.jpg)
.jpg)
.jpg)
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1667:
السبت 16 حزيران، وكان الرفيق جورج العلم منهمكا بالتحضير لأمسية الشهيد، رنّ هاتفه الخليوي، على الخط الرفيق روبير الساحلي «بدي إحكيك بموضوع ضروري جورج»، لم يتمكن جورج من محادثته: «منحكي بكرا روبير هلأ معجوق بالسهرة»، وجاء روبير الى السهرة وكان بغاية الفرح للقاء رفاق النضال. الاثنين صباحا يكتب جورج العلم على صفحته «نجمة جديدة أضاءت بالسماء. حمل أرجله الخشبية وجلس الى كرسيه المتحرّك، وحضر إلى أمسية الشهيد ليسهر مع رفاقه على الأرض التي أعطاها شبابه وأجزاء من جسده. تواعدت معه أن نلتقي في اليوم التالي في مقر جهاز الشهداء والمصابين والأسرى لغاية لم يصرّح عنها في حينه. في اليوم التالي تخلّف عن الحضور لأنه رحل إلى مكان أفضل .لم أعرف ماذا أراد أن يقول لي .رحمك الله رفيقنا روبير الساحلي»…
ماذا حصل؟ كيف ترك روبير مكانه على غفلة من دون أي انذار مسبق؟ كيف تحرّر من كرسيه ذاك ليتفلّت من قيد الجسد والمكان؟ كان العمر ما زال في صباه، أربعة وخمسون عاما، أليس بعد شابا هو الذي تعتّقت يداه من خمرة النضال على مدى ثلاثين عاما وأكثر؟! نحن لا نعرف الرجل، كما لا نعرف غالبية رجال المقاومة أولئك، نسمع عنهم، عن حكاياتهم، بطولاتهم، سيرتهم غالبا متشابهة بعناوينها العريضة لكن تختلف التفاصيل، وأكبر عناوين روبير أنه لما صار يعرف معنى الحياة والنضال، قرر الالتحاق بالمقاومة اللبنانية، من هناك، من تلك البيروت العتيقة وأسواقها خطا أولى دعسات الكرامة ولم يتوقف مذذاك الوقت. كان في معارك الأسواق التجارية وحرب السنتين، إلتحق مع البشير حين تحولت الشرقية الى عرين الكرامة في وجه الاحتلال السوري، أكيد كان من بشيري القلب والنضال، العام 1983 ترك «القوات اللبنانية» ليلتحق بصفوف الجيش اللبناني، هناك كان يحمي أرضه من الاحتلال وهنا يصون الأرض لأبنائها، الهدف واحد، وبعد فترة قصيرة ترك الجيش وعاد الى صفوف «القوات»، وانضم مع والده الى ثكنة المشاة في فرن الشباك وانضم لاحقا الى سرية المدرّعات، ومع الرفاق والمناضلين حمل البندقية وصارت الجبهات بيته الأول والثاني والعاشر، من جرود العاقورة وتنورين وصولا الى بيروت وسوق الغرب وعين الرمانة وشرق صيدا وحرب الجبل، صار ابن بسوس ابن المواجهة، ابن الأرض العطشى للحرية، ابن الكرامة التي لا تستكين إلا حين تعلن ان الأرض التي داستها أقدام الأحرار لا تُنتهك بذل الغريب المحتل مهما ظن أنه فعل.
«كان طيب القلب كتير وحنون وشغوف بالمقاومة، مناضل حقيقي صبور وهادئ ما بيستسلم ويحمي رفاقو للآخر ويضحّي براحتو كرمال الآخرين» يقول فيليب راضي رفيقه وصديقه منذ أيام النضال.
لما قرر الالتحاق بالمقاومة اللبنانية كان يعرف أنه مشروع شهيد في كل لحظة «جايي تـ موت كرمال هالأرض وإذا زمطت وعشت بتكون الحياة إضافة من عند ربي، هون حياة والشهادة حياة كمان» يقول ببسمته الهادئة ويذهب الى سلاحه يشهره بوجه العدو. مَن العدو يا رفيقي الذي لم أره ولكني أعرفه كما أعرف نفسي؟ «كل طامع بهالأرض عدو إلنا مهما كانت جنسيتو»، كان يردد دائما ويخشى كما كل الرفاق من أعداء الداخل المتعاملين مع الاحتلال «هودي أكبر خطر على لبنان من الغربا» وكان على حق.
في الحرب أصيب أكثر من مرة، وإصاباته كانت طفيفة لم تتعد الشظايا وما شابه، ونجا من كل تلك النيران الحارقة للأرض، لكن بدأ يقف به الزمن عند تلك المحطة المأساوية التي عاشها. كان العام 1990، أصابت قذيفة دبابة لـ»القوات اللبنانية»، وكان فيها أربعة من رفاقه، فاحترقوا في داخلها أمام ناظريه بينما استشهد إثنان آخران بضربة واحدة وكانوا جميعا من ضمن مجموعته القتالية «كلنا تأثرنا كتير وكانت من أسوأ الإيام لـ مرقت علينا، لكن التأثر عند روبير أخدو لبعيد أكتر منا لأن قلبو كان كتير رقيق وحنون على رفاقو أكتر ما بتتصوري وانضربت صحتو من يومها» يقول عنه فيليب بأسى كبير، وما حصل أن في تلك اللحظة المأساوية بدأ المرض يتغلغل الى جسد روبير، إذ بدأ يصاب بقلة الشهية والهزال المفرط وتبيّن ان الصدمة أصابته بمرض السكري الذي اجتاح جسده لاحقا ما اضطره لبتر قدميه وصار جليس كرسيه المتحرّك.
الكرسي المتحرّك لم تجعله يقف في مكانه، لم تشهد الأيام يوما على مناضلينا أنهم صاروا معوّقين بأجسادهم ولو كانوا كذلك، لأنهم ما توقفوا يوما عن النضال بقلوبهم بعنادهم بذهنهم المتوقّد بإيمانهم المطلق بقضيتهم، بحضورهم المدوي فينا وفي تاريخ وحاضر المقاومة، تزوّج روبير وأنجب إبنا يشبهه في الكرامة، وأكمل مسيرته كما الجميع، هو من اضُطهد زمن الاعتقالات حين كان الحكيم أسيرا، ولوحق كما كل الرفاق، وبقي هو هو مناضلاً عريقاً عتيقاً عنيدًا في «القوات اللبنانية»، يحمل قلبه الى كرسيه ويهرع الى المشاركة في كل مناسبة أو استحقاق يجمعه برفاق عمره ونضاله.
في أمسية الشهيد كان من أول الحاضرين فيها، وخُصص له مكان مع رفاقه المصابين، لكنه فضّل الجلوس في منتصف الباحة ليرى الجميع، «كان مبسوط كتير كتير لأنه دعي للمشاركة باللقاء، وعم يضحك ويسلّم ع الكل ويتنقل من مطرح لمطرح فرحان إنو شاف كتير رفاق إلو كان من فترة ما التقى فين، وقلّي بالحرف «أول مرة يا فيليب بكون مبسوط هيك» قولك كان عم يودعنا؟»، يبدو أنه كان يفعل، يبدو ان الراحلين يعرفون أنهم سيفعلون فيعيشون نشوة الحياة قبل وداعها.
«أنا زعلان كتير مش بس لأنو فل، ولكن لأن ما قدرت إحكيه متل ما طلب واتفقنا نتلاقى التنين لأعرف شو كان بدو، وبسأل حالي شو كان بدو روبير مني؟ أنا كتير زعلان» يقول جورج العلم، رئيس «جهاز الشهداء والمصابين والأسرى» في «القوات اللبنانية»، الذي نعى رفيقه على صفحته. أما الرفيق الذي رحل، أصابته جرحة قلبية حادة أوقفت القلب الكبير الكبير، الذي تحمّل مشقات كبيرة في حياته وبقي مبتسما، قانعا بقدره، صبورا على حاله، حسبه أنه يملك ثروة لا تقدرها الأيام، عائلته، رفاقه، وطنه، الكرامة وتلك العزّة بالنفس وتلك الشهامة.
تعب روبير من سجن كرسيه، فقرر ان يتحرر، وحده الموت يحررنا من سجن الجسد، ترك جسده المقعد متهالكا الى كرسيه، وطارت روحه في فضائها حرّة سعيدة مبتسمة لربها، حسبه أنه فعل كل شيء ليرضي ضميره وطنه ناسه أرضه، وصار عند يسوع متحررا بالقيامة معه.
أنقول مبروك الحرية روبير على رغم كل الزعل وذاك الشجن الرقراق؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
