بات واضحاً أن تأليف الحكومة لا زال يراوح مكانه، وإعلان مراسيم التأليف ستأخذ وقتها باعتبار أن ثمة معطيات إقليمية تلقي بظلالها على مسار التأليف، في ظل بعض المحطات التي تسهم في توتير الأجواء الإقليمية، ومن الطبيعي ستكون انعكاساتها سلبية على الساحة المحلية بدءاً من استمرار التوتّر الإيراني ـ السعودي، ومن ثم معركة درعا، والتي بحسب المتابعين والمواكبين لها، ستكون بمثابة البوصلة التي ستحدّد ماهية الوضع اللبناني، ومن الطبيعي كيفية وشكل ولون الحكومة العتيدة، ومع من ستكون هذه الحقيبة السيادية وتلك، كونها، أي معركة درعا، آخر المعارك المفصلية في سوريا، في ظل التسوية الدولية التي خيّمت على المعارك الميدانية التي تجري في هذه المنطقة، وهذا التوافق الإقليمي ـ الدولي من الطبيعي، وبعد معرفة ما سترسو عليه العمليات الميدانية وإلى أين ستذهب.
فالمعلومات المتوفّرة، تؤكد بأن ملامح التسوية ستخيّم على لبنان في فترة قريبة، وستؤدي في المحصلة إلى توافق داخلي إقليمي ـ دولي على دعم الرئيس المكلّف سعد الحريري والطلب من الأطراف السياسية، ومن خلال «مَونة» هذا المحور وذاك على حلفائهم وأصدقائهم في لبنان على تسهيل عملية التأليف، وهذا ما انسحب خلال بعض الحكومات السابقة عندما كان هناك «قبّة باط» إقليمية ودولية لتسريع التشكيل.
ومن هذا المنطلق، تقول المصادر أن المعلومات المستقاة من مصادر ديبلوماسية مطلعة، تؤكد بأن المساعي الفرنسية واتصالات باريس البعيدة عن الأضواء مستمرة وقائمة مع بعض الأصدقاء والقوى السياسية في لبنان لأجل المساندة وتوفير ما يمكن تقديمه من أجل تشكيل الحكومة الجديدة، ربطاً بالتطوّرات السياسية والعسكرية في المنطقة، وأيضاً من أجل تنفيذ مقرّرات مؤتمرات الدول المانحة ولا سيما مؤتمر «سيدر1»، على اعتبار أن ذلك يحتاج إلى تشريعات ومواكبة من الوزراء المعنيين، والهدف يتمحور حول إنقاذ الإقتصاد اللبناني ومالية الدولة المركزية، وهذا الدعم الفرنسي والمسعى الذي يتولاه الرئيس إيمانويل ماكرون شخصياً، ويتم تسويقه عبر الدائرة الضيقة منه، إضافة إلى مسؤولين لبنانيين يلتقون بأحد المستشارين في الإيليزيه.
وفي سياق متصل، وبالتزامن مع الدور الإقليمي للمساندة والمساعدة في تأليف الحكومة، فإن العقد الداخلية لا زالت مكانها، إذ، ونقلاً عن الدائرة الضيقة المحيطة برئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، فإن مسألة التمسّك بثلاث وزراء دروز للحزب ولـ«اللقاء الديمقراطي»، فذلك أمر محسوم وغير قابل للنقاش، وبالتالي، فإن الهدف والغاية الأساسيتين للقاء قصر بعبدا بين الرئيس ميشال عون ورئيس الإشتراكي، إنما هدف إلى ضرورة عدم إثارة أي خلافات بين المسيحيين والدروز وعلى أي خلفية، وبالتالي، فسيد المختارة كان واضحاً حيال هذا الأمر عندما أبدى استياءه لما يقوم به البعض عند كل محطة من نبش للقبور وإثارة الغرائز، مؤكداً بأن التباينات السياسية طبيعية، ولكن ليس من المستحبّ ما يحصل على مواقع التواصل الإجتماعي، ومن أي جهة كانت.
وبمعنى آخر، فإن فحوى اللقاء هو توفير المناخات الإيجابية أمام تشكيل الحكومة، لا سيما وأن البلد يعاني أزمات إقتصادية ومالية صعبة، ولدى الزعيم الإشتراكي هواجس ومخاوف لما بلغته الأزمات من خطورة تنذر بعواقب وخيمة، بينما تُرك موضوع الحكومة للمواكبة والمتابعة من قبل موفد جنبلاط النائب وائل أبو فاعور مع الرئيس المكلّف سعد الحريري، وبالتالي، يبقى أن لقاء بعبدا أسّس نحو مناخات إيجابية من شأنها أن تنفّس الإحتقان بين الإشتراكي و«التيار الوطني الحر» بعد المساجلات والحملات المتبادلة، والتي بلغت ذروتها في الآونة الأخيرة، كذلك فإن هذه اللقاء من شأنه أن يزيل الكثير من العقبات أمام تأليف الحكومة العتيدة، وهذا ما ستظهر معالمه خلال الفترة القليلة المقبلة.
