واشنطن – “المسيرة”: فتح جبهة الجنوب السوري: تحذير من توسيع رقعة الصراع، ومطالبة بالعودة إلى خطوط الستاتيكو الحالي

كتب فريق مجلة “المسيرة” العدد 1668:

تدل التطورات في جنوب غرب سوريا على أن اللاعب الروسي وهو الوحيد الذي يتحكم بالوقائع على الأرض السورية يريد ثمناً من الدول الغربية وتحديداً من الولايات المتحدة لقاء خدمات سيقدمها لهم في الطريق عن البحث لتسوية قد تفضي إلى وقف الحرب الأهلية في سوريا. أولى هذه الخدمات تتمثل في إبعاد «الخطر والدور الإيراني» عن حدود التماس الإقليمية، وبالتالي عدم جعل النظام في طهران شريكاً في أي تسوية مقبلة، أو على الأقل إضعاف أي دور لهذا النظام في رسم مستقبل الدولة السورية.

وهكذا بالتوازي مع تصعيد نظام بشار الأسد للجبهة الجنوبية من خلال سلوك السياسة العدائية ذاتها عبر إمطار المناطق السورية بالبراميل المتفجرة غير آبه بأصوات الإعتراض من قبل المجتمع الدولي ومنظمات الإغاثة الدولية طالما أنه يحظى بتغطية «الفيتو الروسي» داخل مجلس الأمن الدولي، أطلت موسكو صراحة لكي تعلن بحث الأوضاع في سوريا خلال زيارة مستشار مجلس الأمن القومي جون بولتون إلى موسكو، وتحضيراً للقاء القمة المرتقب بين الرئيس دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.

إستهداف درعا وتحذير واشنطن

للمنطقة حساسية سياسية نظرا لوقوعها بالقرب من إسرائيل والأردن ولأنها تشمل منطقة خفض التصعيد التي اتفقت على إقامتها الولايات المتحدة والأردن وروسيا حليفة الحكومة السورية.

وكانت واشنطن حذرت الرئيس السوري بشار الأسد وحلفاءه الروس من أن أي انتهاكات للاتفاق سيقابلها رد، وقالت صراحة إنها تشعر بقلق بالغ إزاء تقارير عن تزايد عمليات النظام السوري في جنوب غرب سوريا داخل حدود منطقة خفض التصعيد التي تم التفاوض عليها بين الولايات المتحدة والأردن والاتحاد الروسي في العام الماضي، والتي أعاد الرئيسان ترامب وبوتين التأكيد عليها في دا نانغ في فيتنام في تشرين الثاني الماضي.

وبحسب مصادر مطلعة في واشنطن فإن الولايات المتحدة واصلت عبر الأقنية المتبعة تحذير كل من الحكومة الروسية ونظام الأسد من التداعيات الخطيرة لهذه الانتهاكات وطالبت روسيا بكبح جماح القوات الموالية للنظام ومنعها من اتخاذ المزيد من الإجراءات داخل منطقة تخفيف التصعيد في جنوب غرب البلاد. وهذا ما دفعبوزير الخارجية الأميركي بومبيو إلى الإتصال بنظيره الروسي سيرغي لافروف  حيث شدد على ضرورة مراعاة الطبيعة الحرجة للالتزام المتبادل بهذا الترتيب والطابع غير المقبول لأي نشاط أحادي الجانب من قبل نظام الأسد أو روسيا. وأكدّ له أيضاً أن الولايات المتحدة تتوقع من كافة الأطراف احترام وقف إطلاق النار وحماية السكان المدنيين وتجنب توسيع رقعة الصراع، في مقابل إلتزام واشنطن بالحفاظ على استقرار منطقة خفض التصعيد في جنوب غرب سوريا وعلى وقف إطلاق النار في المنطقة..

ولم يتوقف هذا التحذير على الجانب الأميركي فقط حيث أن أوروبا أكدّت أيضاً لمن يعنيهم الأمر داخل مجلس الأمن الدوليأن انتهاك روسيا وسوريا اتفاق خفض التصعيد يبعث على القلق الشديد.

وشدّدت المصادر أن المعارك وإستهداف مناطق الجنوب قد تقود إلى نتيجة عسكرية محتملة بفعل الاشتباك غير المتكافئ، لكن العواقب قد تكون وخيمة. فهذا التصعيد من قبل نظام الأسد، والذي تغطيه موسكو، سيؤدي إلى عواقب وخيمة على مستويات ثلاثة:

الأول: التسبب في أزمة إنسانية كبيرة بفعل تسجيل موجات نزوح جديدة حيث يبدو واضحاً أن الأردن غير مستعد لاستقبال المزيد من النازحين بفعل ما يتحمله كما لبنان من عب ثقيل بسبب كثافة النزوح في المراحل السابقة.

الثاني: هو وضع المنطقة أمام احتمالات زعزعة الاستقرار ووضع غير مستقر بالفعل.

الثالث:يلقي ظلال الشك على رغبة روسيا في الوفاء بالتزاماتها في منطقة خفض التصعيد، ويكشف الغاية الواضحة من وراء دعم موسكو للتصعيد العسكري في المنطقة، بعدما وعدت موسكو كل من يعنيهم الأمر ولا سيما الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل أنها ستحافظ على مناطق خفض التصعيد منعاً لتوسع الصراع وعبوره الحدود والخطوط الحمر.

ومنطقة درعا في جنوب سورياهي واحدة من منطقتين رئيسيتين لا تزالان تحت سيطرة المعارضة، إلى جانب محافظة إدلب على الحدود مع تركيا في الشمال الغربي. ودرعا أكبر مدن الجنوب الغربي، ومنها الانتفاضة المناهضة للأسد في 2011 وهي مقسمة إلى قطاعات خاضعة للمعارضة وأخرى خاضعة للحكومة منذ سنوات.

ويركز القتال في الآونة الأخيرة على بلدة بصر الحرير الواقعة في منتصف قطاع ضيق من الأراضي الخاضعة للمعارضة يمتد حتى مناطق تسيطر عليها الحكومة شمال شرقي درعا. وإذا سيطرت الحكومة على البلدة فسيؤدي ذلك لشطر المنطقة إلى نصفين ويصبح الشطر الشمالي محاصرا.

القلق من الدور الإيراني

تؤكد واشنطن أنها متفقة مع جميع حلفائها في المنطقة على ضرورة منع التهديد الذي تمثله إيران في المنطقة، وبمعزل عن موقف دول الاتحاد الأوروبي من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، إلا أن هناك تطابقاً في وجهات النظر في سياق وقف أنشطة إيران سواء كان ذلك أنشطة خبيثًة مع «حزب الله» أو في اليمن أو في سوريا أو في العراق، وتعتبر واشنطن أيضاً أن هناك فهماً موحداً للسلوك الإيراني الخبيث وسيتوحد العالم بشكل لا يصدق إذا ما اختارت إيران المسار نحو الأسلحة النووية.

وإنطلاقاً من ذلك عارضت الولايات المتحدة وجود المليشيات الإيرانية بالقرب من الحدود السورية-الإسرائيلية والحدود السورية الأردنية، وساعدت روسيا المليشيات الإيرانية بتحييدها عن دائرة الخطر بإبعادها نحو ثلاثين كيلومترا عن المواقع القريبة من الحدود مع الجولان. ويرى الكثير من المحللين في واشنطن، أن نشوب أي خلاف بين إيران وروسيا لن يصب في مصلحة الأخيرة التي ليس لديها الكثير من الحلفاء في المنطقة، إضافة إلى أن الوجود العسكري الروسي في سوريا لم يكن ليستقر من دون وجود القوات الإيرانية على الأرض. ومع ذلك، وفي سياق أهداف روسيا في سوريا، فإن الاتفاق بين روسيا وإسرائيل لا يثير الدهشة، خصوصاً وأنإيران تشكل خطرا على استراتيجية روسيا في سوريا على المستويين العسكري والسياسي، ففي الوقت الذي تسعى فيه روسيا لإنجاز تسوية في سوريا في إطار دولة علمانية وفدرالية مع الاحتفاظ بقواعدها العسكرية الساحلية، تتطلع إيران لإنجاز تسوية في سوريا تؤكد دورها الإقليمي في إطار مشروع أيديولوجي قومي فارسي ودولة طائفية.

وبالتالي، يستبعد هؤلاء المحللون أن تعمل روسيا على إزاحة إيران من مسرح الأحداث السوري، إلا أن التحدي يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين الدورين الروسي والإيراني في تحديد مستقبل رئيس النظام السوري بشار الأسد، حيث تبدو روسيا غير متمسكة بشخص الأسد في مواصلة قيادة سوريا بعد المرحلة الانتقالية، ولكن لدىطهران مصلحة مباشرة سياسية ودينية في إبقائه في السلطة.

استئناف المساعدات لاستقرار سوريا

في مقابل كل ذلك برز لدى الكونغرس توجه يؤشر إلى التمسك الأميركي بلعب الدور المحدود في سوريا حيث يسعى الكونغرس إلى ضمان أن يستأنف الرئيس دونالد ترامب المساعدات التي تأتي في إطار دعم استقرار سوريا ، ولكنهم يريدون إبقاء تلك المساعدات بعيدة عن أيدي بشار الأسد.

والجدير ذكره أن سياسة الرئيس دونالد ترامب في سوريا تخضع لتدقيق متزايد من الكونغرس في أعقاب قراره بتجميد 200 مليون دولار من مساعدات الاستقرار إلى سوريا.

ويتفق الكونغرس مع البيت الأبيض على أنه لا ينبغي للنظام الحالي أن يستفيد من أبواب التمويل الأميركية. ولتحقيق هذه الغاية ، تتضمن نسخة مجلس النواب من مشروع قانون الإنفاق ، لغة جديدة تنص على أنه لا ينبغي استخدام المساعدات غير الإنسانية في مناطق سوريا التي تسيطر عليها حكومة يقودها بشار الأسد أو القوات المرتبطة به.في حين أن القوانين المسبقة للإنفاق قد نصت على أن التمويل يهدف جزئياً إلى «تعزيز شرعية المعارضة السورية وقابليتها للاستمرار» ، فإن هذه هي المرة الأولى التي يضع فيها أعضاء لجنة المخصصات صراحةً قيودًا على المساعدات غير القاتلة داخل الأراضي التي يسيطر عليها الأسد.

وتشمل المساعدات تمويل مكافحة التطرف مع تعزيز الحكم المحلي ، والمجتمع المدني ، وتمكين المرأة ، والتنمية الاقتصادية ، وتقديم الدعم للاجئين والمشردين داخليا. وكانت إدارة الرئيس ترامب قد جمّدت في شهر آذار من العام الحالي المساعدات التي كانت تقدر بنحو مئتي مليون دولار، لكنها أفرجت قبل أسبوعين عما مجموعهستة ملايين وستمئة ألف دولار حيث خصص هذا المبلغ لمساعدة ذوي الخوذ البيض في سوريا دعما لما يقومون به من أعمال إغاثة إنسانية.

في أي حال فإن الأهداف الاستراتيجية الأميركية في سوريا تبقى غامضة، فبينما تراهن إدارة ترامب على الدور الروسي لما له من ثقل كبير في الأرض السورية ولا سيما ما يمكن أن تقوم به موسكو في الضغط على إيران لكي تنسحب من سوريا، إلا أنها في الوقت ذاته قلقة من أي إتفاق تحت الطاولة بين طهران وموسكو لتقاسم مواقع النفوذ بين هاتين الدولتين، مما يسمح بالتالي في بقاء بشار الأسد في السلطة، عندها ستكون النتيجة بمثابة خسارة لواشنطن والدول الحليفة الغربية والعربية على المسرح السوري. فهل تقبل الولايات المتحدة مثل هذه النتيجة وما هو الثمن الذي ستجنيه في المقابل جرّاء هذه الخسارة؟

وقد أكدت مصادر أميركية أن الوضع في جنوب سوريا كان من بين القضايا التي أثارها العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا على ضوء مشاركة الطائرات الروسية في عمليات القصف. وقد كان لافتاً الموقف الأميركي لجهة عدم تقديم أي دعم للقوى المعارضة للنظام، مع تسريب معلومات تتحدث عن تفاهم روسي ـ أميركي ـ إسرائيلي لترتيب الوضع في هذه المنطقة، بحيث يتسلم فيها جيش النظام مع القوات الروسية الأمن والمعابر ويتم إبعاد إيران والميليشيات التابعة لها عنها.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل