمتهالك على الإنبطاحيّة البائسة، يعاني لبنان، والشّرفاء المعروفون فيه وليس المصطنعين، ديكتاتوريّة التزلّف الإرتهانية، هذه التي تغمس رؤوس أتباعها في كومة الأرجل.
إنّ الإرتهان الذي يعبّر عنه أصحابه بإدمانهم الثرثرة السيّالة، وبكلّ صفاقة، أصبح مأساةً كبرت في الوطن أضرارها. ونتج عنها حالةٌ نزاعيّة بين المرتهنين وبين من يشتمهم هؤلاء، وما هؤلاء سوى برابرة عصر الظّلامة، والذين تدور طواحين ألسنتهم على فراغٍ يشبههم، فلا نرى طحناً.
والمطلوب، أن يرمى جانبًا هذا البعض السخيف والمنحنية جبهته حتى ضجيج التّراب، والذي يعاني من أعطالٍ في التوازن الخلقي، كلّ ذلك ليسلم الوطن من ممتهني الأكاذيب والدناءات. فعسى ألاّ تفرّخ ألسنة هذا البعض ثعابين.
ملاحظة: مهداة الى ناكري الجميل المعروفين.