ياسمينا وجاد عيراني الحقيقة الساطعة في حياة جيسّي… وصلوا للمطرح اللي كان بدو رمزي يشوفن في

 

 

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” العدد – 1668:

وصار عمر الحكاية 16 عاما. نعم 16 عاما على فاجعة رمزي عيراني. فصول الحكاية تطول وتتصل دائمًا برمزي. الأولاد كبروا. ياسمينا تخرجت من الجامعة بتفوق في اختصاص الإقتصاد. يا ألله كم كان المشهد بعيدا، ولطالما انتظرت ذاك اليوم وتخيلت المشهد عندما كنت تجلس في سريرها وهي طفلة وتغني لها حتى تنام. اليوم تحقق الحلم رمزي. ياسمينا لبست ثوب التخرج ورمت القبعة عاليا إلى حيث تسكن أنت في أحضان يسوع  لتراها وتتلمس فرحتها. تسأل عن جاد؟ هو أنهى مرحلة الدراسة ونجح أيضا بتفوق في الإمتحانات الرسمية وقرر أن يتخصص في مجال الهندسة المدنية تماما مثل والده، مثلك رمزي. ألا يقولون إن الولد سرّ أبيه؟

عيون ياسمينا وجاد وجيسّي كانت تلمع فرحا وتفاؤلا تماما كما لو أنك كنت تقف أمامهم لالتقاط الصورة العائلية. لكن من قال إنك لم تكن هناك في باحة الجامعة الأميركية وفي القاعة التي كانت ترقص فيها ياسمينا مع شقيقها جاد وزملائها الخريجين إحتفالا بالمناسبة؟ نعم كنت هناك كما دائما. جيسي تعرف ذلك. وتعرف أيضا أنك كنت رفيق مشوارها الطويل في تربية جاد وياسمينا «بالشبر والندر» هي تعرف كل شيء إلا سر ذلك الكابوس الذي يقض قوتها وجبروتها: «كيف أمضيت فترة 15 يوما قبل أن يصل خبر الفاجعة؟ ماذا فعلوا بك، هل عذبوك؟ هل… وهل…؟». مهما اكتشفوا وقالوا هي فاجعة حقيقية. لكن ثمة حقيقة أنقى من كل شيء: جاد وياسمينا… ماذا تريد ان تعرف بعد يا رمزي؟

7 أيار 2002. اختفى رمزي عيراني مع سيارته. كان يفترض أن يعود إلى منزله الخامسة عصرا للإحتفال بعيد ميلاد ياسمينا (7 سنوات). عاد… ولكن شهيدا. 20 أيار كانت الفاجعة. ظهرت سيارة رمزي في شارع كاراكاس وتحديدا في بقعة تبعد بضعة أمتار عن حاجز ثابت للجيش اللبناني. الأربعاء 22 أيار كان يوم اللقاء الأخير. اغتيل رمزي وسره معه؟ الجواب حاضر في قناعات زوجته جيسي: «ما فكرت للحظة إنو ربي ولادي على فكرة الحقد والإنتقام ولولا إيماني ومصالحتي مع ذاتي ما كنت بشوف اليوم جاد اللي كان عمرو 3 سنين وياسمينا وصلوا لهالمرحلة من العلم والثقافة والإلتزام المبني على القناعة ومفهوم الشهادة. من شي سنة سألني جاد، ليش ما بسمي  الأشياء بإسما؟ ليش ما بقول إن السوري قتل رمزي بزمن الإحتلال لأنو كان عم بيطالب بخروجو من لبنان؟ ليش ما طلعت ع الإعلام وصرّخت وكشفت عن شكي بهوية قتلة رمزي؟ قلتللو الملف بعدو مفتوح وبإيد القضاء. إنتو ما تهتموا بالأمر. أنا بدي تكونوا مطرح ما رمزي كان يحلم فيكن. سلاحكن العلم والثقافة. هيك هوي بيرتاح وبيطمن عليكن وأنا كمان».

أكثر من منظمة تعنى بحقوق الإنسان عرضت على جيسي أن تسافر وتستقر مع أولادها في إحدى الدول الأوروبية ومن هناك تصرح عن الجهة التي تشكك بها حتى اليقين بأنها وراء عملية خطف وتصفية زوجها رمزي عيراني لكنها رفضت. «ما كان بدي أهرب مع ولادي وخلين يعيشوا حياتن بالقلق والخوف. ما بنكر إنو المصيبة هدتني بالبداية وأول رد فعل بس تلقيت خبر إنو لقيو رمزي مقتول بصندوق سيارتو كان إنو خزقت وكسرت صور العدرا ويسوع. كنت غضبانة وسألتن ليش ما سمعوا صلواتي وصلوات إمو وإهلو وولادو. بس هالأمر ما استغرق أكتر من إيام معدودة. كان مطلوب مني كون قوية وإتعالى ع الفاجعة حتى كمل الطريق وربي ولادي. وهيك صار. صليت كتير وسلمت جاد وياسمينا للعدرا وقلتللا هاو ولادك ساعديني تا ربين وكبرن. ولولا هيك ما كنت قادرا أوعا كل يوم أنا وعم إبتسم وودعن قبل ما يروحوا ع المدرسة واليوم ع الجامعة وأشغالن…».

هي الفاجعة في حد ذاتها. أن يشك الإنسان، أن تنعدم ثقته بكل شيء، أن يتحلل إيمانه. جيسي اجتازت كل هذه المراحل، عبرتها بالإيمان والصلاة، لكن كابوس ال13 يوما التي كانت تفصل بين تاريخ خطف رمزي واكتشاف الجثة في السيارة لا يزال يقض مضجهعا. تراهم برروا للضحية سبب فعلهم الوحشي قبل اغتياله؟ تراه تجادل معهم؟ هل حاول إقناعهم أو التبرير إن اتهموه بالخطيئة كونه ملتزم بحزب «القوات اللبنانية»؟ هل تركوا له فرصة أن يحكي، أن يستغفر، أن يصلي؟…. كلها أسئلة تدور في مخيلة جيسي لكن سرعان ما تستيقظ على الحقيقة المضيئة في شمس حياتها: ياسمينا وجاد. حتى فكرة ربط خطف رمزي في يوم عيد ميلاد ياسمينا أبطلت مفعولها حتى لا يتحول يوم عيد ميلادها إلى يوم أسود: «في ليلة فتت على غرفة جاد وياسمينا وسمعتن عم يتشارعوا بالتخت على قصة إنو رمزي انخطف يوم عيد ميلاد ياسمينا وإنو كان عم يشتريلا الهدايا من عند بابا سمير وشي من هالقبيل متل ما خبرونا القصة. وقفت قدامن وكانوا بعدن أطفال وقلتللن. رمزي انخطف ب7 أيار نهار عيد ميلاد ياسمينا صحيح. بس ب21 أيار خبرونا إنو لقيو الجثة وب22 ودعنا. وبلغة كتير حاسمة قلتللا ل ياسمينا ممنوع تفكري بيوم من الإيام إنو هالتاريخ أسود. بالعكس هيدا النهار كان من أسعد إيامو للبابا وكان كتير فرحان بس طليتي ع هالدني. كل همي كان إنو ما تتزعزع شخصيتا  وكل سنة منعيد بهالتاريخ بفرح كبير».

بصلابة المرأة المؤمنة والملتزمة بقضية آمنت بها حتى الشهادة ربت جيسي ولديها ياسمينا (21 عاما) التي تخرّجت من الجامعة الأميركية في بيروت منذ حوالى الأسبوعين في اختصاص الإقتصاد الدولي وجاد (19 عاما) الذي تفوق في امتحانات الشهادة الرسمية وتسجل في الجامعة الأميركية في اختصاص الهندسة المدنية» جاد قرر إنو يكمل باختصاص رمزي. يمكن بوكرا يشتغل بيزنس بس كان مصر إنو يحمل نفس الشهادة اللي حملا رمزي»، تقول جيسي، وتضيف: «حاولت بعّدن عن كتير من المواضيع اللي بتتعلق باغتيال رمزي. حتى القصص والحكايات البشعة ما كنت إحكيلن اياها لأنو بدن يتعذبوا أكتر من غيرن ومن دون نتيجة. ولا مرة أجبرتن على وضع صورة لرمزي على صفحات التواصل الإجتماعي. ومن سنة تحديدا اكتشفت إنو جاد وياسمينا بلشوا يحطوا صور بتجمعن مع رمزي ع الإنستغرام لأنو هلق استوعبوا قيمة تضحيات رمزي وأكيد إلتزامن بالقضية وحزب «القوات اللبنانية» وأنا كتير مبسوطة لأنو كل خطوة عم بيعملوها بتدل عن وعي. حتى رواية الخطف وقتل رمزي ما خبرتا ل جاد وياسمينا. ما قدرت. حدا من العيلة خبّرن بس كبروا. كنت قلّن «بيكن اختار النضال وأنا احترمت خيارو وبعدني على رأيي. أما أنا فخياري إنو حافظ على سيرة رمزي وبس كبرتوا عرفت إنو اخترت الطريق الصحيح. إنتو خياري بهالحياة لأنو من خلالكن عم بكمل مسيرة رمزي».

كان المفروض أن يلفظ قاضي القضاة قرارا أو حكما بقضية اغتيال رمزي عيراني أو أن يفنّد مرجع أمني كبير أسباب اغتياله وكيفية تنفيذه من الألف إلى الياء عندها كان يمكن ربما أن نضمد جرح جيسي ونفسر لاحقا ل ياسمينا وجاد أسباب الفاجعة لكن حتى الساعة لم يصدر شيء على مستوى القضاء والملف لا يزال مفتوحا كما جرح الفاجعة على رغم الكثير من المعطيات التي برزت بحسب جيسي وتقول: «الخيبة كبيرة قد ما بدك لهيك رفضت ربّي ولادي على فكرة الحقد والإنتقام. بس بالوقت ذاتو في فرح داخلي كبير لأنو القضية اللي استشهد كرمالا رمزي هيي قضية نبيلة وسامية ولأول مرة بصرّح إنو أكبر فرحة عشتا بحياتي على مستوى القضية بعد استشهاد رمزي هيي فوز «القوات اللبنانية» بالإنتخابات النيابية. واللافت إنو ب7 أيارأعلنت النتائج عن فوز حزب القوات ب15 نائب. بهيدا النهار حسيت إنو العدالة تحققت بقضية رمزي ومن هون كان عنوان إحتفال «جائزة رمزي عيراني السنوية: من ظلم وحصار إلى حق وإنتصار». وبعتبر إنو الفرح الآتي أعظم».

الفاجعة كانت كفيلة في طمس عنفوان ونضال الشباب الذين رافقوا رمزي في مسيرة النضال والتحرير لا سيما في فترة اعتقال الدكتور سمير جعجع، لكن كلام رمزي لا يزال يطن في آذان الشباب: «كل مرة كنا نلتقى مع الشباب بالقداس السنوي يخبروني كيف كان يوقف رمزي ع باب وزارة الدفاع بس تكون في حملة إعتقالات ويقللن «إنتو ما تحكوت شي . شو ما سألوكن بتقولولن رمزي عيراني». كان مستعدا لكل شيء ولعله كان يدرك أن خياره النضالي سيضعه في إطار الشهادة  «أوقات بقعد مع حالي وبتذكر كيف كان يوعا بالليل ع ياسمينا وجاد ويهتم فين حتى ما أوعا. يمكن كان بدو يريحني لأنو عارف حالو إنو راح يفل بكير وتارك المسؤولية عليي». تقولها جيسي ببسمة ممزوجة بالغصة.

في القداس السنوي الذي تقيمه عائلة رمزي عيراني كل سنة تحرص جيسي على توجيه دعوة عامة من دون تخصيص أي شخصية حزبية أو رسمية بدعوة رسمية. «مع هيك بحس إنو كل سنة عم يزيدوا رفاق رمزي ومحبينو. وما بستغرب لأنو رمزي كان مثال للمناضل والبطل والأب والرفيق». أما حفل توزيع جائزة رمزي عيراني فالأمر مختلف إذ يتم توجيه دعوات رسمية وعامة للمشاركة في حفل توزيع الجوائز الذي بات تقليدا سنويا. وتوضح جيسي: «فكرة الجائزة ولدت بعد استشهاد رمزي ب4 سنوات على استشهاده حيث ارتأى رفاقه في مصلحة المهندسين في حزب «القوات اللبنانية» تخصيص جائزة سنوية بإسم رمزي توزع على المتفوقين في فروع كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية حيث تابع رمزي تحصيله الجامعي في مجال الهندسة المدنية، وهي: كهرباء ومدني وميكانيك وبترو كيمياء. وتؤكد جيسي أن الجائزة تمنح لكل متفوق في هذه الفروع بغض النظر عن الطائفة أو الإنتماء السياسي.

في حفل تخرجها كانت الفرحة تشع من عيني جيسي وياسمينا وجاد وهي محاطة بعائلة رمزي وأصدقائها. «كنت مبسوطة كتير لأنو فعلا كان رمزي حاضر وكان عم بيشاركنا بهاللحظات اللي كان ناطرا. أنا متأكدة إنو رمزي معي وراح يبقى متل بكل لحظة من لحظات الشدة اللي بمرق فيا. وبس أطلب منو يساعدني ويكون السند بتوصل الرسالة».

تدرك جيسي تماما أن رمزي اختار طريق الشهادة وإن لم يسقط على جبهة قتال: «أساسا ولا مرة حمل قطعة سلاح ولو كان بدو يكون مقاتل كان اختار المسيرة العسكرية. بس رمزي كان عم بيناضل ضد الظلم وكرمال حرية الإنسان والوطن. وما بنسى يوم اللي صنع زنزانة بمساحة الزنزانة اللي كان معتقل فيا الحكيم بوزارة الدفاع ودعا النواب من دون ما يخبرن شو المناسبة. وبس وصلوا طلب من كل واحد إنو يفوت ع الزنزانة ويجرب يصمد فيا دقايق لحتى يخبرن عن المعاناة والظلم اللي عم بيعيشوا الحكيم بهيديك المرحلة بزنزانة وزارة الدفاع ويخليهم يختبروا التجربة.

وحده كابوس ال15 يوما الذي كان يفصل بين تاريخ خطف رمزي عيراني في 7 أيار 2007 واكتشاف جثته في 21 أيار لا يزال جرحه مفتوحا: «شو صار بهال15 يوم؟ هيدا السؤال مدمرني كل حياتي وراح يبقى بس قررت إنو بدي كون قوية وأوعا كل يوم وإشكر ربي على النعم اللي حطا ب ياسمينا وجاد. أنا قوية لأنو سلمت حالي وولادي للعدرا».

… وبعد أيها البطل رمزي عيراني ماذا لديك من أخبار عن ياسمينا وجاد؟ حتما لديك الكثير الكثير لأنك كنت وستبقى ملاكهم الحارس كما على الأرض كذلك من فوق من أحضان يسوع.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل