“المسيرة” – قراءة هادئة في إعلان معراب: خارطة الطريق للوصول الى رئاسة الجمهورية والشراكة في السلطة

قراءة هادئة في إعلان معراب: خارطة الطريق للوصول الى رئاسة الجمهورية والشراكة في السلطة

كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1670:

هو محضر اجتماع بين قيادتي «التيار الوطني الحر» وحزب «القوات اللبنانية». أدرج تحت خانة «سرّي للغاية» لأنه يعنيهما وحدهما من ناحية الإلتزام به وتطبيقه لجهة انتفاء الحاجة الى وجود طرف ثالث مشارك أو مراقب. إنه أحد الأضلع الثلاثة الى جانب «إعلان النوايا» في 2 حزيران 2015 في الرابية و»إعلان معراب» في 18 كانون الثاني 2016. وهو خارطة الطريق لتطبيقها وصولاً لانتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية وآلية تطبيق الشراكة ضمن السلطة بعد تحقيق هذا الهدف.

لهذا المحضر السرّي قصة. فما هو سرّه؟ وأي أسرار أحاطت به؟ متى بدأ إعداده؟ ولماذا تم اتخاذ القرار بإبقائه سريًّا؟ كيف تمت دراسته؟ وكيف جرت عملية تنقيحه بين الرابية ومعراب؟ لماذا تم التوقيع عليه في معراب في 18 كانون الثاني 2016؟ هل كان يشكل ضمانة للطرفين؟ ولماذا تم الإخلال به؟ وهل لا يزال قابلاً للتطبيق؟ هل الكشف عنه جعله ميتاً في نظر المنتقدين الذين ينتقدون «القوات» و»التيار» إذا اتفقا وينتقدونهما إذا اختلفا؟ أم شبِّه لهم أنه مات؟ وإذا لم يمت، فكيف السبيل الى العودة إليه؟ ألا تتطلب المرحلة استعادة لخارطة الطريق التي تؤمّن قوة العهد وتحقيق الأهداف التي كانت وراء هذا الاتفاق؟

ليس صحيحًا إن «القوات» خالفت اتفاق معراب. وقبل ذلك هذا ليس اتفاق معراب، إنه الملحق السري للاتفاق الذي على أساسه تضمن الحكي بالشراكة داخل الدولة بين الحزبين المسيحيين «القوات اللبنانية» و»التيار الوطني الحر» وحلفائهما، وهذا ليس كما يحاول البعض تسويقه على أساس اعتبار أن هذا الملحق السري هو الاتفاق التاريخي. المصالحة هي مصالحة تاريخية واتفاق تاريخي، أما هذا الملحق فهو اتفاق شراكة داخل السلطة، كما إنه خارطة طريق لوصول العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، إذ إنه لم يكن من الممكن الاكتفاء بترشيحه من دون وضع خطة لإيصاله، وهذا ما تم العمل عليه. المصالحة هي الاتفاق التاريخي لأنها حصلت بعد خلافات استمرت على مدى أكثر من ثلاثين عامًا وأنهت كل رواسب تلك المرحلة من أجل تجاوزها الى مرحلة تفاهم وتعاون وتنظيم الاختلاف إذا استمر حول عدد من القضايا. البعض استنسب أخذ مقطعين صغيرين من الاتفاق السري متعلقين بتشكيل الحكومات ووظائف الفئة الأولى وتعمّدوا تجاهل الباقي الذي هو الأهم ويعبّر عن المنحى الاستراتيجي الذي أراده الطرفان من خلاله.

«القوات» و«التيار» لم يتحدثا عن تقاسم وظائف الفئة الأولى بينهما وبين محازبيهما، إنما عن الاتفاق على الأسماء مع اعتماد معيار الكفاءة. وهذا هو الأهم وهذا يعني أن المجال مفتوح أمام جميع الكفاءات لتدخل الى الدولة، وهذا ما حاولت «القوات» أن تفعله في وزارة الإعلام وتحديدًا في مجلس إدارة تلفزيون لبنان عبر اعتماد الآلية الواجبة التطبيق إداريًا تحت سقف مجلس الخدمة المدنية ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية. حتى في موضوع تشكيل الحكومة لا حصرية في التمثيل بين «القوات» وبين «التيار» لأن النص واضح ويتحدث عن تمثيل حلفاء كل من الطرفين، مما يعني فتح الباب أمام الجميع وليس إقفاله واحتكار التمثيل.

تم التركيز على هذا الجانب فقط، لأن المصالحة التاريخية أسقطت احتمالات العودة الى سوق الاتهامات الكبيرة التي كانت تطلق قبلها، والتي لم تعد تنفع اليوم لأن الرأي العام ما عاد ليصدقها. لم يستطيعوا أن يجندوا حتى بعض الصحافيين للإنقضاض على «القوات اللبنانية» والتجريح بها وتحميلها مسؤولية ما يحصل، حتى بين الذين هم على خصومة مع «القوات» ويواظبون على انتقادها باحثين عن أي ثغرة تساعدهم في ذلك. لقد حاولوا اللجوء الى عملية دفاع تراجعي لم تحقق أي نتيجة.

متى بدأ الحكي بهذا المحضر؟

عندما تم اتخاذ القرار بترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية، تقريبًا بعد أربعة أشهر من إعلان النوايا في 2 حزيران 2015، وبعد لقاء الدكتور سمير جعجع والعماد ميشال عون في الرابية. ذلك الإعلان كان بداية جدية للبحث في موضوع رئاسة الجمهورية واستغرق الأمر وقتاً قليلاً حتى نضجت فكرة إحداث فجوة في جدار إقفال الطريق الى بعبدا من خلال تبني الدكتور جعجع لترشيح الجنرال عون.

في البداية تم وضع نص أولي يشمل تصوّرًا أوليًا لخارطة الطريق التي يجب اعتمادها ولاتفاق المشاركة والشراكة بين «القوات» و»التيار». ثم تصحّح وتنقح وأُضيفت إليه عبارات ونصوص وحُذفت منه عبارات ونصوص، حتى رسا على صيغته النهائية بما فيها الملاحظات التوضيحية لمسألتين وردا فيه تتعلقان بتحديد الوزارات السيادية (الخارجية والدفاع والمالية والداخلية)، وذكر المكوّن الشيعي تفسيرًا لمسألة «انعدام حظوظ العماد عون في تأمين الأصوات الكافية لانتخابه رئيسًا للجمهورية بسبب تراجع بعض قوى 8 آذار عن تأييده». مقابل ذلك، كان هناك إصرار على ذكر أن «القوات» تستمر في دعم خيار انتخاب العماد عون حتى لو «رفضت قوى من 14 آذار الاتفاق على تأييد ترشيحه سواء من خلال مقاطعتها لجلسات الانتخاب أو من خلال اعتماد أي سبل أخرى»، وقد تم التأكيد على أنه إذا حصل ذلك «يتمسك الطرفان بموقفهما ويخوضان معركة مرشحهما حتى النهاية ويقرران سويًا لجهة المشاركة أو عدمها في أي جلسة انتخاب رئاسية، إستنادًا لحظوظ مرشحهما». وهذا الأمر يدخل ضمن حسابات ترشيح شخصية أخرى وقرار مقاطعة أي جلسة انتخاب لا تكون فيها حظوظ للعماد عون من أجل تعطيل النصاب. وهذا الإلتزام يبقى أكبر من أي نص آخر ضمن التفاهم الذي حصل وأُبقي سريًا.

الإشارة الى انتفاء الدعم الشيعي للجنرال عون كانت تعني أن إمكانية إيصاله الى بعبدا ستكون منتفية، وبالتالي يتم الاتفاق على خطة بديلة. وفي حال وصول العماد عون الى الرئاسة تنفذ البنود المتعلقة بالشراكة، ولذلك تم توقيع كل الصفحات في الاتفاق. وحفاظاً على السرية ولحماية المصالحة والاتفاق، كان يتم تبادل البحث فيه عن طريق الأوراق فقط وباليد. لم يحصل أن تم في أي مرحلة من مراحل المفاوضات أن أُرسل النص بواسطة الفاكس أو البريد الإلكتروني أو الواتساب، وحتى التعديلات أيضًا لم تبحث إلا حضوريًا وعلى الورق، لأن الطرفين كانا حريصين على بلوغ المرحلة النهائية المتمثلة بتأمين انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية.

يوم 18 كانون الثاني 2016 كان اليوم المقرر للتوقيع على هذا الاتفاق ولاستقبال الجنرال عون في معراب وإعلان الدكتور جعجع تبني ترشيحه. وصل الوزير جبرن باسيل، بصفته رئيسًا لـ»التيار» الى معراب مع النائب ابراهيم كنعان بصفته أحد عرّابي المصالحة التاريخية وهذا الاتفاق، وكان الهدف أن يتم توقيع الاتفاق قبل الإعلان عن تبنّي الترشيح.

كان الجنرال عون لا يزال في الرابية ولم ينطلق بعد الى معراب. أكثر من مرة اتصل مرافقه توفيق وهبه بأحد عرّابي المصالحة ملحم الرياشي الذي كان لا يزال رئيسًا لجهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية» لينقل إليه سؤالاً من الجنرال: هل وقّع جبران؟ وذلك من أجل أن يمشي من الرابية ويريد أن لا يتأخر لأن الطقس كان سيئاً جدًا عاصفاً وماطرًا. وكان الرياشي ينقل له التطورات لحظة بلحظة. ويبلّغه أن باسيل يقرأ النص قراءة نهائية لأن الطرفين طلبا أن يحصل ذلك وأن تكون هذه القراءة النهائية متأنية حتى لا يكون هناك أي خطأ لغوي أو مطبعي حتى. كان هناك نسختان من الاتفاق. نسخة لـ»القوات» ونسخة لـ»التيار». كل الموجودين المحددين في مقدمة الاتفاق كانوا على إطلاع على النص وعلى أدق تفاصيله ومباركين مضمونه وكل نقطة واردة فيه، وأعادوا قراءته، ثم حصلت التواقيع في الاجتماع الموسّع الذي حصل في مكتب الدكتور سمير جعجع واحتفظ التيار بنسختين. عندما وصل العماد عون علم أنه التوقيع قد تم. سأل: مثل ما اتفقنا عليه؟ قالوا له: مية بالمية.

قبل أن ينطلق من الرابية كان اتصال مع ملحم الرياشي سأل عون: «مضي جبران؟ بدّي إمشي». أجابه الرياشي: «مضي وسنعلن أننا تبنّينا ترشيحك». قال: «يلاّ أعلنها حتى إمشي لأن الطقس عاطل كتير». وهكذا حصل. وصل الجنرال واستُكملت باقي محطات عملية تبنّي «القوات اللبنانية» لترشيحه. من وصوله الى المقر العام لـ»القوات» وانضمامه الى المجتمعين في مكتب الدكتور جعجع ثم خلوته القصيرة معه، ثم انتقالهما بالسيارات الى القاعة الكبرى التي كانت امتلأت بالحاضرين الذين أتوا ليشهدوا هذا الحدث التاريخي الذي أنهى الفراغ في قصر بعبدا وفتح الطريق نحو عهد جديد قوي بقوة التحالف بين «التيار» و»القوات» على قاعدة المصالحة التاريخية وإعلان النوايا واتفاق الشراكة الذي بقي سريًّا.

لماذا بقي سريًّا؟ كان هذا مطلب «التيار الوطني الحر». أكثر من مرة كرروا هذا الطلب. لم يطلب الجنرال عون هذا الأمر مباشرة ولكن الطلب أتى من خلال النائب ابراهيم كنعان ولم تكن هناك ممانعة لدى «القوات» التي كانت تعتبر أن الإلتزام بهذا الاتفاق هو الأهم. عند ذلك تم الاتفاق على أن يبقى الاتفاق سريًّا مع الأخذ باقتراح ملحم الرياشي أن توضع عليه أيضًا عبارة سرِّي للغاية. وهكذا كان.

أين طبع الاتفاق؟

تمت طباعته في معراب، وتنقّل باليد بين معراب والرابية.

هل أطلع «التيار» «حزب الله» على هذا الاتفاق؟

لا معلومات لدى «القوات» حول هذا الأمر، وهي لم تهتم له لأنه مسألة تخص «التيار».

الاتفاق اعتبر أن إعلان النوايا جزء لا يتجزأ منه وأنه سيكون جزءا من مضمون خطاب القسم على ألاّ تتعارض مع الأجزاء الأخرى منه، أي من خطاب القسم، مع مضمون هذا الإعلان. هذا الأمر كان في أساس خارطة الطريق المرسومة لانتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية ولكل المسار الذي سيليه ابتداءً من خطاب القسم الذي سيعبّر من خلاله الرئيس الجديد عن أفكاره في طريقة إدارة الدولة وممارسة السلطة والحكم. أما الشراكة في السلطة لم تكن تعني استبعاد أي طرف آخر من المعادلة.

لم يطبقوا الاتفاق في تشكيل الحكومة الأولى ولا في التعيينات التي حصلت من بعدها. كانت الحجة أن الظروف تعيق التطبيق ولم تكن «القوات» في وارد العرقلة حتى لا يُقال إنها تعرقل العهد في بداية انطلاقته، وكانت تفضل أن ينطلق أولاً ثم يصار لاحقاً الى تطبيق هذا الاتفاق. ربما كانت هناك مراهنة على أن «القوات» لن تحقق نتائج مقبولة في الانتخابات، وأن هذه المصالحة تنتهي مفاعيلها بوصول الجنرال عون الى القصر الجمهوري. ولكن ما حصل أن نتيجة المصالحة بدأت تنعكس إيجابًا على «القوات» منذ تلك اللحظة، وهذا ما تُرجم من خلال نتائج الانتخابات التي أعطت «القوات» كتلة من 15 نائبًا وأظهر سقوط العازل الذي كان يفصل بين «القوات» والشارع المسيحي والرأي العام.

يمكن التوقف في هذا «الاتفاق السرّي» عند نقاط أساسية وردت فيه تؤكد طابعه المحدد برسم خارطة الطريق لانتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية، مع الأخذ بالاعتبار كافة الاحتمالات التي قد تواجه هذا الخيار:

هناك قرار واضح بإعلان الدكتور جعجع تأييد ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية، كما بتعهد «القوات» وأصدقائها منح أصواتهم له في أي جلسة انتخابية تُعقد لهذه الغاية، وهذا الأمر يُظهر أن «القوات» كانت تأخذ على عاتقها مهمة تسويق هذا الترشيح لدى الأصدقاء.

تمت الإشارة الى مسألة غاية في الأهمية وهي موقف قوى 14 آذار من هذا الترشيح. ذلك أن بعض هذه القوى لم يكن في وارد السير في هذا الخيار، وخصوصًا «تيار المستقبل» والرئيس سعد الحريري الذي أخذ الوقت اللازم لتبنّي هذا الخيار بعد تسعة أشهر على إعلان معراب. وهذا الأمر يعني أولاً وأخيرًا أن «القوات» كانت مع هذا الخيار حتى لو عارضه بعض قوى 14 آذار وقاطعوا جلسة الانتخاب.

هذا البند تضمن أيضًا التأكيد على أن الطرفين يتمسكان بموقفهما ويخوضان معركة مرشحهما حتى النهاية، ويقرران سويًا لجهة المشاركة أو عدمها في أي جلسة انتخاب رئاسية، إستنادًا الى حظوظ مرشحهما. وهذا يعني أن «القوات» اعتبرت منذ تلك اللحظ، مع «التيار»، أن هذه المعركة هي أيضًا معركتها، وأنهما يحضران معًا ويقاطعان معًا أي جلسة إستنادًا الى حظوظ مرشحهما.

الإشارة الى المكوِّن الشيعي في مسألة ثبوت انعدام حظوظ العماد عون في تأمين الأصوات الكافية لانتخابه بسبب تراجع بعض قوى 8 آذار عن تأييده كانت تعبّر عن احتمال أن يتراجع «حزب الله» عن إلتزامه بالعماد عون مرشحًا وحيدًا لرئاسة الجمهورية، كرد على تبنّي «القوات» ترشيحه. ويعبِّر هذا الأمر عن أن «التيار» والعماد عون لم يكونوا واثقين مئة في المئة من موقف «حزب الله». والإشارة الى المكوِّن الشيعي تحديدًا من بين قوى 8 آذار هي لأنه كان بإمكانه تعطيل الانتخاب وحده بين سائر هذه القوى التي لا تمشي إلا بموجب ما يقرر هو. كما تأكيد الطرفين على دراسة موقفهما والاحتمالات المتوفرة لديهما لإجراء الانتخابات الرئاسية في أسرع وقت ممكن في حال تراجع قوى 8 آذار يعني حكمًا أن العماد عون كان يمكن أن يمشي ضد إرادة «حزب الله» مثلاً في حال رفض انتخابه ووافقت قوى 14 آذار على انتخابه. والأمر نفسه كان واردًا بالنسبة الى «القوات» في حال عارضت قوى 14 آذار وبقي «حزب الله» على وعده، الأمر الذي تم تجاوزه بعد فترة الإنتظار التي استلزمها موقف الرئيس سعد الحريري، لأن المطلوب أيضًا كان تكريس تسمية العماد عون رئيسًا للجمهورية باعتماد أوسع قاعدة تأييد مسيحية أولاً، وأوسع قاعدة تأييد وطنية ثانيًا.

عند هذا الحد ينتهي شق البحث عن انتخاب العماد عون ليبدأ الشق المتعلق بما بعد انتخابه. لذلك أعلن الطرفان إلتزامهما اعتبار «إعلان النوايا» الموقّع في 2 حزيران 2015 جزءًا لا يتجزأ من محضر هذا الاتفاق، ويعتبران أيضًا أنه يشكل العناوين الرئيسية لسياسة العهد الجديد الرسمية، وجزءا من مضمون خطاب القسم. وكان المطلوب من خلال ذلك تأكيد انفتاح العهد الجديد على كل الدول العربية والصديقة، وعلى أن يكون خطاب القسم وطنيًا جامعًا معبّرًا عن إرادة استعادة سيادة الدولة في مسألة تتجاوز التفاهم الذي قام بين «التيار الوطني الحر» و»حزب الله» الذي كان سيصبح جزءا من ضمن التفاهم الوطني الشامل حول انتخاب العماد عون.

إن تعهّد الطرفين العمل على احترام تمثيل الطائفة السنيّة الكريمة في العهد الرئاسي لدى اختيار رئيس الحكومة تبعًا للقاعدة التي نادى بها الطرفان، وهي ضرورة تمثيل الأقوياء لطوائفهم لم يكن يعني إلا تكريس بقاء الرئيس سعد الحريري رئيسًا للحكومة طوال مدة العهد، طالما أنه سيبقى الأقوى تمثيلاً في طائفته، وقد حصل هذا الإلتزام من دون الأخذ بالاعتبار ما إذا كان «حزب الله» سيعارض هذا الأمر أم لا، وفي هذا التعهّد تجاوز من «التيار» لهذا الاعتراض. وهذا التعهّد الواضح ينفي بصورة قاطعة التهم التي وجهت الى «القوات» بأنها تريد استبعاد الرئيس سعد الحريري عن رئاسة الحكومة.

إن الاتفاق على توزيع المقاعد الوزارية المخصصة للمسيحيين مناصفة في حكومات العهد كافة لم يكن مقتصرًا على «القوات» و»التيار» بل على حلفاء كل منهما، وهذا الأمر ينفي الاحتكار وتهمة توزع السلطة كمغانم. إنما كان يعني حصر تسمية ممثلي المسيحيين في السلطة بالقوى الأساسية المسيحية المتمثلة في الحكم، وذلك للخروج من الحالة التي سادت منذ العام 1990 عندما كان عهد الوصاية يسمّي الوزراء والنواب والمسؤولين المسيحيين.

الأمر نفسه ينطبق على توزيع مراكز الفئة الأولى في الإدارات الرسمية والمؤسسات العامة ومجالس الإدارة العائدة للمسيحيين، وذلك بالاتفاق بين الطرفين وفقاً لمعايير الكفاءة والنزاهة. وهذا الأمر يناقض تمامًا محاولات اتهام «القوات» و»التيار» بأنهما كانا يريدان احتكار التمثيل في هذه المواقع للمحازبين فقط، على الأقل هذا ما بقيت تطالب به «القوات» ولم يلتزم به «التيار».

في 18 كانون الثاني 2016، لم يكن هناك بعد قانون جديد للانتخاب، لذلك تعهد الطرفان توحيد جهودهما لإقرار قانون انتخاب جديد يقوم على احترام صحة وعدالة التمثيل لجميع الطوائف وعلى الشراكة الصحيحة… وبغية بلوغ هذه الغاية، اتفق الطرفان على إقرار قانون جديد للانتخاب قبل حزيران 2016 وعلى اعتماد النظام النسبي في أي من القوانين المقترحة بمعزل عن نسبته ومن بينها قانون الدوائر المتوسطة (15 دائرة) والقانون المختلط الذي تقدمت به «القوات» مع تعديلات يقترحها المكوِّن الشيعي و»التيار الوطني الحر»، وفي حال لم يتم الاتفاق على أي من القانونين المذكورين ينتقل الطرفان الى العمل والاتفاق على قانون ثالث. وعلى هذا الأساس أيضًا نص الاتفاق على «خوض استحقاق الانتخابات النيابية سويًا ويتولى كل منهما أمر حلفائه».

الاتفاق حول هذا الموضوع أثمر إسقاط قانون الستين، الأمر الذي لم يكن ممكناً لولا وصول العماد عون الى قصر بعبدا، وأدى لاحقاً الى إقرار القانون الجديد الذي على أساسه حصلت انتخابات 6 أيار. كان هذا القانون نسبيًا على أساس الـ15 دائرة. ولم يكن أكثريًا. ولذلك لم يكن التحالف حتميًا بين «القوات» و»التيار» لأن هذا القانون يعطي كل طرف حجمه التمثيلي. وهو أكد في الدرجة الأولى على أن نحو أربعة وخمسين نائبًا مسيحيًا وصلوا بأصوات المسيحيين، وأن الصوت المسيحي كان مؤثرًا في نجاح بعض العشرة الآخرين، وكان يمكن أن يكون مؤثرًا أكثر لو حصل تحالف بين «القوات» و»التيار» في دوائر لا وجود كبيرًا للمسيحيين فيها. وهذا ما رفضه «التيار» في دوائر الجنوب. ولذلك لا يمكن الحديث هنا عن أن «القوات» هي التي رفضت التحالف الانتخابي. وبعيدًا عن تحالف «القوات» و»التيار» أو عن عدمه، فإن هذا القانون أثبت أنهما يمثلان نسبة 80 في المئة الشارع المسيحي، وأن القوى الأخرى التي انتقدتهما واعتبرت أنهما اتفقا لإلغاء الآخرين لم تستطع أن تثبت حضورها بشكل فاعل وبقيت قوى محلية لا تتمتع بتمثيل شامل أو فاعل.

إن اتفاق الطرفين على أن تكون كتلتاهما مؤيدتين للرئيس وعاملتين على إنجاح العهد كان محددًا من خلال «تحقيق المصالحة الوطنية ومكافحة الفساد وتعزيز الدور المسيحي الوطني وصلاحيات رئيس الجمهورية وتحقيق الإصلاح المنشود. وبغية الوصول الى هذه الغاية، يشكل فريق عمل من الطرفين لتنسيق خطوات العهد وسياساته تبعًا لنظرة الفريقين سوية». عند هذا الحد يطرح السؤال عما إذا كان التيار التزم بتطبيق هذا البند بعد وصول العماد عون الى قصر بعبدا، وعن أسباب عدم تطبيق هذا الاتفاق عند تشكيل الحكومة الأولى، وأسباب عدم تشكيل فريق عمل واحد لتنسيق خطوات العهد وسياساته تبعًا لنظرة الفريقين معًا؟ أليس هذا هو الطريق الصحيح الى الشراكة الفعلية التي كانت الهدف من هذا الاتفاق؟ لا يحتاج الأمر الى اتفاق جديد. ولا الى تفسير الاتفاق القائم، بل الى الإلتزام به.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل