#adsense

تراجيديا الصّدق

حجم الخط

لست هنا في موقف رثاء للصّدق، فقد تجاوزت زمن البكّائين، بالرَّغم من أنّ الصّدق اغتاله بعض من عندنا فقَضى شهيدًا،  والصّدقُ من الصّالحات.

لقد استرسل حاملو الأَلقاب من حديثي النّعمة السياسية، في توجيه طعنات قاتلَة لقيمة “آدَميّة” إسمها الصّدق. وقد أوصلتهم حالُهم المُتدنّية في ممارساتهم الى النبرة العالية في الأسلوب التَّنكيلي، فبدا مشهد الصّدق معهم مُهَشَّم الظِّلال، وقد نضب من وجهه الدَم. ويجمد الصّدق، ويغوص في وجع سبَّبه برابرة صَبّوا عليه حقدهم الهمجيّ الأَبلَه، لتبدو بذلك حقيقتهم البائسة.

إنّ الموتورين الذين اغتالوا الصّدق، ليسوا سوى مخادعين نجسين لَملَموا من الغربان بعض الرّيش وأَلصقوها أَبدانهم، وادّعوا أنّهم نسور. هؤلاء “الشُطّار” ما وفَّروا وقاحة إلاّ وفَحَّت بها ألسنتهم، فهم جهلَة حمقى أولموا للحقد في قلوبهم، وتبجّحوا زورًا بالإنتصارات الوهميّة، وادّعوا صفوةَ الصّادقين عندما اقترفوا الموبقات. لقد مارسوا القرصنةَ على النّاس، وزاولوا التضليل البغيض ليستميلوا جُهّالاً يُشبهونهم، واستماتوا في تأمين تغطية مشبوهة لمشروع هدم الدولة، هذه التي لم ينقصْهم إلاّ أن يضعوا الزهور على قبرها.

مهما يكن من أمر، فالصّدق كَقيمة أخلاقيّة هو أصيل في عزّة نفسه، يبدأُ خطابه بأنّ أَحدًا لا يستطيع أن يمتَطي ظهره إلاّ إذا كان هو منحنيًا. من هنا، فالكذب هو موروث جينيّ عند البهلوانيّين الفاقدين الحياء، والذين يظنّون أنّهم مُنزهون عن النواقص والأخطاء، ويوهمونَ بذلك السُذج في غفلة من الزمن. لكنّ هذا ليس سوى هامشٍ في رقعة شطرنج الصّدق، هذا الذي يتناسخ في الآدميّين “الأَوادم”، الذين يقول لسان حالهم: إنّ الحياةَ تُختَصر بوقفة صدق.

إنّ لحمةَ المفطورين مع الكذب بادِّعاءات فارغة، ليست إلاّ انصرافًا الى المصالح البائسة، وهذا يعني تغليب طابع الجناية على ملَفّ الأداء السياسي النَّظيف، بل الوطني. فالأكاذيب الشعبويّة التي يأتيها الموبوءون، أو من يسمّون أنفسهم مرجعيّات مُهيمنة، لا تهدف في منحاها الإنحداري الأخلاقي، إلاّ الى تَأليه أصحابها، وإيقاع الضّرر في مصالح الوطن، والتشدُّد في تطبيق الإحتكار والعزلِ والأحاديّة. أمّا ادّعاء الوطنية والمشاركة، فمسرحيّة مهزلَة لم تَعُد تنطلي على أَحد.

لم يكن الصّدق يومًا، عاجزًا عن استرداد حقّه السَّليب مِمَّن شوَّهه، وبالقوّة، لأنّ تَنازلَه يهزّ صورتَه عند معتنقيه. لذلك، ننصح الكاذِبين الذين اعتادوا هذا السّلوك طيلةَ تاريخهم السياسي، ألاّ يُعوِّلوا على خنوع الصّدق أو انبطاحه، أو على رضاه عن انتهاك سيادته من جانب اولئك “الجاهليّين” اللاّهثين خلف الشوفانيّة الجوفاء. فالصّدق بإمكانه أن ينشب في أمخاخ هؤلاء المارئين أظافره، ليُزيل خللها وعطشَها الى التَّدجيل، علَّ الرّشد يحلُّ فيها.

إنّ الكاذبين التوّاقين الى المجد، بعد أن ابتعدت آمالُهم عن تَطويق “الصّادقين” وتَدجينهم، وبعد أن كادت الحظوظ تتفلَّت من بين أصابعهم، لجأوا الى تَخيُّلات موحشة، تُنتجها جماجم مريضة، ترمي الى استعمال النّاس مطايا لأهدافهم، موهمينَ إيّاهم بأنّهم المخَلّص المُنتَظر. وهؤلاء ليسوا، في الواقع، سوى كبار ملاّحي سفن الكَذِب. ولمّا لم يأت الحصاد على قَدر المزروع، ثاروا مغتاظين، وفي مزاجهم عصب سريع الإنفعال، فاستخدموا جام حقدهم وريائهم، سرًا وعلانية، للإحتكار والتفرُّد في صنع القرار.

 

ولمّا كان الصّدق عمليّةَ بناء وتأسيس تبدأُ بالتربية، وتتعاظم رقعتها بالقيم، فالكذب، في المقابل، مأزق نفسيّ يتَّسع حجمُه بضياع هذه القيم نفسها. أمّا التحوّلات العجائبيّة من الكذب الى الصّدق، فيخشى ألاّ تتنامى عند طبقة المتباهين البُلَهاء عندنا، ليرتفع بالتالي منسوب الكَذب في الوطن البائس، ورزق الناس على الله.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل