


.jpg)
كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1667:
لم يكن مفاجئا أن تحصل عمليات ثأر في بعض مناطق البقاع بين العائلات الواحدة أو بين العشائر المتفرقة. ولكن الجديد الفلتان على الحدود بين لبنان وسوريا وانتشار المسلحين التابعين للعشائر من دون أي رادع أو اعتبار للأمن أو للحدود وحتى للجيش اللبناني المفترض أن يلعب دور ضابط الأمن وعصبه لمنع حروب العصابات التي تتصرف وكأنها صاحبة الأمر في القضايا التي تخصها. حتى أن «حزب الله» المعني في بعض هذه العمليات يظهر وكأنه عاجز عن التأثير في منع تفاقمها، أو أنه صار ضحية لها إلى حد أنه لا يجد مخرجًا من هذا الوضع إلا بطلب تدخل الجيش لفرض الأمن. يحصل كل ذلك بينما يستعد قائد الجيش العماد جوزف عون لزيارة واشنطن التي تتابع تسليم المؤسسة العسكرية الأسلحة المخصصة لها من ضمن برنامج الدعم الأميركي.
لم يكن مشهدا عاديا أن ينشر مسلحون من آل جعفر صورًا لهم بآليات عسكرية في بعض المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا في ما بدا أنه نذير معركة مفتوحة مع آخرين من آل الجمل في استكمال لعمليات قتل حصلت في بداية شهر حزيران تقريبًا على خلفية سرقة سيارات ونقلها إلى سوريا. إلى هذا الحد الخبر مفاجئ وصادم ولكن المفاجأة الأكبر هي أن «حزب الله» حاضر بطريقة ما في هذه العملية.
القصّة بدأت بعدما أقدم المدعو محمد شامل جعفر مع عصابة تابعة له على سرقة سيارة عائدة لشخص من آل الديراني مسؤول في «حزب الله» من بلدة قصرنبا في البقاع الشمالي، فتحرّك الديراني برفقة المسؤول في «حزب الله» في الداخل السوري معالي الجمل واستعاد السيارة بالقوة بمساعدة الجيش السوري، وعند عودتهم الى لبنان أقدم محمد شامل جعفر وعصابته على نصب كمين لهم فقُتل الجمل وأُصيب الديراني.
مساء 14 حزيران، نصب آل الجمل كميناً لمحمد شامل جعفر وقتلوه، وأصيب مرزق الجمل في رجله، ودُفن محمد شامل جعفر مساء اليوم التالي من دون عزاء، فيما توارى عناصر آل الجمل عن الأنظار، علماً أنّ عناصر من آل الجمل يملكون أهمَّ معبر في القصر لتهريب السيارات المسروقة يديره أبو غالب الجمل، فيما محمد شامل جعفر هو أهم رُؤساء عصابات سرقة السيارات.
وفيما انتشرت صور مسلحين من آل جعفر داخل سوريا قيل إنهم وجهوا إنذارات إلى آل الجمل لإخلاء منازلهم في بلدة زيتا السورية قبل أن يتدخل مصلحون من عشائر أخرى لوقف الصراع المسلح بين العائلتين والعشيرتين ومحاولة وضع حد لعمليات الثأر المتبادلة.
لم يقتصر الأمر على هذا الحد. في 16 حزيران أدت الاشتباكات على خلفية ثأرية في بلدة سرعين بين أشخاص من عائلة «آل شومان» الى مقتل منى عبدالله شبلي، والرقيب أول في الجيش اللبناني حسين مفلح شومان وإصابة آخرين نقلوا الى مستشفيات المنطقة للمعالجة. ولم يكن هذا الحادث هو الأول، إذ إن خلفياته تعود إلى ما قبل نحو عشرة أعوام عندما قتل هولو شومان، وإلى ما قبل ثمانية أعوام عندما تم قتل علي شومان.
وقد تدخلت قوة من الجيش وعملت على فض الإشكال وإعادة الوضع إلى طبيعته، وتم توقيف أحد المتورطين في الإشكال، فيما جرت ملاحقة باقي المشاركين لتوقيفهم وإحالتهم على القضاء المختص كما ورد في بيان صادر عن مديرية التوجيه في الجيش اللبناني الذي كان يتسلم عددًا من طائرات الـ»سوبر توكانو» في قاعدة حامات الجوية ومن مدرعات «البرادلي» عبر مرفأ بيروت.
إذا كان «حزب الله» عاجزًا عن النأي بنفسه عن مثل هذه الحوادث، خصوصًا التي حصلت بين آل جعفر وآل الجمل الذي ربما يشارك عدد منهم إلى جانب الحزب في المعارك التي يخوضها في سوريا، فإن هذا الأمر لم يمنعه من أن يستنجد بالجيش اللبناني وهذا ما فعله عندما ترأس الوزير حسين الحاج حسن وفدًا من بعلبك والهرمل زار قائد الجيش العماد جوزف عون في القيادة لطلب التدخل.
ولكن ماذا يمكن أن يفعل الجيش في ظل هذا الوضع المتفلت؟ وهل الأمر يتعلق به وبقيادته أم بقرار مجلس الوزراء وبالغطاء السياسي وبدور «حزب الله»؟ فالمسألة ليست مجرد عملية محدودة أو خطة أمنية شاملة بل تتعلق بما هو أبعد من ذلك، بوجود «حزب الله» العسكري في سوريا والتفلت الأمني الذي أدى إليه واستباحة الحدود بحيث بات الواقع على الأرض أقوى من القدرة على السيطرة عليه.
يجب أن يسلم «حزب الله» أولاً بدور الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية وبأنه عصب الأمن الوحيد ليس في مواجهة العصابات فقط بل في كل القضايا المتعلقة بهذا الأمن من أقصى الجنوب إلى أقصى البقاع، وبأنه المرجع الوحيد الصالح للبت في هذه القضايا، ولا يكفي أن يتم طلب تدخل الجيش لأن الجيش يعرف أن هذا هو دوره بل المطلوب تأمين الظروف الملائمة لكي ينجح الجيش في مهمته وأن يتم رفع الغطاء عن المسلحين الذين استفادوا من الفلتان الأمني والسياسي ومن ظروف ومقتضيات الحرب في سوريا لكي يقيموا دويلاتهم الخاصة حتى في قلب دويلة «حزب الله»، وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق طالما أن الحزب يعتبر أن دوره وسلاحه هما فوق دور الدولة وسلاحها.
لقد سبق هذه الحوادث استباحة أمن بعلبك وتظهّر ذلك من خلال نداءات الإستغاثة التي وجهها أبناء المدينة للخلاص من هذا الوضع. وقبل الإنتخابات النيابية كانت هناك انتقادات طالت «حزب الله» وتتعلق بانصرافه إلى الحرب في سوريا من دون أخذ الأمور الحياتية والمعيشية والتنموية بالإعتبار، ونزولا عند هذه الحملات اضطر الأمين العام لـ»حزب الله» إلى التطرق إلى هذا الموضوع وإلى الحديث عن المشاركة في الحكومة ومكافحة الفساد.
ولكن يبدو أن الفساد الأمني هو في رأس قائمة الأوضاع الفاسدة التي تجب معالجتها، ولا يمكن بالتالي التطرق إلى دور الجيش اللبناني من زاوية الحوادث الأمنية التي حصلت وتحصل لأن دور الجيش يكون شاملاً أو لا يكون. وعلى هذا الأساس يتم التعاطي مع هذا الموضوع من خلال التركيز على استكمال تسليم الجيش المعدات والأسلحة التي تدخل ضمن برنامج المساعدات الأميركية، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى أبعاد الزيارة التي يزمع قائد الجيش العماد جوزف عون القيام بها إلى واشنطن. فأي دور يمكن أن يلعبه الجيش في هذا الإطار؟
لقد سبق وتلقى الجيش مساعدات من أكثر من دولة لإقامة أبراج مراقبة على طول الحدود مع سوريا، ولكن على رغم ذلك لا يمكن ضبط هذه الحدود طالما أن «حزب الله» يحتاج إلى استخدامها للعبور بين لبنان وسوريا، وطالما أن هذه الحدود تحتاجها العصابات لنقل السيارات المسروقة وللقيام بعمليات التهريب المتواصلة من دون حسيب أو رقيب. فلا يجوز أن يبقى الأمن بالتراضي ولا يجوز أن يستمر «حزب الله» في تجاهل أساس المشكلة التي باتت تطاله شظاياها مباشرة.
لقد كانت عملية فجر الجرود التي نفذها الجيش اللبناني ضد تنظيم «داعش» في جرود راس بعلبك والقاع إيذانا بالدور الكبير الذي يقوم به، وهذا الدور لا يكتمل إلا من خلال الذهاب إلى إقرار الإستراتيجية الدفاعية التي تؤكد على أن الجيش هو الوحيد الذي يتولى الأمن والدفاع عن لبنان. وهذه الإستراتيجية يجب أن تكون في صلب مهمات الحكومة الجديدة والعهد، خصوصًا أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون هو الذي دعا إلى بحثها، وبالتالي لا يمكن العبور إلى هذه الإستراتيجية من دون وضع حد لاستراتيجية «حزب الله» التي تتجاوز دور الدولة ودور الجيش، وربما من مصلحة الحزب أن يفعل ذلك حتى لا تسقط استراتيجيته على تخوم الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا في حروب العشائر.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]