“المسيرة”: تسونامي وفيضان وطوفان… هذا ما حصل في القاع ورأس بعلبك

كتب جومانا نصر في مجلة “المسيرة” العدد – 1667:

ما كتب قد كتب لكن ما حصل في بلدات رأس بعلبك والقاع لا يمكن وضعه في خانة الكوارث الطبيعية إلا في حال سلمنا بأن كل التدابير الوقائية كانت متخذة لتفادي تداعيات غضب الطبيعة في عز حزيران. ثمة من يقول إنها ليست المرة الأولى التي تغضب فيها الطبيعة هناك. حصل ذلك قبل 31 عاما لكن الأضرار انحصرت بساحة رأس بعلبك. وفي كل سنة تحصل سيول وتجرف معها ما هب ودب من تربة وأوساخ وتسد المجاري. لكن ليست الطبيعة وحدها وراء تحويل بلدتي رأس بعلبك والقاع إلى منكوبتين. فهناك الإهمال والصفقات التي أٌبرمت على شرف مشاريع نفذها متعهدون من دون العودة إلى بلدية رأس بعلبك ومن دون أن يكلفوا أنفسهم عناء إيداع دفاتر شروط في أدراج محفوظات البلدية. ما حصل كان يمكن تفاديه لو أدارت الإدارات المسؤولة والأجهزة المعنية في الدولة آذانها للكتب التي رفعها رئيسا بلديتي القاع ورأس بعلبك منذ أشهر، ما حصل كان يمكن وضعه في خانة أضرار عادية لكن أن تؤدي سيول إلى وفاة إمرأة من جراء ابتلاعها مياه موحلة وتشريد عائلات من بيوتها وتحويل مساحات من الأراضي الزراعية إلى أراض منكوبة والطرق المعبدة إلى طريق إجر وبالكاد… يا جماعة سمّوا ما شئتم: «تسونامي» فيضانات، سيول نكبة طبيعية لكن ما حصل لا يمكن أن يكون حصل لو كنا نعيش في دولة مؤسسات.

وأمطرت ذات حزيران. هي مشاهد حقيقية ساحتها رأس بعلبك والقاع. هي مشاهد حصلت وعاينها أبناء هاتين البلدتين منذ 31 عاما لكن ليس بالحجم الكارثي الذي طبعته سيول حزيران 2018. هي مشاهد وصلتنا ولم نصدق، أو بالأحرى، لم نصدق أننا في لبنان. هل نلعن غضب الطبيعة، هل نكفر بوطن صارت حدود مسؤولياته مؤطرة بالحسابات والصفقات والمحسوبيات؟

كيف سيشرح أبناء الشهيدة شهيرة بلعيس منصور أسباب وفاتها للأحفاد الذين كانوا يلعبون مع جدتهم قبل ساعات من غضب الطبيعة؟ هم سمعوا ما تم تداوله بأنها ماتت اختناقا بعدما غرق منزلها بالمياه والوحول. لكن من سيحرر ذاكرتهم من تلك المشاهد التي تشبه فيلم رعب في كل مرة تمطر فيها السماء خيراتها؟ من يقتعهم بعد اليوم بأن المطر نعمة وليس نقمة؟ وحدها كلمات كاهن رعية كنيسة مار اليان في صلاة الجنازة ترمم ما أفسدته وحول الإهمال: «…نحن قوم نتحمّل، فمن حمل الصليب ومشى به وهو يُجلَد لن تُخيفه مياه السيول والأضرار المادية تُعوض، ولكن اليوم نودع سيدة فاضلة ربّت عائلة صالحة وقضت بالسيل بسبب الإهمال الحاصل. صحيح أن أولادها سيفتقدونها، ولكنها ارتاحت من الوعود الكاذبة التي تنهال علينا مثل المطر عند كل كارثة تقع».

المشاهد التي وصلت إلينا نحن الغارقين بحرارة شمس حزيران في القاطع الآخر من الوطن كانت أكثر من صادمة. سيول مصدرها السلسلة الشرقية. هكذا فسرها خبراء البيئة وأبناء المنطقة الذين شهدوا على سيول في الأعوام السابقة لكن ليس بالحجم الكارثي الذي غرقوا في وحوله ليل 13 حزيران 2018. المشهد أشبه بفيلم هوليوودي، سيول محملة بأطنان من الوحول اقتلعت الحجر ولم يسلم منها البشر. سيول اجتاحت البيوت والمحال التجارية والمستودعات والأراضي الزراعية والبساتين التي يعتاش منها أهالي بلدتي القاع ورأس بعلبك، وحوّلت الطرقات المعبدة إلى طريق إجر وبالكاد، ولم تسلم من غضبها السيارات التي ركنها أصحابها على أمل أن يستيقظوا صباحا ويستقلوها إلى أعمالهم. ومع ساعات الصباح الأولى كان المشهد الذي لم ولن يغيب من ذاكرة أهالي رأس بعلبك التي أعلنت بلدة منكوبة وعلى غرارها بلدة القاع التي بالكاد بدأت تتنفس الصعداء بعد عملية تحرير الجرود من فلول الإرهاب الذي أصابها في الصميم وحصد خيرة شبابها، أيضا في حزيران 2016.

أما وقد أمطرت ذات حزيران وحصل ما حصل فالوعود والوقوف على أطلال الأضرار ما عاد يفي بالمطلوب. سيل الكلام لم يتوقف من لحظة إعلان بلدات رأس بعلبك والقاع وجديدة الفاكهة منكوبة. وعلى رغم الجهود المتضافرة من قبل عناصر الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني والهيئة العليا للإغاثة بشخص رئيسها اللواء محمد خير إلا أن حجم الأضرار يفوقها إن لم يقترن بتعويضات حسية تساعد الأهالي على لملمة خسائرهم المادية وتحول دون تهجير من آمن بالبقاء في تلك الأرض. وانطلاقا من هذا الواقع كان كلام اللواء محمد خير الذي صرح به بعد جولة قام بها على الأضرار التي خلفتها السيول في منطقة رأس بعلبك حيث اعتبر أن «الأولوية في دفع التعويضات ستكون للمنازل والمحال التجارية التي تضررت من جراء الفيضانات على أن تليها لاحقا السيارات والأراضي الزراعية وغيرها». وحتى لا تبقى الوعود مجرد كلام لا سيما في مسألة التعويضات تمنى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الإيعاز الى الإدارات المعنية في الدولة بصرف التعويضات اللازمة لأهالي رأس بعلبك والقاع والهرمل وأنحاء أخرى من البقاع الشمالي بعد الاضرار الفادحة التي اصابتهم من جراء السيول الجارفة الاخيرة وموجات البرد التي سبقتها».

«الأضرار كبيرة، فالمياه دخلت إلى كل مكان وما حدث كارثي بكل المقاييس». كلمات قد لا تختصر المشهد على أرض القاع التي لم تضمد بعد جراح الإعتداءات الإرهابية على أرضها. رئيس البلدية بشير مطر نزل إلى الأرض منذ اللحظات الأولى، حمل المعول مع شباب القاع واعتلى مقدمة إحدى الجرافات التي كانت تجول في أرجاء القاع لإنقاذ الأهالي والنازحين السوريين الذين غرقت منازلهم بالوحول. هو يدرك كما كل الأهالي الخارجين من تداعيات السيول أن الأسباب تعود إلى عاملين أساسيين: «التغير المناخي الذي بدأ يؤثر على كميات الأمطار وفيحولها إلى سيول جارفة بشكل متقطع. وهذا الواقع المناخي تفاعل هذه السنة وباتت ظاهرة السيول تتكرر بمعدل مرة كل 3 أيام أو كل أسبوع. إزاء هذا الواقع تقدمنا بكتاب إلى وزيري المياه والطاقة والأشغال العامة والنقل في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل ويوسف فنيانوس للتنبيه إلى تداعيات هذه السيول التي تتكرر في غياب أي جدران دعم للمجاري وإذا وُجدت فهي تحتاج إلى ترميم وتدعيم بعدما شوهتها التعديات. لكن لا حياة لمن تنادي. وهذا ما يفسر السبب الثاني».

«قبل عشرة أيام من حصول الكارثة حصل سيل. وجهنا كتابا إلى الدولة وطالبنا الوزارات المعنية بإعلان حال الطوارئ والإستنفار لكن أحدا لم يتحرك إلى أن حصل الطوفان». مصدر السيول بحسب مطر من جرود أقاصي الحدود السورية حيث تتجمع في أكثر من موقع وفي أماكن عديدة وعلى مساحات شاسعة وفي كل واد هناك مجرى تقوم البلدية في العادة بتنظيفه بما توافر لديها من إمكانات بشرية وتقنية ومعدات. لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة. وما حصل في تلك الليلة تجاوز كل التوقعات بحيث تدفقت السيول بشكل قوي وعلى مساحات واسعة مما جعل عملية تنظيف المجاري مستحيلا من قبل البلدية.

حتى الساعة لم يتم إحصاء الأضرار التي طالت الحجر كما البشر في أرزاقهم لكنها بحسب رئيس البلدية تقدر بمئات ألوف الدولارات «هناك أراضٍ زراعية باتت أشبه بصحراء موحلة ومنازل منكوبة بسبب دخول المياه الجارفة إليها عدا عن السيارات التي اجتاحتها السيول والأشجار المثمرة والطرقات العامة التي جرفت السيول طبقة الزفت عنها وتضرر شبكات الري وأعمدة الإنارة…». يصمت مطر قليلا ويستطرد: «بعد ما طلعنا من نكبة الإرهاب بالجرود حتى إجت نكبة الفيضانات والسيول. وهيدا إرهاب من نوع تاني خصوصا إذا استمر تجاهل الدولة لمطالبنا اللي هيي أبسط حقوق لترسيخ بقاء الإنسان بأرضو».

ما يحز في قلب رئيس بلدية القاع أن أحدا لم يكلف نفسه عناء تفقد الأضرار والوقوف على خاطر الأهالي الذين طالتهم التداعيات في صميمهم. «باستثناء النائب أنطوان حبشي ومدير الهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير» ما شفنا حدا. هيدا ما بيعني إنو نحنا مزعوجين من الزيارات اللي قاموا فيا وزراء وبطاركة لمنطقة رأس بعلبك. بالعكس هاي ابسط واجباتن وحتى إنو مستعدين نروح نساعد بأعمال التنظيف ورفع الأضرار. بس القاع كمان بلدة منكوبة وبتستحق نوقف على خاطر أهلا اللي بعدن عم يبكوا شهدا العملياتالإرهابية».

هي بلدة القاع التي هزمت الإرهابيين وصدتهم بأغلى ما عندها، فكيف إذا كان الإرهاب من بوابة الطبيعة؟ حتى الساعة بلغت كلفة أعمال التنظيف التي يتولاها عمال بالتعاون مع عناصر الدفاع المدني وكلفة استئجار تراكتورات ومعدات لتنظيف وشفط الوحول حوالى 10 ملايين ليرة لبنانية وكلها من صندوق البلدية. نسأل عن الإتصالات التي تولاها النائب أنطوان حبشي مع عدد من المسؤولين ويجيب مطر: «كتر خيرو النائب حبشي ما تركنا وكأنو لزمونا لسعادتو. بس كل الإتصالات اللي قام فيا أثمرت عن وعود من قبل المسؤولين بينما قيمة الأضرار بتتجاوز ألوف الدولارات».

يدرك مطر كما الأهالي أن السيول لن تتوقف والمشهد سيتكرر سنويا من هنا كانت المناشدة وبشكل جدي وحاسم: «مطلوب من وزارتي الطاقة والأشغال العامة ارسال فرق فنية للكشف على مجاري المياه وإيجاد حلول مستدامة للإستفادة من المياه إذ يكفينا ما يجري من استغلال لمياهنا في منطقة اللبوة. أما الحلول العملية فتتمثل في تنظيف المجاري وتشييد جدران دعم من الباطون المسلح بدلا من جدران الدعم المشيدة على أطراف المجاري من البحص والترابة وبناء جسور فوق المجاري ومكاسر للسيول. ويختم الريس مطر: «الخطة تحتاج إلى تمويل وقد تستغرق مدة طويلة لإنجازها لكن لا بد من وضع حجر الأساس والبدء بها لأن المسالة ما عادت تحتمل. 5 أعوام والمعاناة مستمرة على أبناء القاع. هل المطلوب أن نرحل؟ حتما لن نفعلها لأننا متجذرون في هذه الأرض لكن حان الوقت لكي تصرف الدولة التعويضات المستحقة لأبناء القاع من صندوق وزارة المهجرين. تلك الأموال صُرف منها قبل الإنتخابات النيابية لأبناء طرابلس وعاليه ولا يزال ابناء القاع ينتظرون مستحقاتهم منذ انتهاء الحرب اللبنانية. حتى مبلغ ال15 مليون دولار التي خصصت للقاع ورأس بعلبك بعد حرب الجرود لم تصرف بعد. إذا كان الهدف تهجيرنا نطمئنهم بأننا باقون في أرضنا لكننا نريد حقنا من التعويضات من دون أن نقف على أبواب أي من المسؤولين. هذا حقنا ولن نشحذه حتى لو تطلب الأمر أن ندفع الثمن من لحمنا الحي».

التحذيرات التي أرسلها رئيس بلدية القاع بشير مطر إلى الوزارات المعنية لا تقل أهمية في مضمونها عن الكتب والملفات التي أرسلها رئيس بلدية رأس بعلبك دريد رحال، وعليه يحدد أسباب الكارثة التي حصلت بالتالي: «ما حصل هو نتيجة إهمال وصفقات ومحاصصة وكلها تندرج تحت عنوان الفساد. قبل عامين دخلت مبنى البلدية ولم يكن فيها أي دراسة عن المشاريع التي نفذها متعهدون من دون علم البلدية ولا حتى دفتر شروط. فجدران الدعم المشيدة على جانبي المجاري لا تتوافر فيها المواصفات المطلوبة فهي مصنوعة من التربة والحجارة وخالية من الحديد وإذا وجدت فبكميات لا تستوفي الشروط المطلوبة. أضف إلى ذلك الجسور التي شيدت على المجرى. هذه الأسباب مجتمعة يضاف إليها عامل التغير المناخي أدى إلى حصول الكارثة نتيجة انسداد المجاري بفعل البحص وعدم تحمل الجدران قوة دفق المياه مما ادى إلى حصول الطوفان.

حتى الساعة أحصي تضرر حوالى 56 منزلا في رأس بعلبك و17 سيارة و16 محلا تجاريا كما دمرت كل التصوينات. أما المشاريع الزراعية فحدث ومن دون حرج عن حجم الخسائر فيها. «أنا أعلنتها منطقة منكوبة لأن الأضرار لا تحصى وما شاهدناه بأم العين لا يقل عن الأضرار في شبكات البنى التحتية والطرقات التي لم تعد صالحة للسير بعدما تشلعت طبقة الزفت وباتت الطرقات العامة مجرد ممرات ترابية».

عام 1987 شهدت بلدة رأس بعلبك نكبة تسونامي مماثل «لكن الأضرار اقتصرت على ساحة البلدة. هذه المرة كانت أم المرات وأقساها بسبب الفساد وعدم وجود جدران دعم مما أدى إلى اجتياح المياه الموحلة المنازل والمحال والمؤسسات التجارية والأراضي الزراعية. حتى المدافن لم تسلم من غضب الطبيعة وفساد أهل الأرض». نسأل عن الجهات التي ستعوض عن الخسائر ويصل الجواب التالي: «بالنسبة إلى المزارعين هناك وفد من وزارة الزراعة وصل إلى البلدة وكشف على الأضرار في الأراضي والبساتين ووضع تقريرا نهائيا. أما بالنسبة إلى المنازل والمحلات التجارية فقد تولت لجان التخمين من الجيش اللبناني بتكليف من الهيئة العليا للإغاثة الكشف على الأضرار». لكن هل يكفي ذلك لتفادي كارثة مماثلة قد تحصل ذات حزيران أو كانون؟ يجيب رحال: «طبعا لا. عمر السيل ألاف الأعوام. قبل 10 أعوام تم تشييد نوع من البرك الإصطناعية عند مجرى السيل للحد من حجم تدفق المياه واستيعاب الدفعة الأولىمن السيول لكن حتى هذه البرك الإصطناعية انهارت بسب قوة السيل. ملايين الدولارات أُهدرت على مشاريع لم تدخل أدراج البلدية ونفذها متعهدون يرتبطون بمراجع عليا».

الحلول الموضوعة على طاولة رئيس بلدية رأس بعلبك تتوزع على مرحلتين: مشاريع على المدى القريب وتتضمن تنظيف مجرى السيل الممتد على مساحة 9 كلم وتولت الهيئة العليا للإغاثة أعمال التنظيف ورفع الأنقاض، والنظر في مسألة الجسور التي شيدت على مجرى السيل وتشييد جدران من الباطون المسلح مع قواعد على طول المجرى. وعلى المدى البعيد وضع رحال سلسلة اقتراحات منها إقامة سد مائي في جرد بعلبك في منطقة «الوسعة» يساعد على تخزين كميات من المياه ووضع دراسات من قبل إختصاصيين للحؤول دون وصول المياه إلى قلب الضيعة. «الوضع مأساوي ويحتاج لأسبوعين لرفع الأنقاض واتكالناعلى سيدة رأس بعلبك العجائبية» يختم رحال.

قد يكون الإتكال على القدرة الإلهية هو الحل لأن المشهد على الأرض لا يبشر بالخير إلا إذا تضافرت جهود الوزارات المعنية وتحديدا وزارتي الأشغال العامة التي لم تطأ المناطق المنكوبة منذ حصول الكارثة، وعلى وزارة الطاقة. أما البلديات فلا حول لها ولا قوة إلا في رفع آثار الطوفان ولملمة تبعيات الظلم الحاصل بسبب إهمال الدولة والصفقات التي أبرمت تحت عنوان الفساد.

أمطرت ذات حزيران؟ ماذا لو كانت ذات كانون؟ ألله يستر.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل