
ما دمنا أصبحنا أمام معادلة شبه مؤكدة الا في حالة نشوء تطور مفاجئ وهي ان ولادة الحكومة الجديدة ستقترن بنهاية “تفاهم معراب” فلا بد من وقفة عاجلة عند بعض الاختلاجات التي تعتمل حول هذا الملف.
لا حاجة اولا الى تثبيت ابرز الحقائق المعلنة والمضمرة وهي ان الفريق الاكثر استعجالا لدفن هذا التفاهم في غرة عمره الغض هو الفريق العوني بشقيه الرئاسي والحزبي مهما قيل عكس ذلك.
كما لا حاجة ثانيا الى الوقوف عند وجدانيات لا مكان لها في العمق السياسي المتصل بالمصالح الذاتية لكل من طرفي التفاهم الراحل بتدرج منهجي والتي تتغنى بأن التفاهم ازال كل رواسب الماضي الدامي الدراماتيكي بين القوتين الاكثر تمثيلا لدى المسيحيين. تكفي في هذه العجالة نظرة فاحصة الى طبيعة المفردات المتداولة بين محازبي الفريقين ومناصريهما عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتبين الحدة الهائلة المستيقظة والمستنفرة في ذروة التأهب لاستحضار حقبة العداء النفسي والمعنوي والاعلامي.
اما ما يعني سائر المكونات الطائفية والسياسية اللبنانية على “الضفة الأخرى” للمشهد المسيحي العائد بقوة الى تقديم نفسه قربانا مجانيا على مذبح التقهقر الذي يتهدد البلاد فهي التداعيات المحتملة لصعود الانقسام المسيحي تكرارا ومجددا الى واجهة المسببات الجوهرية في تأخير حكومة يستعجلها الف عامل وسبب ملح أولها تنامي القلق على الاستقرار المالي والاقتصادي.
وهنا لا بد من مصارحة فجة بعيدا من اللغة الديبلوماسية والتنميق اللفظي وتركيب القفازات في موقع بات يحتاج بشدة الى نبذ كل تكاذب والتخلي عن كل المناورات الكلامية التي يستحيل ان تطمس الوقائع القاسية بحقائقها. لن يذرف احد دموع التماسيح على تفاهم معراب ولا اي تفاهم حزبي ثنائي ذات طابع طائفي أحادي او مختلط او ما يشبهه ما دامت تقليعة هذه التفاهمات لم تفض في أي منها الى النفضة الحقيقية الناجزة لمشروع الدولة الكاملة الطبيعية وإسقاط كل ما يعترضه.
وبتعبير اكثر تحديدا فان لبنان يشهد منذ ضربته حرب الاغتيالات وما تلاها من تطورات إسقاطا منهجيا دؤوبا لاتفاق الطائف تارة على ايدي قوى خارجية واقليمية معروفة وطورا على ايدي افرقاء داخليين لم ينخرطوا مرة عن اقتناع في النظام الدستوري الناشئ عن الطائف.
هذا المنحى المتدرج التصاعدي يشهد الآن فصلا متوغلا في تحوير الطائف نحو أعراف وممارسات يراد من خلالها تكريس نهج مختلف ينحو بوضوح نحو حكم رئاسي وليس حكم برلماني ديموقراطي كما يقوم عليه الطائف.
وهذا الاتجاه لم يعد في حاجة الى خبراء دستوريين ولاعبين محترفين لإثباته لانه أفصح من ان يحجب ويطمس ولنا في يوميات المماحكات الجارية حول مخاض تشكيل الحكومة العتيدة اكبر الدلائل والبراهين الدامغة على ذلك. اذا امام تجارب تجويف الطائف وتحويره والتلاعب بالدستور وأصول النظام الذي يكرسه، في الحقبات السابقة وفي الحقبة الحالية المفتوحة على مزيد من استباحة الطائف، اي جدوى واي قيمة لأي تفاهم ولماذا لا تعذرونا ان لم نذرف دمعة على “تفاهم معراب”؟