#adsense

خاص “المسيرة” – توافق على لجم النفوذ الإيراني في سوريا خطة منبج والتحرّك الروسي كفيلان برسم حدود الصراع

حجم الخط

كتب مجلة “المسيرة” ــ واشنطن – العدد 1666:

شكل الاجتماع الرئيسي والمصيري الذي عقد في واشنطن مؤخراً بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو، نقطة مفصلية في إعادة رسم حدود الصراع في سوريا وعليها، بعدما غيّرت واشنطن في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب تكتيكها في التعامل مع هذا الصراع، حيث تولدت ظروف ووقائع عدة على أرض المعارك دفعت بالجانبين الأميركي والتركي إلى العمل على تحقيق إتفاق ما منعاً لأي إنعكاسات قد لا تكون في حسبان الحليفين في “حلف شمالي الأطلسي”، وتبعاً لهذه الحاجة المتبادلة أعلن الجانبان تحقيق تقدم ملحوظ لمعالجة القضية الشائكة بينهما لجهة إخراج حلّ موضعي لكيفية التعامل مع حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تدعمه الولايات المتحدة بقوة في سوريا تحت عنوان القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وعلى الضفة المقابلة، تنظر إيران وميليشياتها في سوريا، مثل “حزب الله” وغيره من العناصر المسلحة بشكوك كبيرة إلى وقائع تحرّك الجيش الروسي على الأرض في سوريا، بما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص نفوذ نظام ولي الفقيه في هذا البلد، وهذه الشكوك برزت على خطين: الأول عندما غضت القوات الروسية الطرف عن الغارات الإسرائيلية التي إستهدفت المواقع الإيرانية في سوريا، والثاني تمثل بالتحرك الروسي العسكري ضدّ “حزب الله” في عدد من المناطق الإستراتيجية.

بداية يمكن القول إنه بعد العرض الذي تقدّم به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتركيا من أجل تقديم مواعيد تنفيذ صفقة صواريخ نظام “أس-400” بما يسمح لموسكو تدعيم تدخلها الخارجي في سوريا، ويجعلها تدخل على خط الخلافات الأميركية التركية. فقد تحرّكت واشنطن على الخطين التنفيذي والتشريعي فوجهت الإدارة الأميركية تحذيراً مباشراً إلى الأتراك في هذا الخصوص، وألمح مجلس الشيوخ الأميركي إلى احتمال فرض عقوبات على تركيا بسبب قرارها شراء نظام “أس-400” واعتقال مواطنين يحملون الجنسيةالأميركية في تركيا.

اتفاق منبج

وبعد تولي وزير الخارجية مايك بومبيو مهامه كرئيس جديد للدبلوماسية الأميركية وفق خطط وآليات جديدة، تمكنت الإدارة في واشنطن من لجم أي إنعطافة تركية تؤدي الى دخولها في عصر النفوذ الروسي من خلال وضع استراتيجية واضحة تعالج مخاوف أنقرة الأمنية التي عبّرت عنها مراراً منذ التدخل الأميركي في سوريا ودعم المعارضة السورية المعتدلة، في شأن علاقة الولايات المتحدة بوحدات حماية الشعب، عبر ضمان انسحاب الميليشيا الكردية من جيب منبج في شمال سوريا المتاخم لتركيا.

وكانت المشكلة بين الحليفين على ضفتي الأطلسي تتناول بشكل واضح عملية رسم السيطرة على المنطقة المحيطة بمدينة منبج في سوريا، حيث شكل تقدّم قوات حزب الاتحاد الديمقراطي المدعومة من واشنطن غرباً عبر نهر الفرات في عام 2016، بمثابة تخط للحدود التي وضعتها تركيا وأبلغتها مرات عدة لمن يعنيهم الأمر في القيادة الأميركية.

ووفق الخطة الأخيرة فقد تعهّد وزير الخارجية الأميركي بالعمل على إخراج عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي من المنطقة، بحيث تتراجع هذه القوات إلى خلف الحدود المرسومة لها عبر نهر الفرات. لكن واشنطن طلبت من أنقرة أن تتفهم مقتضيات الحرب غير المكتملة التي تشنها ضد بقايا عناصرتنظيم الدولة الإسلامية في شمال شرق سوريا، والتي تتطلب تعاون عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي.

ووفقاً لمصادر أميركية وتركية مختلفة، تشمل الخطة بدء حزب الاتحاد الديمقراطي في الرجوع عبر نهر الفرات، ربما خلال تسعين يوماً إذا سمحت الظروف بذلك. وسوف تتولى القوات الأميركية والتركية عمليات الدوريات في المنطقة، وتعمل مع أجهزة الأمن والحكم المحلية.

وتؤكد مصادر مطلعة في واشنطن أن الجانبين الأميركي والتركي إتفقا على الشق السياسي في موضوع الدفع من جديد نحو معالجة الحرب الأهلية في سوريا، ويتضمن هذا الإتفاق العمل على ممارسة ضغط مشترك على نظام الأسد وإيران، وأخيراً روسيا لقبول حل سياسي من خلال عملية جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة، وهو هدف تركي مهم طويل الأجل توافق عليه الولايات المتحدة.

ووفق عدد من المراقبين في العاصمة الأميركية فإن التحدي الآن يتمثل بالعمل على تنفيذ الإتفاق الأميركي التركي على المستويين السياسي والعسكري وبدء تطبيق هذه الخطط بشكل فعلي. ويكشف المراقبون أن الأتراك أبلغوا الأميركيين بأنهم يعتقدون جازمين بأن دمشق وطهران ما زالتا عازمتين على تحقيق المزيد من التقدّم العسكري في بقية أنحاء سوريا وهذا المخطط من قبل النظام في سوريا وخلفه النظام الإيراني لا يمكن أن يمنعه سوى التعاون بين الولايات المتحدة وتركيا.

ولذلك فإن المراقبين يؤكدون أن الولايات المتحدة ستبقى منخرطة عسكرياً في شمال شرق سوريا على أقل تقدير من أجل أن تضمن كيفية إدارة الصراع في سوريا ووصوله في نهاية المطاف إلى خواتيم تخدم مصالحها، من دون أن يعني ذلك تكرار تجربة العراق في الأرض السورية، لا بل إن خطط التعاون مع الحليف التركي في الحدود السورية الشمالية الشرقية، واستمرار التنسيق ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» سيساهم بشكل كبير في إبقاء القوات الأميركية في سوريا وقتاً إضافيًا.

تطويق إيران

مع بدء تراجع المعارضة المسلحة في عدد كبير من المناطق المهمة في سوريا، وتوقف شبه تام لعملية جنيف للتسوية السياسية، والتقدّم الجزئي الذي حققته مفاوضات آستانة على خط التهدئة الميدانية في إطار ما عُرف بمناطق خفض التصعيد، عملت إيران ولا تزال على تغيير استراتيجيتها، وبالتالي أصبحت مهمة فيلق القدس وقائده قاسم سليماني تتمثل بالسعي لتركيز قواعد دائمة في عدد كبير من أنحاء سوريا، لا بل العمل على إحداث التغيير الديمغرافي المطلوب وجعل الأرض وملكيتها تنتقل من ضفة طائفة لمصلحة طائفة أخرى، وإذا كانت مصلحة النظام الجزئية تقتضي السير في هذا المخطط إلا أن حليفه الأول، أي الروس، لن يقبل في النهاية أن تزداد قوة النظام الإيراني في سوريا، كما أن ما تبقى من نظام الأسد لن يقبل بدوره أن يذوب كلياً وأن يغرق في المستنقع الإيراني.

وفي ضوء التسويات والاتفاقات الجارية على خطوط عدة ومتداخلة بين الأميركي والروسي والتركي ووصولاً إلى الإسرائيلي، جاء ردّ النظام الإيراني على بدء رسم خارطة قوى جديدة في سوريا، على لسان وكيله في لبنان وسوريا، حيث ردّ الأمين العام لـ”حزب الله” على المساعي الجارية والمطالبات بإنسحاب إيران وميلشياتها من سوريا بأن رمى الكرة مجدداً في ملعب نظام الأسد من خلال ربطه هذا الانسحاب بطلب مباشر من النظام، وفي هذا الكلام رسالة إيرانية واضحة المعالم والأهداف حيث يبدو أن نظام ولي الفقيه مقتنع بأن النظام السوري لن يتجرأ ويطلب منه الإنسحاب حتى لو كان يريد في قرارة نفسه حدوث هذا الأمر.

وقد أدى سعي نظام طهران إلى ترسيخ مواقع نفوذه العسكرية والسياسية في سوريا إلى مواجهة متقطعة مع إسرائيل، حيث أن من شأن توسيع المواجهة أنه قد يقود إلى حرب مفتوحة وهو ما لا يريده اللاعبون الإقليميون والدوليون على حدّ سواء في المرحلة الحالية. وبعد أن أدركت إسرائيل أنه يجري تجاوز الحدود المرسومة، أطلقت النار على الطائرة بدون طيار ودمّرت عربات القيادة والتحكم الإيرانية التي أطلقت الطائرة ووجهتها من “قاعدة التياس” (T-4) الجوية العسكرية في وسط سوريا. وعند خسارة إحدى طائراتها المقاتلة من طراز “أف – ١٦” فوق المجال الجوي الإسرائيلي جراء وابل من صواريخ أرض-جو، قامت إسرائيل بعد ذلك بتدمير قرابة نصف الدفاعات الجوية السورية من دون أن تفقد أي طائرة أخرى. وكان الإسرائيليون يحاولون التلميح إلى الإيرانيين والروس أيضاً بأنهم لن يتسامحوا مع إيران التي تهددهم بصورة مباشرة بدرجة أكبر.

ويسجل في هذا الإطار أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قام بزيارة روسيا والاجتماع مع رئيسها فلاديمير بوتين ثماني مرات خلال العامين الماضيين، حيث أن هذه الزيارات هدفت إلى تفادي الصراع مع القوات الروسية، ولكن أيضاً إلى محاولة إقناع بوتين باحتواء الإيرانيين في سوريا.

وتبعاً لذلك يشير عدد من المراقبين إلى أن إيران غير راغبة بمواصلة التصعيد مع إسرائيل، فطبيعة الرد الانتقامي الإيراني، أي الإكتفاء فقط بإطلاق النار على المواقع الإسرائيلية في هضبة الجولان وليس على الأهداف المدنية في داخل إسرائيل، هو خير دليل على ذلك. ففي ظل الانشغال الإيراني بإبقاء الاتفاق النووي ساري المفعول على الرغم من إنسحاب واشنطن منه، لما لهذا الاتفاق من منفعة لإيران وحدها، فقد اختار النظام في طهران التراجع خطوات تكتيكية في سوريا، وأرجأت مواجهة جديدة معها تحت عنوان رئيسي يجتمع حوله وبشكل غير مباشر عدد من القوى الرئيسية أي أميركا وروسيا وتركيا وإسرائيل، ألا وهوالإصرار على ضمان عدم قدرة إيران على تأسيس وجود لها في سوريا على غرار ما تحاول فعله في لبنان.

في ضوء كل ما تقدّم وفي ظل التحضير الجاري لعقد لقاء قمة في فيينا بين الرئيسين الأميركي والروسي، فإن المراقبين يعتبرون أن مثل هذا اللقاء قد ينتج عنه رسم تفاهم جديد حول سوريا يقوم على العمل من أجل وقف توسع الإيرانيين ووكلائهم بدرجة أكبر في سوريا، وقد يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه أمام الفرصة التي قد يغتنمها من الرئيس فلاديمير بوتين، كونه سيكون المفتاح لجعل إيران تنسحب من سوريا إنما قد يبقى مصير نظام بشار الأسد معلقاً بين الرحيل والبقاء في ظل تكريس الستاتيكو الحالي ووسط انشغال كل طرف بتنفيذ أجندته الخاصة على مسرح الأرض السورية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل