
ما أَوسع الهوّة السحيقة بين ما يتحفنا به البعض من خطابات ونظريات، وبين تطبيقاته الهجينة لها.
إنّ الصّدق كان، ولمّا يزل، رأس الهرم القِيمي عند الإنسان، بمعنى أنّ انتهاكه يقود الى الإستنتاج بأنّ المُنتهِك مشلول التفكير ومعدوم الإنتاج العقلي. من هنا، فإنّ الممارسة المَرَضية لبعض الضفادع المتورّمين في العمل السياسي، هي تعسّف أرعن للصدق، وقمع للشفافية، واعتداء على مفهوم المصداقية. فالإنتفاخ الصارخ لإلتواء الذين يلقون على أنفسهم ألقابًا فاضت عليهم من الغامض، ليس سوى برنامج شكلي للزور، ولوثة خطيرة لا تؤدّي إلا الى نتائج وخيمة. وإذا كان المتوارون خلف إصبعهم يظنون بأنّ الناس لمّا تزل السذاجة تستبيحهم، فهم واهمون، لأن الناس استيقظوا وباتوا يعرفون قماشتهم.
إنّ الأهازيج النارية التي يتحفنا بها هؤلاء، انكشفت عن وباء الاستبداد والاستئثار والنرجسية، بحيث خبت معها آمال التنوير والتغيير. فالمحاولات البهلوانية في السياسة، مهما كانت مموَّهة، سوف تؤدي حتمًا الى السقوط المدوّي، لأنها ليست، في الحقيقة، إلا براويز مشلّعة تحمل صورة خامدة لواقع قبيح.
إذا كان الحوار هو في الأساس لغة راقية، يقوم بين مَن يعون انّ مفهوم الشراكة الحقّ يعني الإنتقال من مساحة الحصرية في الأرباح والمنافع، الى معادلة الحقوق والمساواة، فهذا يؤدي الى أن يتسنى لكل شريحة في النسيج السياسي الإنخراط في العمل العام المجدي، والتنافس لتأصيل فكرة الخدمة الوطنية بحمولتها الحقوقية. أما الإنقلاب على الحوار، أي المساجلة الشنيعة واغتيال المشترَك، فيعني ترسيخ الإنقسام، وإعطاء جرعة للحساسيات والرواسب، بما يؤسس لحالة تفسيخ وضعضعة لمكوّنات المنطقة الواحدة، وبالتالي لتصادمها، وهذا ما تأتيه تمامًا جماعة المنقلبين.
إن المداهنة الرخيصة في أعلى مستواها، هي طعن للشبكة الإيجابية من العلاقات، على أساس الحق والعدل والتساوي. من هنا، فالصدق، مع المداهنين النرسيسيين، ليس سوى مجرَّد يافطة أو شعار فارغ، إذا ما أُسقِط على أدائهم القائم على عقلية الإلغاء والتميّز. وهذا الأمر لم يعد مستغربًا، فالتجارب الماضية العقيمة والناقصة لا التباس فيها، وهي تثبت بما لا يحتمل الشكّ، أنّ النّهج الملتوي الذي يحمل في داخله عناصر سلبية وخلفيات استراتيجية عدائية، كان ولا يزال الذهنية التي على أساسها يعمل الملتوون، مما أدى بالإتفاقات والتسويات الى أن تكون حبرًا على ورق.
لذلك، فإذا ارتفع الصوت بالملامة على التشكيك بالشعور الصافي لدى المنقلبين، فلأنّ أداءهم الهجين أجهض القيامة المرجوّة بممارسات ومواقف نسفت قاعدةَ ارتكازٍ تُحقق التوازن. وكذلك، أدت لامبالاتهم المقصودة في هذا المجال، الى انزلاقٍ في صراع حادّ بخَّر واحة “التّسالم” والتي كان يترجّاها كلّ المجتمع.
إنّ روّاد الإلتواء الذين أعادوا جوّ التوتّر المنبوذ، حاولوا التنصّل من مسؤوليتهم تلك برَميها على الآخرين، كما يفعل الجلاّد مع ضحاياه. وهم غير عابئين بتاتًا بالثمن الباهظ الذي سوف يدفعه أبناء المنطقة الواحدة، على مستوى الإستقرار والإلفة والتضامن، وهذه المبدئيات وحدها تشكل رأس رمح في الإنتصار لقضايا الوطن، وفي الدفاع عن حقوق الناس.
كنّا، ولوهلة من الزمن، نعزف على أوتار التصديق، لكنّ الوقائع أثبتت أن التصديق من الأطلال، نقف أمامه نبكي ونستبكي. وأكثر ما يشبه التصديق لدينا، الظنَّ بأن السّراب حقيقة، نركض خلفه عطشى، ساعين الى الماء فلا نجد أنفسنا إلا أمام رمل كاذب. من هنا، يا لنا من سُذَّج، وقد اقتنعنا بأن المُداهِن سوف يتبدل ويقابل الصدق بالصدق، ولكنّ الخيبة مرّة لأن فاقد الشيء لا يعطيه.