
بذكرى أي مجزرة نحتفل أولا، 28 حزيران 1978، أم 27 حزيران 2016؟ نحتفل؟! أليس غريبًا التعبير حين نتكلم عن عشرات الشهداء في مجازر جماعية، ارتكبت في المكان ذاته مرتين، وبفارق بين الاولى والثانية لا يتعدى الثمانية والثلاثين عامًا وتقريبًا نفس الدواعش ذات الايادي الآثمة انما بتسميات مختلفة؟! يا قاع متى تتوقفين عن تعداد الشهداء؟ يا قاع يا ذاك البقاع الشمالي المترامي السهول، المترامي النضال، يا حقول الشهداء قبل الزرع والمواسم، متى تنصبين قوس العدالة فوق بيوت الأبدية حيث يسكن القلق قبل اجساد لـ راحوا؟.
“الاكيد ما رح ننسى والاكيد انو رح نضل نشتغل تـ نحوّل قضيتهن للمجلس العدلي. من حقنا نعرف الحقيقة” كتب رئيس بلدية القاع المحامي بشير مطر على صفحته، ونشر صور الشهداء، شهداء المجزرتين، ويعرف مطر في قرارة نفسه، ان تلك المجازر لن تحال الى المجلس العدلي، يعرف ان الزمن والأزمان التي سبقت لم تكن للعدالة والحقيقة، ويبدو ان لم يحن وقتها بعد، لكن حسبه وحسب أهل القاع أن يذكّروا من يريد أن ينسى، ان ثمة شهداء ينتظرون عبق العدالة لينثر فوق القبور التي لم يهنأ اصحابها بعد في استراحتهم الابدية. ثمة أهل، كبار، شباب، اطفال، ينتظرون من يروي دموعهم المالحة برشّة مواساة بأن من استشهدوا لاجل تلك الارض، علينا ان نكرّمهم، ليس بأكاليل ورد من دون عبق، وخطابات رنانة من دون كلام، وصلاة تتلى من الشفاه من دون قلب، نكرّمهم بمحاكمة القتلة، باعلان اسمائهم، اهذا كثير؟ كثير على تلك الارض التي نعق فيها بوم الموت للمرة الأولى زمن الاحتلال السوري واعوانه اللبنانيين، حين اقتيد رجالها الى الموت بأبشع ما يكون، ثم حين اجتاحها الارهابيون وحاولوا ان يعيدوا الكرّة، فخاب ظنهم وتدخلت العناية الالهية لتحدّ من عدد الشهداء، بسبب بطولة أهل القاع ويقظتهم وحمايتهم لبلدتهم بأجسادهم واراوحهم وليس اقل، أقليل على هؤلاء الحراس الذين لم ينموا بعد منذ نحو اربعين عامًا، ليحرسوا أرضهم وشرفهم وترابهم، أكثير عليهم اقرار العدالة؟!
والزمن يتهاوى الى قعر أيامه، حيث أصبح الفساد فضيلة الأيام والقيم حكاية بائدة، تقاوم القاع لأجل قيمها، تقاوم لتبقى منارة الحب، وهل من حب أكبر بعد من أن يبذل الانسان نفسه فداء عمن يحبهم، هل من حب أكبر بعد؟
يا قاع، يا عبق الشهداء، يا زهرة النضال، يا حكاية روت فصولها بالدماء والاحزان حينًا، بالافراح والاعراس أحيانًا ولو كان الرقص فوق الزجاج غالبًا، لكنها تعرف كيف تحيّك قصتها، كيف تجعل من الاقدام المدممة بنثر الزجاج خبطة كرامة هدارة فوق ساحات النضال. تحية لكم يا ارضًا ما زالت مؤمنة بالنضال بالكرامة بالوطن بالاستشهاد، لكن لحظة، صار يحق لها ان توقف نهر الدماء اذ يكفي هذا القدر، يحق لها ان تبكي شهداءها براحة ضمير حين تحوّل قضيتهم الى المجلس العدلي، يحق لها بالانماء والفرح ورفع الضيم عن قلبها وشوارعها وبيوتها واهلها، يحق لك يا قاع أن تتوجي ساحة شرف على عيون وطن حتى اللحظة، حتى اللحظة لم يكرّم شهداءه الحقيقيين ولعله لم يعترف بهم اساسًا بانهم شهداء.
تحية لكم يا ابطال شهداء ومناضلين أحياء.
