مرسوم التجنيس وقضية القرى السبع

مرسوم التجنيس وقضية القرى السبع

زهرا: لا أعرف من رتبه لكن نتائجه كارثية على العهد

مرقص: لبنانيون في الانتماء أحق من هؤلاء بالجنسية

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” العدد 1666:

ما كاد الكلام عن إمكانية تصحيح مرسوم التجنيس من خلال إبطاله وإصدار مرسوم جديد يتضمن أسماء المستحقين، حتى صدح كلام عن أحقية منح الجنسية لمن لم يستفيدوا من أبناء القرى السبع وواديخالد من مرسوم التجنيس عام 1994. الكلام مر همسا ومن دون أية ضجة على رغم المشهد الديمغرافي الجديد الذي سيرسم فيما لو تم إلحاقهم وتجنيسهم بموجب المرسوم الجديد. فهل سيتضمن المرسوم الجديد أسماء الدفعة الأخيرة من مكتومي القيد في القرى السبع ويتحقق التوازن الطائفي الذي أشار إليه الرئيس نبيه بري والوزير علي حسن الخليل بعد صدور المرسوم؟ وهل يمكن إصدار مرسوم جديد في ظل حكومة تصريف أعمال؟ وهل بتنا أمام مشروع توطين مبطن؟ هل تحولت الجنسية إلى “كماليات” ومحسوبيات سياسية ومعادلات ديمغرافية ليسقط معها حق من يفترض أنهم ولدوا في لبنان ونشأوا وتعلموا ومنهم من قاتل ودافع واستشهد… هؤلاء مستحقون أم غير مستحقين؟ هؤلاء من يتكلم بإسمهم؟ ولماذا يُحرم هؤلاء فقط من حق إعطاء الجنسية بحجة التوطين؟

ليس صدفة أن يتزامن كلام البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي المطالب بسحب مرسوم التجنيس خلال افتتاحه أعمال السينودس في بكركي مع الحملة التي شنها وزير الخارجية جبران باسيل على المفوضية العليا للاجئين بحيث اعتبر بعض المحللين أنها تهدف إلى إلهاء الرأي العام المحلي والدولي عن مرسوم التجنيس وما تضمنه من شوائب لجهة تضمينه أسماء تحوم من حولها شبهات قانونية وأمنية. ومن هذا المنطلق كان توصيف البطريرك الراعي أسماء بعض من وردت أسماؤهم بأنها “لا تشرف الجنسية اللبنانية”.

المرسوم الذي صدر على حين غفلة وبأسماء مشبوهة أعاد إلى الأذهان مرسوم التجنيس الصادر عام 1994 الذي أوقع خللا ديموغرافيا كبيرا في البلاد. هذا الخلل أشار إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري ومن هنا كانت دعوته لأبناء القرى السبع الذين لم يشملهم ذلك المرسوم بتحضير ملفاتهم ليصار إلى تقديمها إلى وزارة الداخلية “ليس من باب النكايات السياسية، إنما من باب حقهم في الحصول على الجنسية اللبنانية وهم الأولى بها، ومن ثم مراعاةً لمقتضيات التوازنات الطائفية والوطنية”.كلام واضح وصريح لكن ما هي تداعياته فيما لو ثبت وجود شوائب في بعض السجلات مما يستدعي إصدار مرسوم جديد يتضمن حتما أسماء هذه العائلات من القرى السبع؟

النائب السابق أنطوان زهرا اعتبر أن “مشروع منح الجنسية لمن يحمل بطاقة قيد الدرس أو غيرها لا يمكن وضعه إلا في خانة التوطين المناقضة لما ورد في الدستور اللبناني. وهذه واحدة من الشوائب التي اعترت مرسوم التجنيس الذي وقع عليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد توقيعي وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال نهاد المشنوق ورئيسها  سعد الحريري إضافة إلى العيب الجوهري المتمثل في وجود ملفات أمنية وقضائية في حق عدد من الأشخاص الواردة أسماؤهم في المرسوم”. بناء عليه يضيف النائب السابق زهرا “سوف يتقدم حزب “القوات اللبنانية” بطلب الطعن أمام مجلس شورى الدولة لإعادة النظر به على رغم عدم نشره في الجريدة الرسمية مع التشديد على ضرورة منح الجنسية لمن يستحقها”.

طلب الطعن سيفضي إلى إبطال المرسوم وإصدار مرسوم جديد يتضمن حتما دفعة من أبناء القرى السبع التي لم يشملها مرسوم التجنيس عام 1994 مما يعني مخالفة الدستور الذي نص على ضرورة عدم التوطين وأبناء القرى السبع من ضمن هذه الخانة كونهم يحملون بطاقات قيد الدرس. ويقدر إجمالي عدد ابناء القرى السبع في نهاية العام 2001 بحوالى 4500 نسمة تقريباً، وجميعهم من المسلمين الشيعة، باستثناء قرية إبل القمح التي يتوزع سكانها بين مسلمين شيعة ومسيحيين، وقد بلغت نسبة المسلمين فيها وفق إحصاء العام 1944 – 1945 حوالى 66,7 في المئة، أي ان ثلث سكان القرية كانوا من المسيحيين. فهل يشكل المرسوم الجديد الذي سيصدر بعد تشكيل الحكومة خللا جديدا في التركيبة الديمغرافية وما هو مصير المرسوم الحالي الذي وضع تحت مشرحة التدقيق في الأسماء الواردة فيه والتي تبيّن أن البعض منها صدرت في حقها أحكام قضائية وأمنية وهذا ما ستثبته نتائج التحقيقات التي تجريها مديرية الأمن العام في ملفات الأسماء الواردة في المرسوم بعد تسليمه لها، علما أن المسار القانوني كان يفترض أن يحصل ذلك قبل التوقيع عليه.

“حاليا هناك توجيهات بتجميد منح الجنسية لأي من الأسماء الواردة في المرسوم” يقول النائب السابق أنطوان زهرا “ومع صدور القرار النهائي المعلل يصار إلى إصدار مرسوم جديد في حال تم تشكيل حكومة جديدة وإلا يبقى قرار تجميده ساري المفعول”. وأكد أن “مرسوم التجنيس لن يسري بسبب المخالفات الجوهرية الموجودة فيه”، لافتا إلى أنه “على رغم صلاحيات رئيس الجمهورية التي نقدرها ونحترمها إنما تبقى محكومة بالقانون”.

وعن خلفيات توقيت صدوره بعدما درجت العادة أن يوقع رؤساء الجمهورية السابقون مراسيم تجنيس في نهاية العهد قال زهرا: “لا أعرف من سعى ورتّب وجدول المرسوم، لكن نتائجه كارثية على صورة العهد ومساره الوطني خصوصا لجهة العيوب التي ظهرت”. وفي مسألة تجنيس النازحين السوريين أكد ان “هذا الموضوع سياسي بامتياز ولا أعتقد أن هناك نية في ذلك كما لا تجوز مواجهة إبطال القانون رقم 10 في سوريا الذي كان يمهد إلى إحداث فرز ديمغرافي بإصدار مرسوم تجنيس في لبنان. وإذا كانت هناك ثمة مشكلة مع النظام تحول دون عودة قسم كبير من النازحين فهذه تحل ديمقراطيا  لكن إذا وُجدت أية نية لتجنيس نازحين فلدينا ما يكفي للتصدي له”. ولفت في هذا الإطار إلى المشروع الذي تقدم به حزب “القوات اللبنانية” للتعاون مع المجتمع الدولي لتأمين عودة آمنة للنازحين السوريين إلى وطنهم وبيوتهم وممتلكاتهم.

ما عادت مسألة وجود أسماء تعتريها مخالفات في مرسوم التجنيس قابلة لأي شك وفي حال أكدت التحقيقات التي تجريها المديرية العامة للأمن العام ذلك سيتم رفع الأسماء إلى رئيس الجمهورية ليصار إلى إصدار مرسوم جديد يفضي بسحب الجنسية عن هؤلاء أو يعود ويتراجع عن المرسوم الأول بموجب مرسوم جديد يضم أسماء شملها المرسوم الأول إضافة إلى الأسماء المقترحة من رئيس مجلس النواب. بهذا الشرح القانوني البحت أوضح المحامي الدكتور بول مرقص مسار مرسوم التجنيس بعد تجميده. لكن ماذا عن مصيره بعدما طالب رئيس مجلس النواب بأحقية تجنيس أبناء القرى السبع الذين لم يشملهم مرسوم تجنيس العام 1994؟

يقول: “للأسف هناك كثر ممن ولدوا في لبنان وترعرعوا ودرسوا وتعلموا تخرجوا بشهادات عالية ومنهم من عانى وقاتل دفاعا عن أرض لبنان ومنهم من يتحدر من أم لبنانية أو جدة لأب غير لبناني لكنهم محرومون من حقهم بالجنسية اللبنانية على رغم اندماجهم بالمجتمع اللبناني ولا شيء يفرقهم عن مطلق أي مواطن لبناني إلا حرمانهم من المستندات اللبنانية”. ولفت إلى هذه الفئة التي حرمت من الجنسية والمصنفة بحسب توصيفه “لبنانيون في الإنتماء”، هي من الفئات المستحقة وأضحت تشكل عبئا على المجتمع اللبناني. نسأل عن التداعيات المفترضة فيما لو ضم المرسوم الجديد أسماء من القرى السبع الذين لم يشملهم مرسوم تجنيس العام 1994؟ ويجيب الدكتور مرقص: “أعتقد أن الأمر يجب ان ينظر إليه برمته ومن ناحية تشريعية عبر إعادة النظر بالقرار رقم 15 والذي له قوة القانون والصادر عام 1925 عن المفوض السامي كي يصبح قانونا عصريا لمنح الجنسية اللبنانية وفق شروط ومعايير مشددة بدلا من اللجوء إلى مراسيم. فهذه الأخيرة المحفوظة لرئيس الجمهورية يقصد بها أشخاص محددون وليس فئات في حد ذاتها وقد عملنا في “جوستيسيا” على مشروع قانون مماثل بطلب من الجمعيات النسائية لكن لم يكتب له الحظ للمرور في مجلس النواب لأن هناك توازنات طائفية دقيقة ولا تجوز معالجتها بمعايير إطلاقية إنما بمعيارية لأن لبنان لا يحتمل دفقا بشريا هائلا بسبب هذه التوازنات الدقيقة”.

هل يكون المرسوم الجديد بمثابة مدخل لمشروع تجنيس وتوطين؟ مرقص الذي يرفض مناقشة المرسوم من الناحية السياسية يجيب من خلفية قانونية بحتة ويقول: “لا أعتقد ذلك لأن هناك نقطة في الحد الأدنى خصوصا في الآونة الأخيرة بدءا بالمادة 49 التي أسقطت من قانون الموازنة وصولا إلى هذا المرسوم مرورا بموضوع المفوضية العليا للاجئين ومبادرة وزارة الخارجية والمغتربين بتجميد كافة الملفات فيها. هذه المحطات الثلاث فرضت حالا من الحذر وبات من الصعب أن يمر أي مشروع توطيني”. وختم مؤكدا أنه “إذا أفضت تحقيقات مديرية الأمن العام إلى وجود شوائب في بعض سجلات الواردة أسماؤهم في المرسوم يعمد رئيس الجمهورية إلى إصدار مرسوم آخر مقرونا بتوقيعي رئيس الحكومة ووزير الداخلية لكن المرسوم لا يكون نافذا إلا بعد تشكيل حكومة لأنه لا يجوز توقيع مطلق أي مرسوم  في ظل حكومة تصريف أعمال. وإلى حينه يبقى الرجوع عنه جائزًا خصوصا أنه لم ينفذ بعد”.

القرى السبع تاريخ وديمغرافيا

بين السهو والخطأ سقطت أسماء أكثر من 400 عائلة من مرسوم التجنيس الصادر العام 1994. وذنب هؤلاء الوحيد، وما زال العدد الأكبر منهم يحمل بطاقة “لاجئ”، أنّ ملحق التجنيس لم يوقع عليه حتى اليوم. وذلك على بُعد أيام من انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ليتكرر ما حصل في ولايات رؤساء سابقين.
ومع كل يوم يمر ترتفع مشكلة تلك العائلات المنتمية إلى بلدات القرى السبع الذين كانت بلداتهم قد سلخت عن لبنان في معاهدة سايكس بيكو في العام 1921، وجرى ضمها إلى فلسطين المحتلة، علماً أنّ أسماء أجدادهم مدرجة في إحصاء العام 1924.
تمتد القرى السبع (طربيخا، صلحا، قدس، المالكية، إبل القمح، هونين وإقرط)، من الشرق الى الغرب، بشكل سلسلة مترابطة من الأراضي الجبلية والهضبية المنتظمة على شكل قوس، يبدأ من إبل القمح القريبة من الخيام في شرق لبنان وينتهي بطربيخا في الغرب في محاذاة عيتا الشعب. ومنذ إلحاقها بفلسطين عام 1923 باتت هذه القرى الجنوبية تابعة لأراضي منطقة جبل الجليل الأعلى في أقصى شمال فلسطين المحاذية للحدود اللبنانية. ولعل هذا الالتحام هو ما أفضى إلى إطلاق تسمية الجليل على كامل السلسة الجبلية الغربية المسايرة لساحل بلاد الشام”.

وفي دراسة قانونية اجتماعية بعنوان “القرى السبع اللبنانية المحتلة” وضعتها “الجمعية الاجتماعية الثقافية لأبناء القرى السبع” قدر إجمالي عدد أبناء القرى السبع في نهاية العام 2001 بحوالى 4500 نسمة تقريباً، ويعتبر جميع أبنائها من المسلمين الشيعة، باستثناء قرية إبل القمح التي يتوزع سكانها بين مسلمين شيعة ومسيحيين، وقد بلغت نسبة المسلمين فيها وفق إحصاء العام 1944 – 1945 حوالى 66,7 في المئة، أي ان ثلث سكان القرية كانوا من المسيحيين.

تبلغ مساحة الارض الاجمالية التابعة للقرى السبع بما فيها الداخلة في الأراضي اللبنانية المحررة حوالى 103740 دونماً. اما المساحة الإجمالية لاراضي هذه القرى التي فقدها لبنان منذ العام 1923 بالحاقها بفلسطين، ومن ثم باحتلال الإسرائيليين لها في العام 1948 فتقدر بحوالى 74221 دونماً. وتعود ملكية الأراضي في غالبيتها العظمى الى ابناء القرى السبع اللبنانيين، إذ تبلغ هذه المساحة حوالى 68917 دونما، أي ما نسبته 92,8 في المئة، وهي عبارة عن مجموع مساحة الأراضي المملوكة من أبناء القرى السبع، وأراضي المشاع التابعة لهذه القرى، والتي تعود ملكيتها بطبيعة الحال الى لبنان. أما اليهود فلم تكن نسبة الأراضي التي يملكونها في العام 1944 – 1945 تتجاوز الـ 7,2 في المئة من إجمالي مساحة هذه القرى، حيث تتركز ملكيتهم في ثلاث قرى فقط هي: إبل القمح (1327 دونماً)، وقدس (3491 دونماً) وهونين (486 دونماً). يذكر ان امتلاك اليهود لهذه المساحات من أراضي القرى السبع جاء في سياق صفقات شراء أراض في فلسطين والمناطق المجاورة لها، عبر وسطاء من الزعامات المحلية أو كبار الملاّك.

في أيلول 1920 أعلن الجنرال الفرنسي غورو قيام دولة لبنان الكبير بموجب القرار 318، الذي عيّن حدود هذه الدولة الجديدة الواقعة ضمن المنطقة الزرقاء الخاضعة بموجب اتفاق سايكس – بيكو للنفوذ الفرنسي. وكانت تشمل 31 قرية لبنانية جرى سلخها عن لبنان في ما بعد لمصلحة فلسطين، من ضمنها القرى السبع التي لا يزال في حوزة عدد من أهلها هوياتهم اللبنانية الصادرة باسم حكومة لبنان الكبير، وايصالات مالية كانوا بموجبها يدفعون الضرائب للجباة لولاية بيروت.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل