“المسيرة” – السوبرماركت في لبنان… من أقفل ومن لم يقفل وماذا عن وضع السوق؟

 

 

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1667:

 

عندما يهبط سقف الإقتصاد فإنه يهبط على جميع الأعمدة المتمثلة بالقطاعات الإنتاجية والخدمية والتبادلية وغيرها. وهكذا عندما هبط سقف الإقتصاد اللبناني راح يضغط على جميع قطاعاته، فتأثرت كل بحسب طبيعة نشاطها، ومنها قطاع السوبرماركت. هناك أحاديث كثيرة تدور منذ أكثر من سنتين عن اهتزازات في هذا القطاع، وهناك وقائع تتنامى عن صرف موظفين أو إقفال فروع أو بيع علامات تجارية مع كل ما تملك من أصول والإنسحاب من السوق. من الطبيعي أن يكون التفسير الأول لهذه الخطوات تردي الوضع الإقتصادي. لكن في الواقع هناك أمران لا بد من التوقف عندهما عند مقاربة الموضوع في شكل دقيق وهما: أولا أن هناك تضخيما في الأخبار المتناقلة عن انهيار في قطاع السوبرماركت. وثانيا أن بعض خطوات الإنسحاب من السوق سببها في الغالب إداري شخصي وليس إقتصاياً تشغيلياً.

يتابع اللبنانيون بقلق في الفترة الأخيرة أخبارا وتطورات كثيرة موضوعها قطاع السوبرماركت في لبنان. فلم تكد فورة التوسّع ودخول مستثمرين غير لبنانيين إلى هذا القطاع، تُثبت زخمها مسجّلة أعلى مستوى حركة منذ نهاية الحرب، حتى عادت إبرة المؤشر إلى الهبوط متأثرة بالأوضاع الإقتصادية الصعبة التي تواجهها البلاد منذ سنوات، ولم تتمكن من أن تخرج منها بعد، وكذلك بعوامل خارجية ومحلية منفصلة. غير أن هذه العوامل تضافرت فولّدت الواقع الذي نحن في صدده اليوم، من إقفال فروع أو إعادة هيكلة وانتشار عند البعض، إلى إنسحاب نهائي من السوق عند البعض الآخر. وكانت شركة TSC خير مثال على ذلك بعدما اضطرت إلى الإقفال وصرف أكثر من 300 موظف والإنسحاب نهائيا من لبنان تاركة وراءها ملايين الدولارات دَيناً للمورّدين.

ملاحظات وتعليقات

أخبار التعثّر في هذا القطاع أو في ذلك السوق، لم تعد غريبة أو جديدة في لبنان. كما أن الشائعات عن التهاوي الإقتصادي وإشاعة القلق بين الناس ليست غريبة أيضا. ففي القراءة العامّة للمشهد يؤكد الخبراء أن «الوضع الإقتصادي في لبنان ليس في أفضل أحواله صحيح، لكن مستوى الأزمة ليس بالمقدار الذي يُشِيعه الناس أو بعض الإعلام أو بعض المسؤولين حتى». ويضيفون أنه «من المعلوم عند تعقّد الأزمات وتشابك عناصرها كالتي يواجهها لبنان اليوم، تكثر التفسيرات المضخّمة ولو قلّت الأحداث النّامّة عن ضيق أو صعوبة. فالضغوط على لبنان كبيرة ولا داعي لتعدادها في كل مناسبة. وباعترافنا بأن المعالجات ما زالت قاصرة عن مقارعة الأزمات على رغم حراجتها، وتعاطي المسؤولين دون المستوى المطلوب، إلا أنه لا بد من الإعتراف أيضا بأن الحلول تولد من بطون الأزمات، والسوق يشق توازنه بنفسه، فلا خوف إذن ولا داعي للقلق».

هل يكفي هذا العرض لكي يطمئن المواطنون وسط ما يرونه وما يسمعونه من تداعيات الأزمة هنا وهناك؟ وما حقيقة ما يجري في قطاع السوبرماركت تحديدا حيث نشهد منذ سنوات إقفال بعضها وتقلّص بعضها الآخر، وإجراءات هيكلية ومالية في غير واحدة؟ بينما نجد في الجانب الآخر من المشهد تشييد المزيد من المراكز التجارية الكبرى في أكثر من منطقة.

سرت في الأيام القليلة الماضية أخبار مثلا عن أن هيبرماركت بو خليل يتجه إلى إقفال بعض فروعه، أو هو اتخذ القرار فعلا بذلك، وأن سبينيس أقدم على صرف موظفين، وأن مراكز تجارية أخرى تتحضر لمثل هذه الإجراءات المرعبة في ما لو صح أنها حقيقة، وأن المنافذ أقفلت بوجه المؤسسات التجارية فلم يعد لديها القدرة على الإستمرار.

للتذكير فقط شهد السوق اللبناني منذ سنتين انسحاب متاجر التجزئة TSC نهائيا بعد تراكم الديون للمورّدين والعجز عن سدادها. وكان عدد من مورّدي السلع الغذائية والاستهلاكية دأب على تقصّي معلومات عن أوضاع الشركة التي كان لها فروع عدة في لبنان والبلدان العربية.  وأظهر تبادل المعلومات مع موردين آخرين أن إدارة الشركة (الكويتية) قدّمت عرضاً لبعضهم يقضي بتسوية الديون المتراكمة والمستحقة لهم على قاعدة تسديد 50 في المئة من قيمة الفواتير فوراً، في مقابل إلغاء الـ 50 في المئة المتبقية وإغلاق حساباتها بشكل نهائي. وذلك للحد من الخسائر وتسهيل عملية الإنسحاب. إذ في نهاية العام 2016، كانت عليها حسابات دائنة بقيمة 30 مليون دولار. وقد أجرت إدارة  TSC مفاوضات مع ثلاث شركات تملك وتدير سوبر ماركت في لبنان، بهدف بيع موجودات وأصول الشركة… إلى أن تم ذلك وخرجت كليا من السوق.

كذلك، وفي العام نفسه جال الرئيس التنفيذ لشركة «غراي ماكنزي ريتايل لبنان»، التي تملك حقوق استثمار العلامة التجارية «سبينس» وفروعها في لبنان، مايكل رايت، على عدد من المستثمرين المحليين عارضاً عليهم المشاركة في صفقة شراء امتياز «سبينس»، بمبلغ 115 مليون دولار. وبالتوازي كان صندوق «أبراج كابيتال» الإستثماري يسعى في بداية العام 2016 لبيع سلسلة متاجر «سبينس» في لبنان والأردن والإمارات وقطر. وقد كلّف الصندوق بنك فاروس الاستثماري القيام بهذه المهمة بنحو 600 مليون دولار لجميع فروع الشركة في الشرق الأوسط.

وفي مطلع العام 2017، عرضت «ميد سيكوريتيز» على مستثمرين شراء 90 في المئة من المجموعة بـ70 مليون دولار، وهي تضم نحو ألفي موظف و14 فرعاً بينها ثلاثة فروع افتتحت حديثاً أبرزها الحلول محل سوبرماركت ادريس في الحمرا. وأشارت إلى أن «سبينس» تملك حصّة أساسية من مبيعات التجزئة في لبنان، وتخطّط لرفعها إلى 40 في المئة خلال السنوات الخمس المقبلة من خلال خطّة انتشار وتوسّع تتضمن إنشاء مخازن للعروضات الكبيرة.

ومنذ أشهر وقّعت مجموعة من رجال الأعمال اللبنانيين اتفاقية لشراء حصّة تزيد على 90 في المئة من أسهم مجموعة «سبينس» التي تملك حقوق إدارة واستثمار العلامة التجارية «سبينس» في لبنان وسوريا. قيمة الصفقة، كما تسرّب، بلغت 61 مليون دولار، وتتضمن بقاء البريطاني مايكل رايت مديراً تنفيذياً للمجموعة. ونقلت جهات معروفة، أن رجل الأعمال الشمالي حسّان عزّ الدين توصّل، بالنيابة عن مستثمرين لبنانيين، إلى اتفاق مع «أبراج كابيتال» على شراء حصّة كبيرة من أسهم شركة «غراي ماكنزي ريتايل لبنان».

في صلب الموضوع

«المسيرة» سألت الجهات المعنية حول مدى صحة إقفال فروع بمعنى تقليص الأعمال لأسباب تردي الوضع الإقتصادي، وتفسير ما يحصل منذ مدة في قطاع السوبرماركت في لبنان؟

مصادر في هيبرماركت بو خليل، نفت أن تكون الشركة في صدد الإقفال أو الإنسحاب. وقالت إن هناك إجراءات روتينية تتخذها جميع متاجر التجزئة بما يتفق مع متطلبات السوق وقاعدة العرض والطلب. فهناك مناطق باتت لا تحتمل عدد وحجم المتاجر القائمة فيها، فتصبح إدارات بعضها ملزمة على إعادة الإنتشار. كذلك أكدت إدارة سبينيس أن إنتقال الملكية لا يمكن أن يفسَّر على أنه خروج من السوق. وأنه وفق إحصاءات تجارية، تصل مبيعات الشركة في لبنان إلى نحو 250 مليون دولار، ولديها 14 فرعاً في مختلف المناطق اللبنانية، وتشغّل نحو ألفي موظف. وهي تملك خطّة توسعية تشمل افتتاح عدد من الفروع، لا سيما حيث هناك حصّة سوقية واسعة.

أما نقابة أصحاب السوبرماركت فقالت جهات عليمة فيها إن «التطورات الحاصلة في قطاع السوبرماركت ليست مترابطة ولا موحدة الأسباب، ولكن في الغالب هناك عوامل خاصة خارجة عن إطار السوق اللبناني تحكّمت ببعض القرارات، ولذلك نرى أن علامة تجارية تنسحب من منطقة فيما علامة أخرى تتوسع فيها، وهذا يعني أن المسألة خاصة وليست عامة. ففي مسألة انسحاب TSC من السوق مثلا أفادت المعلومات أن هناك اختلاسات بملايين الدولارات وتبادل اتهامات بين مسؤولي الشركة وخللا في الإدارة، وهذا ما أدى إلى تعرّضها للخسائر ومن ثم الإنسحاب. وهي استمرّت سنوات على هذا الواقع حتى عجزت عن المتابعة بعد تراكم الديون وارتفاع المطالبات».

وأضافت «إن مسألة سبينيس مختلفة وهي كانت عملية استحواذ وليس انسحاب. والشركة في صدد التوسّع في لبنان تنفيذا لخطة تشمل افتتاح فروع إضافية تقع ضمن المساحات المتوسطة، إذ ترى أنه لم يعد مجدياً التركيز فقط على المساحات الكبيرة التي تقلصت قدرتها التنافسية مع وجود عدد كبير من المولات المنتشرة في لبنان أو تلك التي ستفتتح مستقبلاً. وكذلك اعتماد سياسة الذهاب إلى الزبائن كونه المقياس الأفضل بعدما أُتخمت السوق بمحلات التجزئة الكبيرة». ونفت الجهات المعنية علمها بأية تطورات في باقي العلامات التجارية بما فيها بو خليل.

وبالسؤال عن صرف موظفين، أوضحت أنه في وقت سابق اتخذت إدارت سبينيس قرارا بصرف موظفين كانوا يسعون لتشكيل نوع من تكتل أو نقابة، وكانت الإدارة الخارجية للشركة ترفض ذلك، فصرفتهم. أما بعض الحالات اللاحقة فهي فردية وتحصل منذ مدة في معظم المتاجر والقطاعات اللبنانية، حيث يلجأ بعض الإدارات إلى استبدال موظفين بأجور عالية بآخرين بمرتبات أدنى، إما لتمرير فترة الجمود الحالية أو طمعا بمزيد من الربح.

وتعليقا على مجمل هذا الوضع يرى إقتصاديون أن «بعض القرارات بإقفال فروع لسوبرماركت تتحكم بها الجدوى الإقتصادية للفرع أكثر من الوضع الإقتصادي عموما. فالشركة قد تقفل فرعا في منطقة وتفتتح فرعا أو أكثر في منطقة أخرى مختلفة الشروط والظروف، فيكون أجدى لها لناحية حركة المبيع والإعتبارات المكانية والتشغيلية. كما يجب ألا نُسقط من حساباتنا حسن الإدارة من عدمه، فهناك شركات في جميع القطاعات تخسر فيما تسجل مثيلاتها أرباحا، وهذا يعني أن المشكلة هي في الشركة بذاتها وليس في القطاع أو العوامل الخارجية المؤثرة فيه».

في المقابل يشددون على أن «اعتبار معظم أسباب صعوبات أو تغييرات بعض متاجر التجزئة والسوبرماركت خاصة وليس إقتصادية، لا يعني في أي حال أن الوضع الإقتصادي جيد وأن لا ضغوط على القطاعات كافة ومنها قطاع السوبرماركت». والجدير بالذكر على هذا الصعيد أنه إذا كان الإنفاق الفردي قد تراجع للأسباب الإقتصادية المعروفة، إلا أن الإقبال لناحية عدد المستهلكين قد زاد ليعوّض الفرق ويؤمن استمرار التوازن.

في أي حال وفي الخلاصة، يلفت الإقتصاديون إلى أن الوضع الإقتصادي ليس على ما يرام، وأن هناك عاملين على الأقل يتحكمان بمستوى إنفاق الفرد الذي ينعكس على حركة المبيع عموما، وهما: أولا تراجع المداخيل عند العديد من الفئات الشعبية بسبب الأزمة المتعددة الأسباب من محلية وخارجية، وهو ما يؤدي حكما إلى تراجع الإنفاق. فضلا عن البطالة التي بات الجميع يعلم أنها بلغت مستويات عالية تنذر بعواقب خطيرة. وثانيا العامل النفسي حيث من المعلوم في الفكر الإقتصادي أن عامل الثقة أساسي في مسألة الإنفاق. فشريحة الشباب هي الأكثر إنفاقا في المجتمعات، وهي في الوضع اللبناني إما عاطلة عن العمل وإما غير مقيمة في لبنان، ما يحرم السوق من هذا الإنفاق الأساسي. وبالتالي فخوف الفئات الأخرى المنتِجة من المستقبل والمخاطر المنتظرة على خلفية العديد من الأزمات، يؤدي بدوره إلى تراجع الإنفاق. وهذه العوامل جميعها متضافرة تشكل عاملا آخر من عوامل الضغط، ليس فقط على قطاع السوبرماركت بل على الوضع العام برمّته. وهذا ما يجب أن يشكل جرس إنذار لجميع المتمادين في الشخصانية أو اللامبالاة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل