“المسيرة” – تفاهم معراب أكبر من أن يسقط

 

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” – العدد 1668:

 

دخل تفاهم معراب في ذاكرة الناس الذين انتظروا حصوله وأيَّدوه وباركوه في وجدانهم إلى الحد الذي بات يمكن معه القول إنه بات أكبر حتى من «التيار الوطني» الحر و»القوات اللبنانية» اللذين صنعاه. ولذلك إن عملية الخروج منه أو إسقاطه أو التنصل من مضمونه تبقى ناقصة وغير مكتملة لأنه حقق نتائج لا يمكن التغاضي عنها ولأنه خلق أجواء إيجابية ليس على مستوى الشارع المسيحي فقط بل على المستوى الوطني، ولأنه أطلق الدينامية السياسية التي خلقت العهد الجديد والتسوية الرئاسية، ولأنه لا يزال قابلا للحياة، ولأنه لم يحقق بعد كل ما كان يجب أن يبنى عليه. وربما لذلك يجب أن يبقى ولا يمكن أن يسقط بمجرد إعلان رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل أنه «لم يعد قائمًا لأي سبب كان».

 

 

ربما يجب أن يبقى تفاهم معراب حيًا على الأقل لمواجهة ما يحصل في جرود العاقورة كما كان لازمًا لكي تتم عملية تحرير جرود القاع وراس بعلبك. لولا هذا التفاهم لما كانت رئاسة جمهورية ولما كان العماد ميشال عون وصل إلى قصر بعبدا، ولما كانت تشكلت حكومة وعادت الحياة إلى المؤسسات، ولما كان الجيش خرج لطرد المسلحين من التنظيمات الأصولية من الجرود.

روح تفاهم معراب لم تخيّم على أجواء «القوات» و«التيار» فقط بل رفرفت فوق الجمهورية اللبنانية كلها. هل يمكن أن يتصور أحد ماذا كان وضع الدولة لو كان الفراغ لا يزال معشعشًا في قصر بعبدا؟ هل كان يمكن تصور لبنان من دون حكومة ومن دون التسوية الرئاسية التي حصلت؟ هل كان الرئيس سعد الحريري في وارد الإنضمام إلى خيار انتخاب العماد عون لرئاسة الجمهورية؟ هل كان «حزب الله» تخلى عن مشروع تعطيل النصاب؟ هل كانت عادت الديناميكية إلى الحياة السياسية؟ هل كان حصل قانون الإنتخابات؟ هل كانت حصلت الإنتخابات أم كان الفراغ انتقل إلى مجلس النواب؟ هل كان يمكن العماد عون من الرابية أن يخبط على الطاولة ويقول إنه لن يقبل لا بالتمديد لمجلس النواب ولا بحصول الإنتخابات على أساس قانون الستين؟

أما وقد حصل كل ذلك، فهل يجوز بعده التخلي عن التفاهم أم العمل على تحصينه وتطبيقه بكل مندرجاته لما فيه مصلحة البلد أولاً قبل مصلحة «القوات» و«التيار»؟

ليست المسألة تتعلق بالحصص. التفاهم لم يكن على الحصص بل على المشاركة التي تجعل العهد قويًا بقوة التفاهم وبالزخم الذي يعطيه للرئاسة وللحكومة وللدولة. لو كانت المسألة مسألة أرقام لماذا إذا أعطيت «القوات» في حكومة الرئيس سعد الحريري التي تشكلت بعد انتخاب العماد عون نيابة رئاسة الحكومة مع 3 وزراء ووزير حليف بينما لم تكن كتلتها النيابية تضم إلا 8 نواب؟ ألا يعني ذلك أن التفاهم كان أكبر من الأرقام بل يتعلق بالمشاركة وباعتبار أنها لازمة نتيجة مساهمة «القوات» في صناعة التغيير الذي حصل ووصول الجنرال عون إلى قصر بعبدا بعدما تخلى رئيس «القوات» الدكتور سمير جعجع عن ترشحه؟ لولا ذلك ألم يكن عون لا يزال في الرابية وحكومة الرئيس تمام سلام تصرّف الأعمال ومجلس النواب معطلاً؟

لقد قبلت «القوات» بما تم الإتفاق عليه في تشكيل الحكومة السابقة – الحالية التي تصرّف الأعمال اليوم حرصًا منها على أن ينطلق العهد والدولة وعلى أن تتأمن صحة التمثيل النيابي والوزاري بعد الإنتخابات. وهي كانت تدرك في أواخر العام 2016 بعد انتخاب عون وقبل تشكيل الحكومة أن المطلوب تقديم تضحيات حتى تمشي ماكينة الدولة وتعرف أنها لا تأخذ من السلطة بموجب ما تم الإتفاق عليه مع العماد عون في معراب. ولذلك لا يمكن أن يحصل انقلاب على هذا التفاهم بعد الإنتخابات النيابية. وإذا كان الأمر يقاس على تشكيل الحكومة السابقة، فإن حصة «القوات» كانت نتيجة مشاركتها في صناعة الرئاسة وهذا ما يجب أن ينطبق على تشكيل الحكومة الحالية مع كتلة نيابية مضاعفة عما كان عليه الوضع منذ العام 2009. وهذا يعني أنها لا تطالب إلا بما يدخل ضمن ما أعطاها إياه تفاهم معراب وما أعطتها إياه نتائج الإنتخابات.

ومن ضمن هذا الإطار لا يمكن أن يسقط اتفاق معراب على مذبح الخلاف على حقيبة وزارية لأنه أكبر من حكومة وأكبر من رئاسة وأكبر من الحصص. لا يمكن النظر إلى هذا التفاهم من الوراء وكأنه صار خلفنا وأعطانا ما كنا نريده منه حصرًا بانتخاب الجنرال عون رئيسًا للجمهورية. بل يجب النظر إليه وكأنه هدف أمامنا كما كان الوضع في ظل الفراغ الرئاسي وقبل انتخابه يوم كان حاجة لـ«التيار» و«القوات» ولإنقاذ البلد على قاعدة عندما كنا بحاجة إليه ركضنا وراءه وعندما صار تطبيقه علينا صعبًا ولا نريد أن نلتزم به نتخلى عنه ونسقطه ونقول إنه لم يعد موجودًا؟

في قداس الشهداء في أيلول 2016، بعد التفاهم وقبل انتخاب الرئيس بشهر ونصف كان أحد نواب «التيار الوطني الحر» مشاركاً في المناسبة نتيجة الأجواء الإيجابية التي خلقها التفاهم. كانت النظرة إلى «القوات» والدكتور سمير جعجع نظرة تقدير واحترام للجرأة التي تجلت في القرارات الكبيرة التي اتخذت وأدت إلى فرض خيار العماد عون خيارًا وحيدًا لرئاسة الجمهورية. بعد انتهاء الإحتفال أسرّ هذا النائب لمن كان يرافقه من «القوات اللبنانية» بإعجابه بهذا التنظيم الكبير، معتبرًا أن «التيار» لم يبلغه ولا يمكن أن يبلغه بعدد كبير من السنين. بعد انتخاب عون قال هذا النائب أيضا في لقاء إعلامي معه إنه لو لم يكن هذا التفاهم لكانت راحت علينا وكنا صرنا بالأرض معترفاً بالحقيقة والواقع بفضل «القوات» في صناعة هذا الإنجاز الذي لم يكن عاديًا.

لقد نظرت «القوات» إلى هذا التفاهم منذ البداية كأنه خيار ثابت ومسار لا يمكن أن يتوقف قبل أن تتحقق النتائج المرجوة منه وهي غير مرتبطة بزمان وبحصص بل بتوازن داخل السلطة ومن خلال الإلتزام بمفاعيله، مدركة أنه من دون هذا الإلتزام ومن دون هذا التوازن لا يمكن أن تستقيم الدولة، وهي اعتبرت منذ البداية أن قوة العهد هي من قوة هذا التفاهم وليس من عدد كتلة نيابية من هنا أو حصة وزارية من هناك يجب التلطي خلفها لإخفاء ما كشفته الإنتخابات النيابية. وهي تدرك أن التفاهم أقوى من أن يسقط بإعلان متواضع وبطريقة ملتوية وكأن الوزير باسيل يريد أن يتنصل من مفاعيله من دون أن يترك أثارًا سلبية عليه ومن خلال إعطاء التنصل أسباب تخفيفية لتبريره، ولكن على رغم ذلك لا يمكن أن يمر هذا الإعلان عن السقوط مرور الكرام عند الناس الذين انتظروا وينتظرون إعلان تجديد الإلتزام به والتمسك بمفاعيله وبالإعتراف بكل ما أنجزه وبكل ما يمكن أن ينجزه بعد. ولذلك لا يمكن النظر إلى ما قاله باسيل عن السقوط على قاعدة أنه سقوط للتفاهم لأن المطلوب مراجعة طريقة تطبيقه لا التراجع عنه ولأن هذا التفاهم لم يكن لكي يستعمل مرة واحدة.

لا شك في أن ما حصل بين اليمونة والعاقورة يدخل ضمن خانة الحاجة إلى هذا التفاهم واستمراريته. مع هذا الإستمرار يصبح من الصعب التعدي على القانون وعلى الحقوق ويصبح أهالي العاقورة أكثر اطمئناناً إلى الدور الذي تقوم به الدولة والقوى الأمنية على قاعدة أنهم ليسوا متروكين، وأن هذا التفاهم يجعل قرار الدفاع عنهم وعن حقهم وعن كل اللبنانيين أكثر فعالية ويجعل المعتدين أيًا كانوا أكثر ترددًا وخوفاً. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن التفاهم الذي كان الأساس في وصول العهد يبقى الأساس في قوة استمراره وفي استمراره بقوة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل