“المسيرة” ــ قصة زيارة إلى القصر

كتب نحم الهاشم في “افتتاحية” المسيرة – العدد 1669

 

لا يحتاج سمير جعجع إلى خارطة طريق للوصول إلى قصر بعبدا. فهو الذي رسم هذه الخارطة في 18 كانون الثاني 2016 وحدد بموجبها نقاط العبور أمام العماد ميشال عون فانتظمت بوصلة رئاسة الجمهورية على أساسها ووصل عون إلى القصر. لم تبدأ القصة في ذلك التاريخ ذلك أن الرسوم الأولى للخارطة تحددت معالمها بعد إعلان ورقة النوايا بين “القوات” والتيار “الوطني الحر” بجهود النائب ابراهيم كنعان والوزير ملحم الرياشي. من هذه الورقة إلى التفاهم سارت الأمور على ما يرام وكما هي بروحيتها وبالإيمان بأنها ثابتة لن تتغيّر ومستمرة طيلة مدة العهد وحتى إلى ما بعده، ولكن لم يكن من المنتظر أن يتم البحث بعد عشرين شهرًا على وجود عون في بعبدا عن تفسير جديد للتفاهم.

 

يعرف سمير جعجع طريق القصر جيدًا. في 21 أيلول 1988 كان أيضًا هناك في تلك الليلة الطويلة التي انتهت عند الساعة الحادية عشرة و45 دقيقة بإعلان ولادة الحكومة العسكرية برئاسة العماد ميشال عون التي اعتبرها جعجع بأنها حكومة استقلال وأكثر.

ولأنه يعرف القصر وأهميته وأهمية رئاسة الجمهورية وأهمية الطريق المفتوح إليه، غامر في  شباط 1989 بالوصول إليه على رغم إطلاق النار على موكبه عند مستديرة المكلس وعلى رغم استشهاد مرافقه سمير وديع ليس لسبب إلا لمحاولة إطفاء الحريق الذي اندلع في ذلك الشهر ولو كان ذلك على حساب حياته. فعندما تكون التضحية بهذه القيمة ولهذه الأهداف لا يتوانى رئيس “القوات” عن المغامرة.

ولأنه يدرك أن القصر بلا رئيس يبقى مجرد مكان مجرد من الحاضر والتاريخ والحضور، ولأنه كان على يقين أن استعادة القصر وحدها لا تكفي وأن المطلوب ألا يكون فيه أي رئيس كان بل رئيس على قدر المواصفات التي تؤمن الرئاسة القوية وتستعيد الجمهورية القوية، خطا خطواته الكاملة نحو ورقة النوايا قبل أن تكون هناك رئاسة مطروحة ثم نحو تفاهم معراب مع العماد عون الذي ثبته رئيسًا منتخبًا للجمهورية حتى تم انتخابه رسميًا.

 

بين الرابية وبعبدا ذاكرة لا يجب أن تتبدل وإن تبدل المكان والأشخاص والحكومات. ولكن إذا حصل مثل هذا التبدل لا بد من أن يذهب سمير جعجع إلى القصر.

 

في 24 أيار الماضي أراد أن يختصر الوقت والطريق والمواعيد فكان مع كتلة نواب “الجمهورية القوية” هناك حيث اختلى بالرئيس عون لمدة ربع ساعة. كان المطلوب إيضاح عدة أمور اعتبرت في إطار دائرة الإلتباس قياسًا على ما رافق الإنتخابات النيابية من تشنجات مع الوزير جبران باسيل الذي بحث عن التحالفات مع كل الأطراف مفضلاً الإبتعاد عن أي تحالف مع “القوات” ولو كانت روحية هذا التحالف في بعض الدوائر تحاكي روحية تفاهم معراب وقانون الإنتخاب. أوضح جعجع للرئيس أن الخلاف مع باسيل لا ينسحب على العلاقة مع العهد ولا على المصالحة التي تحققت وأن “القوات” مستمرة في دعمه وأن المطلوب أن يعكس تشكيل الحكومة التمثيل الصحيح الذي نتج عن الإنتخابات النيابية التي أعطت “القوات” 15 نائبًا.

على رغم هذا اللقاء وعلى رغم تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة استمرت حرب الحصار على “القوات” ليس على قاعدة تفاهم معراب وما نص عليه من التساوي في التمثيل مع التيار “الوطني الحر”، بل من زاوية توجيه مقصود بألا يتم إعطاء “القوات” الحصة التي تطالب بها قياسًا على حجم تمثيلها النيابي. وقد انتهت هذه المسألة إلى إعلان باسيل انتهاء الإتفاق السياسي مع “القوات” فاصلاً بينه وبين المصالحة مع أنهما تفاهم واحد لا يتجزأ ولا يجوز أن يكون له تعديل أو تأويل.

 

حتى على الوزير ملحم الرياشي والنائب ابراهيم كنعان عرابي التفاهم تبدلت الأمور كثيرًا إلى الحد الذي جعلهما خارج صورة البحث عن مخارج. ولكن بالنسبة إلى سمير جعجع لم يكن من الممكن الحديث عن القطيعة وإقفال الطريق. وكان لا بد من كسر الحواجز أمام عملية تشكيل الحكومة. لم ينقطع الإتصال بين الرياشي والوزير غطاس خوري على الخط بين معراب وبيت الوسط. هذه المحاولات أثمرت زيارة من الدكتور سمير جعجع إلى بيت الوسط ولقاء الرئيس سعد الحريري وقد أعلن جعجع بعد اللقاء أن “دعمنا للعهد كامل وسنوقف كل السجالات”، وأن مسألة تشكيل الحكومة هي بين الرئيس المكلف وبين رئيس الجمهورية وأن “التسوية التي أدت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية، هي تسوية نحن مقتنعون بها، ولذلك شاركنا بها منذ اللحظة الأولى، إن كان كتيار مستقبل أو كـ”قوات لبنانية”، وما زلنا متمسكين بهذه التسوية وسنبقى حتى النهاية”. كان المطلوب تهدئة الأجواء لمساعدة الرئيس المكلف إنجاز مهمته.

 

في 27 حزيران كان الوزير الرياشي في قصر بعبدا موفدًا من الدكتور سمير جعجع للقاء الرئيس عون. بين لقاءات الرابية معه وبين هذا اللقاء كانت هناك مسافة في الزمن كالمسافة الفاصلة بين السعي إلى تفاهم معراب تأميناً لانتخاب عون رئيسًا للجمهورية وبين ما تعرض له التفاهم من انتكاسات حصلت منذ مرحلة ما بعد تشكيل الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري. أراد جعجع من خلال هذا اللقاء إبلاغ الرئيس عون أنّ تفاهم معراب ما زال قائماً وأنّ الأمور تهتزّ لكنّها لم تسقط ولا يمكن أن تسقط. وأن “القوات” تلتزم به وبالمصالحة وتتمسّك بهما إلى أبعد الحدود وحتى النهاية. وأنه لا يجوز عند كلّ منعطف وضعُ التفاهم على الطاولة للتشكيك به أو للتراجع عنه، فالتباينات شيء والمصالحة ترتقي إلى الثوابت التي لا يجب عند كلّ منعطف ومحطة إعادة النظر بها. وأن “القوات” حريصة على صلاحيات رئيس الجمهورية وعلى دوره ومهامّه، وكلّ كلام خارج هذا السياق لا يمتّ الى الواقع والحقيقة بصلة. وأنها منفتحة على تبادل الأفكار وتدوير الزوايا في الموضوع الحكومي وعلى التواصل من أجل الوصول الى الحكومة العتيدة انطلاقاً من الثوابت التي أفرَزتها الانتخابات، ونيّاتها سليمة تجاه العهد والبقاء شريكةً أساسية في كلّ المرحلة الرئاسية، فهي شريكة في التسوية وفي انتخاب الرئيس عون، وتريد الاستمرار بهذه الشراكة حتى النهاية.

 

هذا اللقاء أسس للدعوة التي وجهها الرئيس عون لجعجع لزيارة القصر. يوم الإثنين، 2 تموز الحالي، كان رئيس “القوات” يجتاز الطريق نفسه بهدف إنقاذ التفاهم والمصالحة. كان اللقاء أيجابيًا بين الرجلين اللذين سرقا أنظار كل العالم في 18 كانون الثاني 2016 واللذين حملا معًا عبء تنفيذ ذلك التفاهم ويدركان أن عليهما تقع مسؤولية منعه من السقوط. ولذلك أكدا معًا حرصهما على المصالحة التي تمت وعلى عدم العودة إلى الوراء، وعلى الإتفاق على أن هذه المصالحة يجب أن تكون في أساس تقوية الجمهورية والوجود المسيحي داخل الدولة وتؤمن استمرار التوازن الداخلي الوطني. وبعد عرض من الدكتور جعجع لوجهة نظر «القوات» سأله الرئيس عون إذا كان لديه مانع من الحكي مع الوزير جبران باسيل باعتباره رئيس التيار اليوم، فلم يمانع جعجع بل كان متجاوبًا ورد بأن لا مشكلة لديه في هذا الأمر، فتمنى عليه عون حلحلتها معه فرد جعجع: “اعتبرها انتهت فخامة الرئيس. هذا الأمر تفصيل”.

 

ليل الإثنين- الثلاثاء اتصل جعجع بباسيل وتم الإتفاق على أن يقوم الوزير الرياشي بزيارته. الثلاثاء كان الرياشي في مقر التيار في مبنى ميرنا الشالوحي للبحث في الخلافات وللتمهيد للقاء بين جعجع وباسيل. خلال الإجتماع عرض باسيل وجهة نظره التي كانت متعلقة في شكل أساسي بحملات “القوات” ضد الفساد متسائلاً عن سبب اتهام وزراء من التيار به. رد الرياشي نافيًا هذا الأمر باعتبار أن حملة “القوات” لم تكن تستهدف وزراء التيار حصرًا بل كل الملفات التي تشتم منها رائحة فساد، وبأنها فتحت ملفات كثيرة لا علاقة للتيار بها، وبأنها وافقت على قضايا متعلقة تحديدًا بخطة الكهرباء بينما رفضت السير بتلك التي يجب أن تمر عبر دائرة المناقصات. ولكن باسيل سأل عن سبب عدم شمول الحملة ضد الفساد آخرين في تيار المستقبل مثلاً أو في حركة “أمل” أو غيرهما. فأوضح الرياشي أن “القوات” ليس هدفها مهاجمة التيار وأن الدكتور سمير جعجع لا يمكن أن تكون لديه هذه النية بإيصال العماد عون إلى رئاسة الجمهورية ثم محاربة العهد، وأن كل ما يقال حول هذا الموضوع لا أساس له والمسألة تتعلق فقط بالأداء الحكومي وليس بفتح باب للصراع بين “القوات” والتيار. وتم الإتفاق نتيجة ذلك على أن تكون هناك جردة حساب حول كل ما حصل خلال العام المنصرم وتحديد مآخذ كل فريق على الآخر وعندما يعود الوزير باسيل من سفرته يتم البحث في الطريقة المناسبة لحل هذه المسائل.

هذه النتيجة نقلها الرياشي إلى الرئيس سعد الحريري مساء الثلاثاء وكان الحريري التقى باسيل ليل الأحد الماضي وأخّر سفره بانتظار معرفة نتائج اللقاء بين جعجع وعون وبين باسيل والرياشي. وقد أبدى الرئيس المكلف حرصه الكامل على تمثيل “القوات” في الحكومة كما يستوجب واقع نتائج الإنتخابات النيابية.

 

بانتظار عودة باسيل والحريري ستكون هناك محطات جديدة على طريق بعبدا وعلى خارطة الطريق إلى القصر الجمهوري كما إلى القصر الحكومي ذلك أن بوصلة الإتجاهات قد حددتها طريق الوصول إلى مجلس النواب.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل