ماري خوري لـ”المسيرة”: أنا بنت هالأرض ومصيرنا واحد وطريقنا الشهادة

 

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” العدد 1668:

بالورد والزغاريد والكثير الكثير من الحب المغمس بذكريات الوجع والكرامة استقبل أهالي البيرة في الشوف إبنة تلك البلدة التي غادرتها ذات يوم أسود في سيارة الإسعاف بعد تعرضها لإصابة بليغة أدت إلى شلل تام. وعلى كرسيها المتحرك دخلت ماري خوري مزار قلب يسوع حيث أودعت لوحتها التي تجسد المناسبة. وعلى البطاقة كتب شباب مركز «القوات اللبنانية»- البيرة «إكراما لتضحياتك وتقديرا لعنفوانك. الرفيقة البطلة ماري خوري… منحبك». وبكل تقدير إنك لمستحقة.

ليست المرة الأولى التي تُكرّم فيها ماري خوري تقديراً لعطاءاتها وإبداعاتها الفنية في مجال الرسم. من لبنان إلى دول الإنتشار التي كرّمت فيها عبر «سكايب» وصولاً إلى قريتها البيرة. هناك كان للتكريم طابع مختلف في قلب المناضلة التي بدأت مشوار العمر الثاني من هناك وتحديدًا في أيلول 1983 من على درج بيتها في البيرة خلال معارك حرب الجبل بعدما أفرغ مقاتل رصاصة حقده في عنقها. سقطت المناضلة ببزتها الكاكية على الأرض  قبل أن تُنقل «جثة « هامدة، ولكن حيّة، إلى إحدى المستشفيات. هناك اكتشف الأطباء أن قلب ماري ما زال ينبض. وحدها خلايا الجسد خانتها وجثت أمام رصاصات القاتل الحاقدة. وعندما فتحت عينيها تلقت خبر إصابتها بالشلل الكامل لتبدأ مشوار العمر الثاني عمر الولادة الثانية التي كتبت أولى الكلمات على صفحاتها بإيمان وتحدي كلمات الحياة الجديدة التي تعيشها منذ 35 عاما.

ماري سامحت ورفضت أن تعيش عمرها الثاني بنار الحقد ونزعة الإنتقام. سامحت لكنها لم ولن تنسى لحظة من مشاهد أفول زهرة عمرها الأول ذاك الصباح من أيلول في العام 1983. حملت صليبها ومشت درب الجلجلة وعلى لسانها عبارة واحدة «لتكن مشيئتك…». سلّمت أمرها للعذراء مريم، التي طلبت منها لا بل رجتها والدتها عندما تبلغت خبر إصابة ماري بشكل بليغ أن تلفّها بثوبها الأزرق النقيّ وتردّها إلى أحضانها.

ماري سامحت لكنها قررت أن تنتقم لفكرة الموت السريري ونزعة الثأر والحقد فحوّلت جلجلتها إلى مسبحة صلاة تكرزها مع كل طلعة شمس لتلوّن بها لوحاتها الفنية التي تحاكي فيها الطبيعة والقديس شربل وأمها العذراء وقلب يسوع وتشكره «ع كل شي عملو وعم بيعملو بحياتي».

من معهد بيت شباب الذي سكنت جدرانه منذ العام 1983 إلى بيت الأهل والأجداد توجهت ماري خوري تلبية للدعوة التي وجهها إليها أبناء بلدتها البيرة للمشاركة في الاحتفالات التي ينظمها أبناء البلدة ومركز «القوات اللبنانية» خلال شهر حزيران  لمناسبة عيد قلب يسوع الأقدس. لكن ماري لم تكن وحدها. فيسوع رفيق درب جلجلتها الدائم كان معها وأصرّت أن تشركه من خلال تكريمه فسكبت صورته على لوحة ولونتهه بريشتها وطبعت في قلبه صورة مزار سيدة لبنان تيمنا برمزية المناسبة التي تجسد المسيرة التي تقام سنويا في بداية شهر حزيران حيث يضيء شباب البيرة مشعل الإيمان ويطوفون به سيرا على الأقدام من مزار سيدة لبنان في حريصا حتى مزار قلب يسوع في البيرة – الشوف.

اللوحة التي تم تكريسها انضمّت إلى مجموعة اللوحات التي تضمنها معرض الرسم الذي افتتح في المناسبة واستمر حتى نهاية شهر حزيران. وعن طريقة تنفيذ اللوحة تروي ماري: «عندما اتصل بي منظمو الإحتفال وطلبوا مني المشاركة في المعرض الذي سيقام لمناسبة شهر قلب يسوع الأقدس فكرت بأن تكون هديتي ليسوع لوحة تجسد قلبه الأقدس». وأضافت : «بعدما أقفلت الخط مع منظمي الإحتفال باشرت في رسم الصورة. وأعترف أن العملية لم تكن سهلة وتطلبت مني الكثير من الجهد والمثابرة بس قلب يسوع ساعدني. أحيانا كنت أستيقظ في منتصف الليل لإكمال عملية التلوين خصوصا أنني لا أستطيع المكوث لساعات طويلة على الكرسي المتحرك بسبب وضعي الصحي. وتجسيدّا لرمزية المسيرة التي تقام سنويًا عمدت إلى رسم صورة مزار سيدة لبنان في قلب يسوع ولونته بشكل دقيق واستغرقت عملية رسم وتلوين اللوحة حوالى الشهر، أما الأهم فكان في روتوش اللمسات الأخيرة».

عند وصول ماري خوري إلى قريتها البيرة في الشوف استقبلها أهالي البلدة بالزغاريد والتصفيق وبباقة ورد جمعت في براعمها كل ألوان الربيع والحياة التي تعشقها ماري حتى الثمالة. وعلى البطاقة كتب شباب بلدة البيرة العبارة التالية: «إكرامًا لتضحياتك وتقديرًا لعنفوانك. الرفيقة البطلة ماري خوري … منحبك». كلمات حفرت في قلب ماري الذي يغلي إيمانا وعنفوانا. حضنت ماري باقة الورد ودخلت مزار قلب يسوع الأقدس لتشارك مع أهالي البلدة وأفراد عائلتها ورفاق من مركز البيرة في «القوات اللبنانية» في احتفالية اختتام الشهر المقدس التي تضمنت أمسية دينية أحياها المرنم بيار بطرس الذي أدى أناشيد من ريبيرتوار الترانيم الدينية القديمة والحديثة، وختامها مسك مع ترنيمة خاصة بالمناسبة كتبها الرفيق ريمون مسلّم ولحنها المرنم بطرس. وبعد الريسيتال بدأت الإحتفالية بتكريم ماري خوري حيث قدم لها أهالي البيرة درعا تكريمية عربون محبة وتقدير. وألقى كاهن الرعية الأب شكرالله شهوان كلمة أشار فيها إلى مزايا المناضلة ماري خوري وتحدياتها المجبولة بعرق الإيمان. واختتمت الإحتفالية بجولة على المعرض الذي ضم حوالى 40 لوحة وكلها بريشة ماري خوري.

في قلب مزار قلب يسوع في البيرة أودعت ماري لوحة قلب يسوع الأقدس التي سكبت فيها عصارة الوجع والإيمان والتحدي. هي التي رفضت أن تستسلم لظلم الحياة والمأساة التي حفرها ظلاّم الأرض على جسدها في مقتبل العمر. هي ماري خوري التي قالت نعم لقلب يسوع ولتكن مشيئتك. هي ماري خوري التي كرّمها أبناء بلدتها البيرة في آخر أيام شهر قلب يسوع الأقدس بعدما أسكنها قلبه منذ35 عاما. ماري خوري إنك لمستحقة كل تكريم من أبناء الأرض أرضك الطيبة بعدما كرمتك العذراء وابنها يسوع بنعمة الولادة الثانية وليست مجرد حياة لأنها مجبولة بالإيمان والعنفوان والتحدي.

ماري خوري:» الإضطهاد بلش مع يسوع وكمّل لأنو الحقيقة مضطهدة»

بعد تسلّمها الدرع وقفت ماري خوري لتلقي للمرة الأولى كلمة شكر أمام أبناء بلدتها فكانت كلمات لكن ليست كباقي الكلمات وقالت: «35 سنة مرقوا كأنن هلق. خلقت ووعيت وكبرت ولعبت بساحات الضيعة وطرقاتا، كل شي كان حلو فيا الأعياد، الأفراح، كل شي كان إلو نكهة… فرحنا سوا، زعلنا سوا، ومرات كنا نختلف. بس على رغم الإختلاف كانت المحبة تنتصر بالنهاية.

7 أيلول 1983 تاريخ محفور بقلب تاريخ الجبل ولبنان وبقلب كل واحد منا يوم اللي شربنا الكاس المرّ، يوم انجبل دم الشهدا بتراب هالأرض الغالية، يوم اللي مات الضمير، يوم اضطهدنا وذٌبحنا بس لأنو مسيحيي. معليش يا إخوتي هيدا مش شي جديد علينا. الإضطهاد بلش مع يسوع المسيح يوم اللي دافع عن الحق والحقيقة وكمّل الإضطهاد عبر التاريخ ومستمر اليوم وبكرا وللأبد لأن الحقيقة راح تبقى مضطهدة.

انسلخنا عن البيرة والجبل، وكانوا أقسى 10 سنين لأنو عشناهن بعاد عن المطارح اللي مننتمي لإلا. تشردنا وصار كل واحد بمطرح. بس كانت المحبة وإرادة العزم والعيش بكرامة هني الجامع بيناتنا على رغم كل المسافات.

رجع الحق لصحابو، ورجعنا ورجعت البيرة تفرح بولادا وشبابا وشيوخا. بس في كتير إشيا تغيرت ومن أهما غياب عدد كبير من الشهدا الأبرار اللي سبقونا عالسما. هيد اليوم ما بينتسا. راح يضل محفور بضميرنا.

بوجدانا وتاريخنا نظراتن ما بنساها. القلق، الخوف المواجهة… كلن بعدن بفكري وقلبي وروحي. كان مصيرنا واحد. والشهادة طريقنا. بس شاءت العناية الإلهية إنو إرجع للحياة والعدرا استجابت لقلب إمي المجروح لما صرختلا: «يا عدرا ماري انصابت دخيلك لفّيها بتوبك وما تحرميني من شوفتا. وهيك استجابت العدرا لصلوات إمي وخلصتني بطريقة عجائبية وسمح يسوع إنو ساعدو بحمل الصليب على طريق الجلجلة لأنو طريقو بيختلف عن طريقنا وأهدافو بتختلف عن أهدافنا أكيد. هوي بيعرف خيرنا وصالحنا وأنا استسلمت لمشيئتو وبشكرو ع كل شي عملو وعم بيعملو بحياتي.

من بعد إصابتي درست الرسم، وهون بشكر أهلي إمي وبيي وإخوتي وإخواتي على دعمن وتشجيعن لأنو المحبة وحدا بتشفي وهيك صار الرسم شغلي بالحياة. بيسألوني مرات ليش أكتر لوحاتك عن الطبيعة؟ بقلن لأني بنت الطبيعة وبنت هالأرض الطيبة لأني جزء منها وهيي جزء مني لأنها عايشة جواتي. كرمال هيك بياخدني الحنين إلا وبجسدو بلوحاتي من خلال الحقول الخضرا وشجر الصفصاف والكروم والكنيسة وبصورة المي الكارجة بالقناية وضحكات الولاد الراكضين بهالحقول..

أجمل مرحلة بحياتي هيي اللي عشتا بالبيرة، وأغلى مطرح ع قلبي ضيعتي وأغلى ناس إنتو يا أهل ضيعتي البيرة. بحبكن كتير، وبفتخر بمحبتكن كبار وزغار وما تصدقوا قديش بفرح وبيكبر قلبي لما شباب وصبايا ما بيعرفوني بيحكوني وبحبوا يتعرفوا عليي بس لأنو أهلن خبرون عني، جان ماري لميا مريم وكريستال صفير ورومي عون اسمالله كتار ما راح إقدر إذكركن كلكن.

اسمحولي إشكركن على هالمحبة الكبيرة.

أبونا شكرالله، ريسنا رفيق مسلم ومختارنا العزيز ذبيان صفير لجنة الوقف الكريمة والشاب الناشط والنشيط ريمون مسلم اللي مغروم بقلب يسوع وكل الشباب الحاضرين من دون إستثناء وبطلب من قلب يسوع اللي جامعنا بهالليلة المباركة يبارككن ويحميكن ويملّي حياتكن حب وفرح وسلام.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل