
نحو 25% من الأولاد في لبنان ضحية التّنمر المدرسي، هي نتيجة توصلت إليها دراسة أجراها قسم الطب النفسي في الجامعة اليسوعية. وعرف المشرف على الدراسة، البروفيسور سامي ريشا، التّنمر على أنه شكل معين من العدوان المزمن والعنف المتكرر تجاه الشخص. وليصنف أي تصرف على أنه تنمر يجب توفر نية الأذى، وتكرار الأفعال الضارة وعدم تماثل القوة، فالتّنمر قد يحصل من تلميذ ضد آخر أضعف منه، أو من مجموعة ضد تلميذ آخر.
ويعرف المتنمرون كيفية اختيار الضحية، فتكون عادة غير قادرة على الدفاع عن نفسها أو منبوذة، فالأصدقاء يشكلون شبكة اجتماعية وعامل حماية يحد من التعرض للتنمر.
أجريت الدراسة على عينة من تلاميذ 3 مدارس فرنكوفونية خاصة في بيروت، وبينت أن الذكور أكثر تنمرًا من الإناث، فـ62.1% من حالات التّنمر قام بها تلميذ أو مجموعة من التلاميذ، مقابل 17.3% من حالات التّنمر قامت بها تلميذات. وأظهرت الدراسة أن الكلمات الجارحة تمثل الشكل الأكثر انتشارًا للتنمر بنسبة 67.9% يليها الدفع أو الضرب بنسبة 23.1% من الحالات. من بعدها، فرض الضرائب بنسبة 5.1% ويشكل التهديد نسبة 3.8% من الحالات، لكن الضحية لا تتجرأ دومًا على الشكوى، 23.3% فقط من ضحايا التّنمر كشفوا لشخص بالغ في المدرسة عن تعرضهم للتنمر.
كون الفرد ضحية للتنمر لا يمنعه من أن يكون متنمرًا، إذ كشفت الدراسة أن 51.5% من ضحايا التّنمر يمارسونه ضد آخرين، بينما تبلغ نسبة من يمارسونه من دون أن يكونوا ضحاياه 31.1%. وتخلص الدراسة إلى التنبيه إلى خطورة التّنمر المدرسي الذي “قد يكون مميتًا”. هذه الخلاصة يؤكدها الدكتور أنطوان الشرتوني المتخصص في علم النفس، فالتّنمر قد يقود ضحيته إلى الانتحار، خصوصًا إذا مورس من قبل مجموعة ضد شخص بمفرده، ويذكر الشرتوني بحادثة حصلت في فرنسا قبل نحو 5 سنوات، إذ أدى تنمر مجموعة من التلاميذ إلى انتحار زميلتهم بعمر 13 عامًا. بعد الحادثة لام القضاء المدرسة على سوء تنظيمها، الذي دفع الفتاة إلى الانتحار.
وإن كانت الحادثة في فرنسا قد وثقت، فربما في لبنان حالات غير موثقة، خصوصًا في ظل التكتم السائد عن حالات الانتحار أو حتى المحاولات. وعن اختلاف نسب التّنمر بحسب المدرسة، يقول الشرتوني إن المدارس التي تراقب تلاميذها وتلاحظ التّنمر تنخفض فيها نسب التّنمر، فيما ترتفع في المدارس التي لا تلتفت إلى هذه الظاهرة.
رى الشرتوني أن القصاص التربوي مهم جدًا في معالجة مشكلة التّنمر المدرسي، فهو الذي يشكل الأنا الأعلى ويمنع الطفل من القيام بما يريد، لكن توعية الأطفال على حقوقهم مهمة أيضًا، والتفسير لهم بأنه لا يحق لزملائهم أخذ أغراضهم أو دفعهم للقيام بشيء لمصلحتهم أو يسبب أذيتهم، ويجب توعية الأساتذة والمدرسة للتنبه إلى هذه الظاهرة.
أما الكلام عن تنمر الأساتذة ضد الطلاب فليس دقيقًا. فمن شروط التّنمر أن يحصل لفترة زمنية طويلة، والأستاذ مراقب من قبل المدرسة ولا يمكنه القيام بذلك. بل على العكس من ذلك، يتحدث الشرتوني عن تنمر يقوم به المراهقون تجاه أساتذتهم، فيستدرجونهم إلى ممارسة العنف ضدهم.
بالعودة إلى الدراسة، لا يمكن غض الطرف عن هذه الظاهرة التي تضعف شخصية الضحية وتؤثر على اندماجها في المجتمع. وضمن هذا السياق، كانت وزارة التربية والتعليم العالي قد أطلقت في أيار 2018، بالتعاون مع الـ”يونيسيف”، كتيب “سياسة حماية التلميذ في البيئة المدرسية”. وهدفت الخطوة إلى توفير مدارس خالية من العنف، ما يعني أن المشكلة باتت ظاهرة وواضحة للجميع. ويبقى على المسؤولين العمل على معالجتها.