#adsense

مش مع المانيا؟ فلّ من وجي!!… حلو المونديال!

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد 1666: 

تتنازع الدول في ما بينها، هي حرب عالمية جديدة انطلقت، حرب سلاحها الأشرس كرة صغيرة حوّلت العالم الى قرية صغيرة تدور الدنيا من حولها، يحبس العالم أنفاسه كلما طارت شوطة في الهواء، وهوا البلد صار ألوانا وأعلاما وانتماءات لا تمت الى البلد الأم بصلة، فمن 14 حزيران حتى الـ15 من تموز إذا بتسمحوا أنا ألمانية، أنا برازيلي، أرجنتيني إسباني إيطالية… ماذا يجري؟ وقعت الحرب؟ لا، هو المونديال في لبنان.

قبل أي كلام، المونديال-عنا، هكذا يروّج “تلفزيون لبنان” لمرحلة المونديال، بعدما استحصل على حصرية نقل كأس العالم، كما كان وعد وزير الإعلام ملحم الرياشي. شكرا للوزير الذي يعمل حثيثا تحت الأضواء، والذي منحنا متعة حضور المباريات كافة من دون تكبد أي كلفة إضافية. نعود الى الملاعب والى ساحات لبنان تحديدا. الأكيد ان لا مكان للعلم اللبناني في تلك الصراعات الدولية، لم يصل لبنان بعد الى مستوى المشاركة في أجمل وأعرق الرياضات على الإطلاق، كرة القدم، الله كريم من يدري بلكي بعد عشرة عشرين ثلاثين وربما مئة عام ليش لأ، قد ينال شرفية هذه المشاركة. والى ان تحين تلك الساعة يغزل البلد حماسته على وقع شوطات أبطال الكرة، وروسيا تلك التي ننتقدها بقساوة لأنها تدعم نظام بشار الأسد، نحسدها الآن لأنها تستقبل الاستحقاق الكروي الدولي.

يخرب بيتك يا روسيا تستقبلين هذه السنة كأس العالم، لكن لحظة ديري بالك، هذا لا يعني أنك ستربحين، وصراحة لا نريد ان تربحي، وأصلا أصلا مستحيل ان تفعليها، أين أنت من أبطالنا أولئك الذين جعلناهم أيقوناتنا في ملاعب العالم الخضراء؟! ثمة مارد كرة يتصدى لك ولأمثالك ومن هم أقوى منك بكثير، ثمة ألمانيا وحارس المرمى ذاك الوسيم العملاق مانويل نوير، آتية ألمانيا يا كأس العالم فتحضّروا للنصر..!!! ألمانيا؟ أبدا أبدا، ثمة برازيل بلد أبطال الكرة وذاك الساحر رونالدو، ثمة الأرجنتيني وذاك الأعجوبة في ملاعب العالم ليونيل ميسي، وثمة وثمة وثمة… وثمة أيقونات تتنقل في الملاعب وبدأت تأخذنا على مدى نحو الشهر الى غير عالم، بعيد بعيد عن هنا وهموم هنا ومصائب الـ هنا تلك، تشكيل حكومة، لا تشكيل، تجنيس، فساد، قرف، دولة لا دولة. لا. لا. لا. ليس الآن ليس الآن، الآن زمن المونديال، الزمن المستقطع من وقت جمهورية الفساد تلك في سفرة على أرضها الى هناك، الى أرض الملاعب.

على خدي علم ألمانيا، حلو؟ ما تقولوا لأ! لا يجوز ان أعلن انتمائي الكروي أعرف، إذ إن المفروض ان أكتب بموضوعية كي لا أتهم أني أوجّه القراء الى حيث أريد! غير صحيح، لأن القراء ومن زمااان بعيد أعلنوا انتماءهم، ولا ينتظرون مقالا صحافيا ليعبروا الى تحديد هويتهم الكروية، هذه قصة متابعة، شغف، ثقافة، إدراك واختيار، لكن ومع ذلك كيف يمكن ألا تكونوا ألمان؟

حلّي عنا، عندما نتكلم عن كرة القدم تنتصب بوجهنا البرازيل، تلك التي لم تغب يوما عن  البطولات الدولية، وفازت بكأس العالم خمس مرات، إنتو قدّها للبرازيل؟!

أففف ثمة تحدٍ كبير نعيشه، والشاطر من يضبط أعصابه حتى النهاية، فلنلتزم الهدوء إذ إن أيام المونديال المقبلة تخبئ الكثير من التحديات والتحديات المضادة، والانفعالات العالية الجودة التي قد تصل أحيانا الى شوطة محكمة لشاشة التلفزيون، ما لم يحقق فريق أحلامنا الهدف المنشود! لا داعي لعلامة التعجب هنا، فاللبنانيون يذهبون أحيانا الى أبعد من ذلك بكثير صدِّقوا، فهذه مرحلة مصيرية أيضا بالنسبة إليهم، أن ينال فريقهم المفضل بطولة كأس العالم، هينة؟ لا ليست هيّنة ولا هي بتلك الصعوبة أيضا، على رغم ان اللبنانيين يتماهون الى أبعد من الحدود المرسومة لتلك اللعبة الرائعة، وحدود اللبنانيين تبدأ من رفع علم بلدهم الكروي المفضّل، وصولا الى إهمال كل شيء، كل شيء ما عدا ذاك الاستحقاق، وتكريس كل كل كل الأوقات للمونديال، الرجال الى الشاشات والنساء الى التذمّر والنق!! مشّونا شهر وبيقطع يا ستّات…

يا ويلي هي حرب أخرى تدور رحاها في المنازل، ولو عرف ذاك المحامي الفرنسي جول ريميه، الذي كان أول من أطلق بعد سنين مضنية من العمل، أول بطولة عالمية لكرة القدم العام 1930، وكان إسمها آنذاك “كأس النصر”، لو كان يعلم ان حرب الكرة ستتحول الى حرب رجال ونساء، لعله ما كان أقدم على فعلته تلك، إذ ما كان يعلم ان تلك الكرة الصغيرة ستحكم العالم يوما ما، وان هذا الاستحقاق الكروي المتجدد كل أربع سنوات، سيُدخل تلك الدنيا الواسعة الضيقة في ما يشبه حال الطوارئ، كما يحصل الآن في لبنان، عدا عما يجري من حولنا في العالم.

شوارع لبنان ومحاله التجارية وأرصفته وشرفاته، الأهم شرفاته وحتى ساحات القرى، مهرجان ألوان، عرس بيارق يتراقص في هواء وطن يكاد حتى الهواء يسلب منه لفرط السارقين والفاسدين، ومع ذلك يخترع له واحة هواء نظيف تنعش حماسته وشغفه للعبة، وها هي بيارق العالم عندنا تتراقص على شرفاتنا وتتناحر فيما بينها أيضا، زيح من حدّي، لأ إنت زيح، أنا أقوى، أنا الأقوى، والأقوى من سيفرض إيقاعه في الملاعب، لكن صبر اللبنانيين وإعلامهم الفايسبوكي سبق كل النتائج وحتى التوقعات. من الآن أنا شخصيا أعلن فوز ألمانيا، لكن رفيقي بسام يجزم فوز إسبانيا، ربيع يريد البرازيل وطوني وموريس يساندانني، مين مع الطليان؟ كل الصبايا، سواء أكن يفهمن باللعبة أم لا هن مع إيطاليا لأن اللاعبين من أجمل شباب العالم، بس يا صبايا إيطاليا ليست مشاركة هذه السنة بالمونديال، شووو؟؟ وإذا أنا مع الطليان!!

معلّم شو سعر علم ألمانيا؟ ما إلو تمن بس إلك إنتِ بعشرين ألف!! يبتسم البائع ويتقدم من الزبونة واثق الخطوة، يا لطيف قطعة القماش تلك متر طول وعرض بعشرين ألفا ليش يا خيّي؟ “هيدا الموسم وبدنا نسترزق” يقول. “أوكي عشرون ألفا وحبة مسك طالما أننا سنربح”، وإذ به ينتفض ويلتفت صوبها مزمجرا “شو قلتي؟؟؟ عطيني العلم لهون ما بقا بدي بيعو، قال ألمانية قال، رح أعطيكي علم الأرجنتين ببلاش ليكي شو حلو”. ورفضت الصبية ان تأخذ العلم  البديل، واندلع النقاش بينها والبائع، وبدل أن يسكت ويسترزق، خسر الزبونة فداء لانتمائه الكروي!

هذا وفاء نادر لعمري في وطن يعاني ما يعانيه غالبا من قلّة الأوفياء فيه، والمشهدية لا تقف هنا، فليالي لبنان عابقة بالصراخ، ساحات ضيعتي تنام في هدوئها عادة بعد العاشرة ليلا ولو كانت بعد في عزّ سهرها، هذه الأيام وكما المدينة ما عادت الضيعة تنام، حلقات الشباب وبعض الصبايا تعقد في المقاهي والبيوت، وكل يخصص شاشات عملاقة لمتابعة المباريات على وقع كركرة الأراكيل تلك، وصيحات الاستهجان حينا، الاستنكار أحيانا، الخيبة أحيانا أخرى، والإعجاب بالأبطال كلما سجّل أحدهم هدفا، وكارثة الكوارث في التزريك نهاية كل مباراة، وتنتهي مباراة لتبدأ أخرى ولتبدأ معها التحليلات والتوقعات وما كان يجب ان يكون وما يجب أن يحصل “وأيمتى منروح ع الشغل طيب؟” وهنا حكاية أخرى…

“أكتر شهر بعتلّ همّو وقت المونديال” يقول مدير إحدى  الشركات الخاصة في لبنان، إذ هي المرحلة التي تسجّل أعلى نسبة غياب للموظفين، أقل نسبة إنتاج، أعلى نسبة نعاس وإنهاك وتشتت، أدنى نسبة حضور ذهني في أوقات العمل!! كيف يذهب موظف الى عمله عند الثامنة صباحا بعد ان يكون أمضى ليله مسمّرا الى شاشة التلفزيون متابعا للمباريات كافة؟ “أنا كل أربع سنين باخد عشرة أيام من فرصتي السنوية بوقت المونديال” يقول أحد الرفاق، بعضهم يستنفد العطلة السنوية في أيامها كافة، “هي مرة كل أربع سنين وبتحرز نفرّص كرمالها” صحيح، هي مرة كل أربعة أعوام، علما ان الاستحقاق الكروي العالمي لم يغب مرة عن موعده إلا في مرحلة الحرب العالمية الثانية، حيث ألغيت دورتان حين لعب العالم وقتذاك بكريات نار هتلر وموسوليني وتشرشل وروزفلت، ومذذاك الوقت ما عادت تغيب لأي سبب كان.

كل شي حاضر؟ الأركيلة، كأس الويسكي أو قنينة بيرة، شوية بزورات، الرفاق، بدأت المباريات، مين رح يلعب الليلة؟ سؤال يومي قبل المرحبا والتحية والسلام وكل الكلام، جولة أفق على مباريات الأمس، ثم تتسمّر العيون الى شغفها، طارت الكرة، دخلت الهدف، تخطت العارضة، بينالتي، ضربة جزاء، غووووووووول، كل ينتظر هذه الصرخة لفريقه، وسجّل تلفزيون لبنان أول هدف في مرمى عشاق اللعبة، وسجّل لبنان أهدافه المدوية في عدد متابعي المونديال، وسجلت الحركة التجارية هدفها في تنشيط الدورة الاقتصادية ولو بمداها المحدود، وسجّل اللبناني أجمل أجمل الأهداف في إخلاصه للمونديال ولأبطاله الدوليين.

لا نعرف من سيحمل كأس العالم بعد وإن كنا نتوقع، وأنا مصرّة ان تبقى حاملة كأس العالم للعام 2014 لكأس هذه الدورة أيضا، ولتعش ألمانيا بطلة العالم… وها أنا من جديد أرشق بالبرازيل والأرجنتين وإسبانيا و… وأنا أهرب.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل