إقتصاد الصحة… بين خصوصية المعلومات وإشكالية التمويل

إقتصاد الصحة مجال جديد يحتلّ حيزًا متناميا من الاقتصاد الاجتماعي ويندرج في صلب قياس أثر النشاط الاقتصادي على نوعية حياة الناس وخدمة المجتمع بما هو أبعد من مجرّد مؤشرات نمو إقتصادي وحركة قطاعات، فماذا يعني “إقتصاد الصحّة” ولما يكثر التداول به ونموّه الواعد؟ ما هي مميزاته على ضوء خصوصية المعلومات بين طالبي الخدمة ومقدميها وإشكالية التمويل بين الجهات المعنية؟ وكيف يمكن قراءة تموضعه بين كل من القطاعين العام والخاص والقطاع الثالث غير الربحي؟

في الواقع يمكن تعريف إقتصاد الصحّة بتطبيق النظريات والتقنيات الاقتصادية على قطاع يُعنَى بحياة الناس بمختلف ميزاته بما يسمح بترجمة النشاط الاقتصادي في تحسين نوعية عيش الأفراد، معدّل أمل الحياة ورعاية مختلف مراحلها من الطفولة حتى الشيخوخة.

إلا أن الخدمة التي تميّز هذا القطاع، أي الصحّة، تختلف عن سائر الخدمات للقطاعات الاقتصادية كونها ليست سلعة عادية خاضعة للقواعد التقليدية للبيع والشراء في الأسواق وفق مروحة خيارات ينتقي منها المستهلك ما يشاء وفق أذواقه وإمكانياته ويتأثر فيها المنتج بخيارات المستهلكين وإمكانياتهم ليعدّل عروضه وفق متطلّبات السوق، أما السبب فيكمن بشكل أساسي في غياب تناسق المعلومات في هذا القطاع بين الطلب والعرض من جهة وفي تعدد الجهات المعنية بتمويل الحصول على الخدمات من جهة أخرى.

هذه الخصوصية ترتكز على فكرة أن من يطلب الخدمة الصحية يجهلها تماما، فلا هو يعرف أنه بحاجة إليها، ولا هو يدرك مكوّناتها ولا حتى يملك القدرة على قياس رضاه عنها او استفادته منها! وأكثر من ذلك، فإن طالب الخدمة الصحية لا يختارها أساسا بل هو يخضع لتوجيهات مقدّميها (من الطبيب الذي يستشيره، مرورا بالمختبر والمركز الطبي والمستشفى الذي يقدّم له الخدمات الطبية من مفحوصات وتدخلات مباشرة وصولا الى الصيدلية التي يشتري منه الدواء لمرحلة زمنية أو طيلة العمر)، طبعاً كل ذلك خلافا لجميع مفاهيم الاقتصاد التي تحكم سائر الخدمات والسلع في السوق.

وعلى خط موازٍ، ونظرا للكلفة الباهظة لهذه الخدمة وارتباطها المباشر بحياة الانسان، كان لا بد من اللجوء الى مؤسسات تُعنى بتمويل عملية الحصول على الخدمات الصحية، إن بتغطية عامة مجانية من الدولة أو مقابل إشتراكات لصناديق الضمان الاجتماعي أو بتغطية خاصة من شركات التأمين أو ووفق مبادئ القطاع الثالث غير الربحي من صناديق تعاضد وغيرها، أو بتقاطع معقّد بين أكثر من جهة من بينها .

من هنا تقع “الصحة” على تقاطع إهتمام القطاع العام والقطاع الخاص والاقتصاد الاجتماعي التضامني “القطاع الثالث” غير الربحي على حدّ سواء والمتمثّل بشكل أساسي بالمؤسسات الضامنة والمسؤولة عن “تمويل كلفة” الصحّة في أي إقتصاد.

كذلك تمثّل الصحة ثقلا وازناً في نمو الاقتصاد وخلق فرص العمل بشكل واعد للمستقبل لاسيما مع تزايد مستوى الأعمار وتطوّر الخدمات الصحيّة من الطفولة حتى الشيخوخة التي باتت متأخرة أكثر فأكثر في المجتمعات المتقدّمة.

وقد أظهرت دراسة حديثة لمنظّمة العمل الدولية ارتفاع الحاجة لأكثر من خمسين مليون وظيفة لائقة عام 2016 للاستجابة لمتطلّبات الخدمة الطبية والصحية عامة في العالم.

كما أن تزايد المعدّلات العامة للشيخوخة في الأعوام الخمسة عشر القادمة من شأنه زيادة حاجات فرص العمل في الشبكات الطبية لأكثر من 84 مليون فرصة عمل على الصعيد العالمي. كما تظهر أن لأكثر من 57 مليون شخص يعملون في الخدمة الطبية دون أي اجر مباشر أو مقابل لتغطية نقص العنصر البشري الكافي لتأمين هذه الخدمات وهم معظمهم من النساء اللواتي لا تعملن وتتكفّلن بتقديم العناية الطبية للأشخاص المسنين من عائلاتهن بدلا من اللجوء الى ممرضات أو أشخاص متخصّصين في هذا المجال.

وإذا كانت الثورة الصناعية الرابعة، لاسيما اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، تؤدي الى اضمحلال بعض المهن فعدم استقرار الأعمال والوظائف من قطاع الى آخر، إلا أن الثابت والأكيد هو أن قطع الصحة والطبابة يشكّل الدعامة الأساسية لخلق فرص العمل المتزايدة (الاستشفاء، المراكز الطبية، المختبرات) إن كان للأشخاص المتخصصين بها (أطباء، ممرّضين، صيادلة، متخصّصين في تصوير الأشعة والمختبر) أو للعمال ذوي الكفاءات المتواضعة (تصنيع أدوات المختبرات، عمال النظافة والعناية بالمستلزمات الطبية).

ويتبيّن ان معدّل الاستثمار في خلق فرصة عمل لكل طبيب إضافي أو ممرّض من شأنها خلق فرصة عمل لإثنان أو ثلاثة أشخاص من خارج الوسط الطبي المباشر.

 

ومن أبرز ما يميّز قطاع الصحّة:

أولا: شحّ ونقص المعلومات لدى “المستهلك – المريض” الذي غالبا ما يجهل عمق مشكلته الصحية كما الوسيلة المعتمدة لمعالجته.

ثانيا: صعوبة التأكّد من التكاليف الطبية التي تقع على عاتقه أو على عاتق الهيئة الضامنة أو الدولة التي تؤمن تغطيته في الدول المتقدّمة.

ثالثا: عدم ضمانة النتائج الدقيقة للعلاج الذي يتبعه.

رابعا: الدور المزدوج للطبيب من جهة كوكيل عن المريض والموجّه الأساسي له لاستهلاك المواد والخدمات الطبية، ومن جهة أخرى كمقدّم للخدمة الطبية، مما يجعله من جهتي العرض والطلب في آنٍ معاً.

خامسا: تواجد العديد من المراكز الطبية التي لا تبتغي الربح وتعتمد أسعار لا تتعدّى تكاليفها الأساسية.

سادسا: رغبة وتوجّه المجتمع لاحتضان مختلف الفئات الأكثر حاجة للعناية الطبية

سابعا: العوائق التي تصعّب الانخراط في مهنة الطب وعمل المحترفين في الصحة.

صحيح أن بعض هذه المميّزات المذكورة أعلاه قد تتوفّر في بعض القطاعات، إلا أن قطاع “إقتصاد الصحة” هو الوحيد الذي يتمتّع بها مجتمعةً في آن.

أما تقييم إقتصاد الصحة فله أيضا خصوصياته التي تبدأ بتوفّر الاستجابة للحاجات الطبية لمختلف المشاكل الصحية المطروحة، وتمرّ بالقوانين والتشريعات التي تشمل مختلف فروع هذا المجال وتنظيم عمل أسواق الخدمات الطبية والتعليم وفرص العمل للعنصر البشري المتخصّص، ولا تنتهي بوضع المعايير والأنظمة المتبعة لعمل الهيئات الضامنة كفريق ثالث معني بتمويل تغطية تكاليف الخدمات الصحية وكوسيط بين طالبيها ومقدّميها.

هذه الهيئات يختلف عملها وسبل تدخّلها بين البلدان وأنظمتها الاقتصادية والصحية. وتتعدّد أشكالها لاسيما في البلدان التي يضعف فيها الدور الراعي للدولة وبالتالي يتراجع فيها دور القطاع العام في تأمين التغطية الطبية الشاملة لجميع المواطنين كما هي الحال في لبنان. فيبرز من جهة دور القطاع الخاص عبر شركات التأمين الى جانب الدور المتنامي للقطاع الثالث أو ما يُعرَف بالاقتصاد الاجتماعي التضامني الذي يشمل صناديق التعاضد والتعاونيات والصناديق الخاصة ببعض المهن، وهب بطبيعتها لا تبتغي الربح وتسعى لتأمين التغطية المطلوبة بأقل كلفة وأوسع نطاق.

باختصار، إقتصاد الصحة يمثّل اليوم تحديا جديدا لتبيان مدى استفادة الشعوب من تقدّم إقتصادها في تحسين نوعية ومتطلّبات العيش من الطفولة حتى الشيخوخة المتقدّمة، فإذا كان المواطن يخصّص جزءا كبيرا من موازنته الخاصة لتسديد الفاتورة الصحية والاشتراك بالهيئات الضامنة لتأمين التغطية المطلوبة، يبقى السؤال الأساسي هل أن الحماية الصحية-الاجتماعية الشاملة مؤمنة له بما يضمن إستقلاليته المالية الطبية أولا وكرامته الإنسانية طوال العمر أولا وأخيرا، وحتى لا يكون الحق الأساسي للفرد بالحصول على هذه الخدمة الحياتية عبئًا على أهله في الصغر وعلى أولاده في الشيخوخة وعبئا منهم عليها طيلة شبابه؟

المصدر:
الشبكة السعودية للمسؤولية الإجتماعية CSR

خبر عاجل