
تشهد السّاحة السياسيّة في لبنان اليوم هدنة على صعيد التّهدئة في الملفّ الحكومي. لكن يتخلّلها بعض المناوشات التي لا تقلّ أهميّة عن هذا الملفّ، ولعلّ أبرزها ملفّ النّازحين وحيثيّاته وكيفيّة تعاطي بعض الفرقاء اللّبنانيّين معه. فهل سيشكّل الواقع المحلّي والإقليمي وعطفًا الدّولي، أداة ضغط على الرّئيس المكلّف؟ وهل سيكون هذا الواقع أداة الضّغط الإضافيّة على من لم يتنازل بعد حتّى هذه اللّحظة عمّا حقّقه في الانتخابات النيابيّة الأخيرة؟
أمام هذه الوقائع السياسيّة، برز البارحة حفل انتساب 2650 منتسبًا إلى حزب “القوّات اللّبنانيّة” الذي لم يخلُ من الرّسائل السياسيّة في الاتّجاهات جميعها. لقد أكّد رئيس الحزب الدّكتور سمير جعجع بأنّ “القوّات” لا تطالب بما ليس حقًّا لها. فالمطلوب واحد، وهو الاعتراف بما أفرزته الانتخابات النيابيّة الأخيرة على القاعدة الدّستوريّة الميثاقيّة التي أقرّها اتّفاق الطّائف. إضافة إلى ما أفرزته التّفاهمات السياسيّة بين الأفرقاء.
وفي هذا السياق، تلتقي “القوّات اللّبنانيّة” مع مختلف الأفرقاء التي إن اختلفت معهم استراتيجيًّا، لكن تكتيًّا في الممارسات السياسيّة فمشهود لهم بنزاهتهم وتنظيمهم. من هذا المنطلق، على بعض اللّبنانيّين الذين ما زالوا قابعين تحت سطوة الوصاية أن يتحرّروا من هذه العقليّة ويعيشوا حقيقة لبنان الكيانيّة الوجوديّة التي تقوم على قاعدة الحريّة فقط. فتحجيم “القوّات”، كما غيرها، لم يعد مقبولا. الاحتلال السّوري ذهب والتّاريخ لم ولن يرجع يومًا إلى الوراء.
كذلك لا يظنّن أحد أنّ “القوّات اللّبنانيّة” قد تقبل بأيّ تنازلات مقابل السّكوت عن أيّ فساد أو تمرير أيّ صفقات على حساب الدّولة وسيادتها، بدءًا بالبيئة وليس انتهاءً بالطّاقة والاقتصاد المتهاوي وما بينهما من ملفّات. حتّى البيئة تشكّل أولويّة بالنّسبة إلى محاربة الفساد فيها. لا نستطيع أن نسلّم وطنًا لأبنائنا وأحفادنا من بعدنا مع المحافظة على ما ارتكبه الآباء والأجداد من جرائم بيئيّة بحقّه. أمّا في الملفّ الاقتصادي فلن تسمح “القوّات اللّبنانيّة” بمزيد من التّجاوزات الاقتصاديّة على حساب الماليّة العامّة، لا سيّما من حيث ضبط الحدود والمرافئ والمطار لما تدرّه من أموال على الخزينة العامّة. ولّى زمن السّكوت اليوم، كيف لا و”القوّات” لم تسكت يومًا عن أيّ شائبة حتّى في أحلك المراحل عندما كانت تحت سياط الجلّادين.
أمّا مسيحيًّا فالقوّات هي الظّهير الآمن للأحرار الذين لا يرتهنون لأيّ أوراق تحت أيّ قبب كانت، وتحت أيّ درائع. نحن عرّابو العهد وحماته، ولن نقبل بإسقاطه أو حتّى بالانتقاص من هيبته لو كانت الذّريعة إعادة النّازحين السّوريّين. آن الآوان لإعطاء ما للدّولة للدّولة فقط، وما هو حقّ سياسيّ للأحزاب السياسيّة فقط. من غير المسموح أن يسطو “حزب الله” على ملفّ النّازحين تحت حجّة تقصير الدّولة وهو المطالب من خلال علاقاته تسهيل عمليّة النّازحين عبر الآليّة التي تضعها الدّولة وليس عبر آليّاته الخاصّة. فالدّولة تبقى دولة، والحزب حزبًا وليس أكثر.
الحكومة لا بدّ آتية لا محالة، ولن تكون إلّا على قدر تطلّعات النّاخبين الذين أعطوا المانة لنا. وكما لم نرضخ في أحلك الظروف، لن نرضخ اليوم أيضًا، ولو كانت الحجج والأدوات إقليميّة أو حتّى دوليّة. ولا يصوّرنّ أحد أنّ هذه عرقلة للعهد أو للرئيس المكلّف. نكرّرها الآن وحتّى النّهاية نحن مع “أوعا خيّك” ونحن العهد، ولن نقبل بأقلّ من ذلك إطلاقًا. “ومن له أذنان للسّماع فليسمع.”