بين التّهدئة والعودة

تسعى القوى السياسيّة المنضوية تحت لواء ما كان يعرف بالثامن من آذار إلى تحصين ساحتها الدّاخليّة. وهذا بالطبع حقّ مشروع ومفهوم. بنهاية المطاف الوصي رحل ولن يعود. ولذلك هؤلاء النّاس بحاجة إلى راعٍ أو وصيٍّ عليهم كما اعتادوا. لكن المفارقة الكبرى تكمن في الجبهة المقابلة، فهل سيُعاد بناء التّحالفات التي كانت سائدة في عصر 14 آذار؟ أم  أنّ لبنان اليوم مقدم بسبب التّغيّرات الجيوستراتيجيّة والجيوبوليتيكيّة على إعادة خلط للمفاهيم التي كانت سائدة طوال أكثر  من ربع  قرن؟

 

ممّا لا شكّ فيه أنّ البحث عن الهويّة السياسيّة لجماعة ما يكمن في رصف صفوفها. ولرصف الصّفوف تسعى لضرب من لا يتّفق معها سياسيًّا. من هذا المنطلق، نفهم العمليّة الممنهجة من إعلام هؤلاء مصحوبة بالاعلام الحاقد على “القوّات اللّبنانيّة”، في محاولة لضرب الصّورة التي أرستها الممارسات القوّاتيّة في الشأن العام، إضافة إلى محاولة قلب نتائج الانتخابات النيابيّة الاخيرة.

لكن ما لا يفهمه اللّبنانيّون بأغلبيّتهم هذا الانفصام الذي تعيشه هذه القوى، لا سيّما التيّار الذي يقوده  الوزير باسيل اليوم. ولا تتعدّد التّفسيرات لهذه الحالة المرضيّة بل تنحسر في تفسيرين اثنين لا ثالث لهما:

–    إمّا أنّ هذه القوى تقوم بعمليّة توزيع أدوار فيما بينها متجاهلة عقول النّاس، وغير آبهة باحترامها لهم.

–    إمّا أنّها تفتقر إلى عمليّة التّنظيم والادارة التي ترسي احترام النّاس لها، وبالتّالي باتت عمليّة عدم الاحترام أمرًا مفروغًا ومتجاهَلا من قياديّيها.

 

تجدر الاشارة إلى أنّ هذه الحالة المرضيّة التي يعيشها هؤلاء قد حوّلتهم، غصبًا عن الشّرفاء فيهم، وهم كثر ممّن يسعون لتثبيت المصالحة المسيحيّة – المسيحيّة، هذه الحالة قد حوّلتهم إلى مواقع نفوذ وإلى فئات متنازعة داخل الصّفّ الواحد.

 

من هنا، لا بدّ من التّذكير لإنعاش أصحاب الذاكرة الضّعيفة بأنّ “القوّات اللّبنانيّة” لم تعطِ كلمتها لأحد لتنقلب عليها بعد تحقيق مصلحتها الخاصّة. يكفي أن نستشهد بشهادة الخصوم وليس الحلفاء، وأوّلهم “حزب الله” الذي يعتبر “القوّات” خصمًا سياسيًّا شريفًا، إن هادنت تهادن بشرف، وإن عادت فهي تعادي بشرف، وإن تحالفت فهي تتحالف بصدق.

 

أيّ طرف سياسي يريد أن يضع يده بيد “القوّات اللّبنانيّة” تحت سقف الجمهوريّة القويّة، واستراتيجيّة الدّولة الشرعيّة فأهلًا وسهلاً به لنتعاون بهدف تثبيت كيانيّة ووجوديّة الدولة الحلم التي نطمح إلى الوصول إليها.

 

أمّا الوضع الاقليمي والدّولي المعطوف على الحالة اللّبنانيّة فهو الفاعل الأكبر فيها. بعد التّوازنات التي أرساها الوجود الرّوسي بالاتّفاق مع الجانبين الاميركي والاسرائيليّ بات الدّور الايراني، معطوفًا عليه دور الميليشيات التّابعة لهذا النّظام، محصورًا جدًّا جدًّا. لذلك، بات مفيدًا اليوم إعادة قراءة نتائج هذه الخيارات التي اتّخذها الحزب تمهيدًا للعودة إلى السّاحة الدّاخليّة كعنصر وطنيٍّ فاعلٍ ونشيط في الحياة السياسيّة الدّاخليّة.

 

العودة اليوم إلى المصالحة والدّولة وليس إلى عهد ما قبل المصالحة أو إلى عهد ما قبل الجمهوريّة القويّة. هذه المصالحة بتأييد الخصم التّاريخيّ ضمن تفاهم سياسيّ أنتجت العهد الجديد، والتزمت “القوّات اللّبنانيّة” بدعم العهد، لكن هذا الدّعم لا يقضي بالسيّر بالصّفقات المشبوهة تحت حجّة دعم العهد. في ملفّ التّشكيل الحكومي، من يعرقل هو من يرفض طلبات “القوّات اللّبنانيّة” كلّها. والتّفاهم لن يفرغ من مضمونه لأنّه ملك للشّعب اللّبناني شاء من شاء  وأبى من أبى. فهل سيلتقط هؤلاء قراءة حلفائهم الجديدة للواقع الجديد في المنطقة؟ أم أنّ تعنّتهم وسياساتهم الالغائيّة ستكبّد المسيحيّين خسارة ما تبقّى لهم من نفوذ في الدّولة؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل