“المسيرة”: أزمة القطاع العقاري: كيف يكون الإنقاذ؟ “سايفكو” و”بدوي غروب” مثلاً

 

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1668:

يكاد يُجمِع المطوِّرون العقاريون وخبراء العقار، على أن «القطاع العقاري في لبنان ليس في أحسن أحواله». في الأساس ليس البلد برمّته في أحسن أحواله حتى ينعكس ذلك على القطاعات. فدورة الإقتصاد كما هو معروف، إذا ضعفت إحدى حلقاتها ينفرط عقدها وتختل منظومة الدوران. ويتابعون «نحن بلد عندما تمر به الفرص لا يُجيد قطافها، وعندما تحل الأزمات لا تترك نافذة يُشرّعها نحو الضوء». فوسط التعقيدات والضغوط الخارجية والداخلية، وسوء الأداء من جهة وخفّة التعاطي من جهة ثانية، وغيرها من التقاطعات السلبية النتائج، لا بدّ لنذائر التعثّر من أن تتصدّر المشهد. شركات سقطت على ما لها ومن فيها، وأخرى تصارع باللحم الحي لتستمر فتمرر الأزمة. وماذا بعد؟ المعنيون المتابعون أنفسهم أظهروا ما يكفي من الواقعية للتأكيد أنه على الرغم من كل شيء، يبقى الأمل كبيرا والثقة عالية وأسباب العودة إلى القمّة متوافرة. وهذا ما نحن مصمِّمون على فعله مهما بلغت الصعاب…

الأخبار والتوجسات حول القطاع العقاري لم تعد مفاجئة، بل هي تتوالى وترتفع وتيرةً منذ سنوات، وصولا إلى الواقع الأشد تأزماً اليوم. وربَّ قائل أن تعثّر شركتي «سايفكو» و»بدوي غروب» هو أحد مظاهر اشتداد الأزمة، أو هو رأس جبل الجليد الغارق في بحر من الضغوط المنصبّة عليه من كل اتجاه. وفي حال استمرار الأفق المسدود لأزمة الإسكان، من غير المستغرب أن تزداد الشكاوى في القطاع، ما يزيد الأمور تعقيدا. هذا الواقع يستدعي المعالجة السريعة والجذرية، لا المسكّنات التي ما تكاد تسري في السوق حتى ينتهي مفعولها.

ماذا جرى مع الشركتين؟

القاسم المشترك بين شركتي «سايفكو» و»بدوي غروب» هو تعثرهما وتخلفهما عن تسليم الشقق الموعودة للعديد ممن دفعوا مبالغ كبيرة ولم يحصلوا على مسكن، ولا حتى تمكنوا من استعادة ما دفعوه. أما أسباب التعثر فتختلف بين الشركتين من سوء الأداء حينا إلى سوء الطالع أحيانا أخرى، مضافا إلى ذلك ما تلقيه الأزمة الإقتصادية من ضغوط على القطاع. هذا الواقع تجلّى في تخلّف الشركتين عن تسليم الشقق الموعودة إلى أصحابها الذين دفعوا أموالا مستدانة لشرائها، ولا حتى إعادة المبالغ المدفوعة. فهناك شقق كان يُفترض أن يتسلمها أصحابها منذ سنوات ولم يتسلموها ولا أمل في ذلك بعد تعثّر الشركات. وهناك من يسدد للبنك شهريا قيمة شقة لم يبدأ انشاؤها بعد.

أزمة «سايفكو» تختلف عن أزمة «بدوي غروب» انما النتيجة نفسها. ففي الاولى هناك خلافات داخلية ادت الى التخلف عن تنفيذ المشاريع، أما في ما خصّ «بدوي غروب» فالشركة تعاني من مشكلة سيولة، وهو ما بات يصيب العديد من الشركات. مصدر في الشركة أفاد بأن المشكلة على طريق الحل، وإن كان ذلك سيتم على مراحل نظرا إلى الظروف الصعبة التي تجتازها البلاد وإلى عدم توفر مصادر السيولة بالقدر المطلوب.

وأضاف المصدر أن هناك حلحلة في المشاريع العقارية، وقد بدأت الشركة تستعيد انفاسها جراء الازمة التي مرت بها وتستعيد نشاطها لتبدأ الإيفاء بالتزاماتها المعلّقة وتعاود اطلاق مشاريع مقررة. وإذ اعتذر للزبائن دعا إلى تفهم الواقع الذي تمر به البلاد والمنطقة والذي انعكس على القطاع العقاري ككل في لبنان بما في ذلك الشركات العاملة في هذا المجال. وأكد أن الشركة عالجت الكثير من الشقق والعثرات وهي باتت في المرحلة الأخيرة، آملا في تسليم دفعة جديدة من الشقق في وقت غير بعيد، خصوصا مشاريع مار روكز السكنية. ولفت إلى أن الشركة اقتربت من انجاز البلوك C من المشروع وستسلمه خلال شهرين أو ثلاثة، أما البلوك B فيحتاج الى مزيد من الوقت قد يمتد إلى حوالى السنة من اليوم. وستباشر الشركة العمل تدريجيا في البلوك A.

وكانت الأزمة لدى بعض الشركات تأتت من إقامة مشاريع في مناطق عدة، ما يرفع الحاجة الى تمويل كبير، وتزامناً انتقل البلد من العصر الذهبي للقطاع العقاري الى عصر التراجع مع بدء الازمة الاقتصادية في 2012. ونتيجة لهذه الازمة أحجمت المصارف عن ضخ مبالغ كبيرة لتمويل المشاريع العقارية، ما أثر سلبا على تلك المستندة بالكامل تقريبا إلى مثل هذا التمويل، وجاء وقف قروض الاسكان ليزيد الوضع سوءا.

تعددت الأسباب والنتيجة واحدة

يعيد الإقتصاديون أزمة العقار في لبنان إلى تردي الوضع الإقتصادي بمعنى أنها نتيجة هذا الوضع وليست سببا في نشوئه، وإن كان مسلّماً بأن تعثّر أي قطاع يؤثر على الإقتصاد ككل. وقد شكل سلوك عدد من الشركات، إلى جانب الأزمة الاقتصادية المستفحلة، ضربة موجعة للقطاع العقاري الذي يصارع من أجل الاستمرار. وفي النتيجة تراجعت المبيعات العقارية نحو 60 الى 70 في المئة، كما تراجعت اسعار الشقق حوالى 25 في المئة. ويشير الخبراء إلى أنه في حال عدم تحسّن الاقتصاد، فإن البلد برمّته يسير نحو الهلاك، وليس فقط القطاع العقاري.

ويعتبر الخبراء أن أبرز سمات القطاع العقاري وسط الأزمة، النشاط المحدود والأسعار التي تنحو باستمرار نحو الإنخفاض، ما قد يؤدي إلى تعثّر شركات جديدة. ويُرجعون ذلك إلى أسباب عديدة أبرزها:

– الوضع السياسي الداخلي والإقليمي غير المستقر والذي ينذر بمخاطر جمة مما يشكل عاملاً ضاغطاً يمنع معظم المواطنين من استثمار مبالغ مالية كبيرة في الأصول الثابتة كالعقار.

– إرتفاع أسعار العقار في الفترة السابقة إلى مستويات عالية غير مسبوقة وغير مبررة لدرجة أصبح معها معظم المواطنين غير قادرين على التملّك اللائق.

– إتساع الفجوة ما بين القوة الشرائية لمعظم الناس المفترض أن يكونوا عملاء للقطاع العقاري، وبين أسعار العقار المرتفعة في السوق اللبناني.

من هنا يرى هؤلاء أن التصحيح في هذه الحال يصبح أمراً لا مفر منه. فالعقار كان تنامى في الفترة السابقة إلى أعلى من سعره الحقيقي. وساعدت في ذلك أسباب عديدة منها ارتفاع الطلب من المقيمين ومن المغتربين، وكذلك التنافس بين المصارف والجهات المقرضة في تقديم التسهيلات لاستقطاب الزبائن، وعدم توقّع الجميع بلوغ الأوضاع ما بلغته من صعوبات. هذا الواقع جعل سعر العقار في لبنان أعلى من مستواه المنطقي، سواء مقارنة مع السنوات السابقة أو مع العديد من البلدان التي يتمتع الفرد فيها بمستوى دخل أعلى مما هو محقق في لبنان.

أما اليوم وبعد تشابك أزمات المنطقة وتعقيداتها وانعكاس كل ذلك على لبنان المتخم أصلا بمختلف أنواع الأزمات، كان لا بد للعقار من سلوك طريق التصحيح ليستقر الأمر عند الحدود المنطقية والواقعية الموازية للقدرة الشرائية للمواطنين ولقدرة التمويل غير المتوفرة في السوق. لكن تحقيق ذلك بما يجنّب القطاع أية عثرات يتطلب حكما سياسة إقتصادية متوازنة ذات رؤية علمية واضحة واستقرارا سياسيا بما يكفي لمنح الثقة المطلوبة لإعادة ضخ الحياة في هذا القطاع كما في سواه. والمعلوم أن القطاع العقاري يشغّل عشرات القطاعات الأخرى والأيدي العاملة في المجالات ذات الصلة، وتوقّفه يؤدي حتما إلى توقّف أو تباطؤ القطاعات الأخرى وبالتالي الإقتصاد.

صرخة من القلب

«المسيرة» حملت هذه الهموم والتساؤلات للقيمين والعالمين بمسارات القطاع العقاري، باحثة عن الحلول الممكن استنباطها للخروج من الأزمة. هناك حلول بين قصيرة وطويلة الأجل، يقول نقيب المقاولين في لبنان المهندس مارون الحلو، لكن لا يمكن إنكار أن الأزمة مستفحلة وأن الأفق ليس صافيا.

الرئيس الفخري لنقابة الوسطاء والإستشاريين العقاريين ومنسق التحالف العقاري اللبناني مسعد فارس رأى أن جذور الأزمة ليست آنية بل تعود إلى العام 2011 عند بدء الأزمة السورية بالتوازي مع عدد من الأزمات في المنطقة، مما انعكس جمودا في الإقتصاد اللبناني بجميع قطاعاته وخصوصا القطاع العقاري. واعتبر أن ذلك يحصل في أي بلد وهو ما حصل مثلا في الولايات المتحدة في العام 2008 عندما انهارت أسعار العقارات وكانت الآثار كارثية أكثر حيث أدى ذلك إلى تهاوي مصارف كبيرة داخل الولايات المتحدة وخارجها. وكذلك تعرض العقار في دبي في تلك الفترة إلى مثل هذه الصعوبات.

وفيما أعاد فارس جذور الأزمة إلى الحرب السورية وتداعياتها الكثيرة على لبنان، لفت إلى وجود أسباب أخرى داخلية تفاعلت مع الخارجية فأوصلت الوضع إلى ما هو عليه اليوم. واعتبر أن حجم الأزمة كبير لأن مساهمة القطاع العقاري في الإقتصاد كبيرة وهي تصل في صورة مباشرة إلى 25 في المئة، وغير مباشرة أي بالإضافة إلى القطاعات الأخرى المتصلة به، تصل هذه النسبة إلى 50 في المئة.

وشكا فارس من عدم دعم الدولة للقطاع وعدم تجاوب المسؤولين مع الدعوات المتكررة لتجنب الكارثة. ولم يخفِ حقيقة أن القطاع يعاني من صعوبات كبيرة وأن لا بد من المعالجة السريعة قبل الوقوع في المحظور. فالرسوم العالية مثلا التي تواجهها حركة القطاع أثرت عليه يضاف إلى ذلك تفشي الفساد المتمثل بزيادة الرشى المتوجب دفعها عند أية معاملة ما يزيد من حدة التكاليف ومن وهن الشركات، وهذا عدا عن أن الطلب تراجع كثيرا لأسباب خارجة عن إرادة المطورين العقاريين، ومن ذلك تشدّد المصارف في منح القروض الإسكانية وتعليق المؤسسة العامة للإسكان الموافقة على طلبات جديدة حتى تأمين التمويل. وأبدى ثناءه في هذا المجال على تجاوب المصارف مع دعوات المطورين بتأجيل استحقاقات القروض الممنوحة لهم ريثما يكون قد تحسن الوضع.

وعما حصل لشركتي «سايفكو» و»بدوي غروب» رأى فارس أن هناك سوء إدارة في مكان وعدم حذر وارتقاب الصعوبات الماثلة، في مكان آخر. لكن في المقابل ما هو دور الدولة؟ لماذا ليس لدينا قوانين تحمي المستثمر وأموال المواطنين؟ مطالبا باستصدار قانون كما هو معمول به في العديد من البلدان المتقدمة، يشدد الرقابة على مثل هذه الحالات ويجنب الجميع مواجهة الأزمات.

النقيب مارون الحلو يجاري سائر المعنيين بالقطاع في توصيف الأزمة وبأن هناك سوء إدارة من جهة وصعوبات في القطاع من جهة ثانية. وقال لـ»المسيرة» إن هناك أزمة حقيقية لا يمكن التغاضي عنها، وذلك يتطلب مجموعة من الإجراءات التحفيزية من جهة وتلك المحصِّنة للقطاع من جهة ثانية. «نحن في صعوبات إقتصادية حقيقية والوضع لا يطمئن» قال الحلو، وهي تطال القطاعات كافة وإن كان القطاع العقاري اليوم في الواجهة. ولذك لا بد من إعادة الحياة إلى الدورة الإقتصادية التي باتت مفقودة وإعادة النمو بغير ذلك لا تنفع المعالجات القطاعية الموضعية لأن الإقتصاد دورة متكاملة ومترابطة.

يبقى الأمل موجوداً

يتفق المعنيون والقيمون في القطاع العقاري على أن الوضع يستوجب معالجة سريعة، وأن هناك إجراءات لا بد من اتخاذها سواء في شكل فردي على مستوى الشركات، أو من جانب الدولة التي لا بد من تدخلها لتصحيح الوضع، لكن ذلك يتطلب إدراكا لحجم المخاطر المحدقة من جهة وجدية في التعاطي مع الأمور من جهة ثانية. وهذا مطلب نرفعه إلى جانب المطالب الأخرى المتصلة بمسائل توفير القروض الإسكانية وتمديد آجال ديون المصارف لدى الشركات.

الحلول بنظر الحلو هي آنية سريعة واستراتيجية بعيدة الأجل. فعلى المدى الطويل لا بد من وضع سياسة إقتصادية مدروسة تأخذ بالإعتبار واقع الحال والإمكانيات والإنطلاق منها لتحديد الإجراءات الناجعة، وبالتالي حماية القطاع العقاري ولكن من ضمن سياسة محفّزة تدفع النمو في الإقتصاد ككل، ومن غير ذلك تبقى كل الحلول قاصرة عن معالجة الوضع وتدارك المخاطر المرتقبة من الأزمة. أما على المدى القصير فلا بد للشركات من اتخاذ إجراءات مؤلمة لكنها ضرورية منها تصغير حجمها وضبط المصاريف وهذا يستدعي صرف موظفين والتخفيف من الأعباء الأخرى. هناك إمكانية مثلا للتوسع في المشاريع الخارجية ولكنها أيضا باتت أصعب من ذي قبل. من هنا يبدو الوضع غير مريح والحلول الكبيرة غير متاحة.

أما فارس الذي يشير إلى أن مبيعات الشقق تراجعت من 35 ألف شقة سنويا في الأعوام السابقة إلى 10 آلاف شقة للدلالة على حجم الأزمة، فيدعو الجميع إلى تدارك الوضع وإلى إعادة تحريك السوق وتسوية أوضاع المتعثرين. ومثله يبدي العقاريون تشاؤما ولو حذرا ويشددون على الأمل المرتجى بحيث أن الصورة لا تبدو سوداوية ما دام هناك ساعون إلى الإنقاذ، شاكين في الوقت نفسه من غياب الرؤية وارتفاع منسوب المصالح الشخصية وسوء الإدارة في الدولة وليس فقط في الشركات. وعلى رغم أنّ أزمة القروض السكنية كانت الضربة القاضية، إلا أنّ مشاكل القطاع العقاري «المخفية والصغيرة» دقّت ناقوس الخطر وانفجرت أخيراً، مسببة خسارات بالملايين لشركات كبرى أوصلت بعضها إلى حد الإفلاس.

لذلك حمل وفد من المطورين العقاريين والنقابات المعنية يوم الجمعة في 29 حزيران الماضي إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الهموم القائمة والحلول المقترحة، في محاولة لتدارك الأسوأ، وشرح له المأزق والحلول المقترحة لذلك حيث لمسوا تفهما. لكن المسألة تحتاج إلى حكومة فعلية تتحمل المسؤولية كاملة وإلى قرارات تنفيذية ومعظمها يبدو غير متوفر الآن وفي المدى المنظور. من هنا مصدر الخشية لدى أرباب القطاع ودعوة بعض المسؤولين إلى أن يبدّوا مصلحة البلد على مصالحهم الخاصة لأن الوضع لم يعد يحتمل كل هذه الخفة في التعاطي مع مسائل مصيرية كهذه.

هل الوضع بلغ فعلا هذه المرحلة من السوء؟

يجيب المعنيون بأن الوضع صعب صحيح، ولكن هذا لا يعني أن الأمل بات مفقودا. فهل ستتخذ الحكومة الإجراءات التي تُعيد إلى سوق العقارات نشاطه السابق، أم ستبقى المشكلة معلّقة ومتمادية بانتظار أن تأتي الظروف الكبرى بالحلول المرجوة؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل