“المسيرة”: عقوبات أميركية حاسمة ضدّ إيران… لا نفط ولا مال ولا تدخلات ولا إستقرار؟

 خاص “المسيرة” – واشنطن العدد – 1670:

تتصاعد الإجراءات الأميركية ضد إيران في تحرك لم يسبق أن قامت به أي إدارة في البيت الأبيض، حتى في ظل إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش. يأتي ذلك بعد التساهل الواضح الذي أظهرته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ما سمح لنظام الملالي في طهران بأن يتنفس الصعداء جراء حجم الكتلة النقدية التي تلقاها بعد التوصل إلى الاتفاق النووي. فإلى أين يمكن أن يصل وما هي حدود هذه الحملة الأميركية؟

هذا التساهل الفاضح من قبل الإدارة السابقة أثار حفيظة الإدارة الحالية في عهد الرئيس دونالد ترامب، وقد شكل تولي شخصية مثل مايك بومبيو منصب وزير الخارجية دلالة واضحة على التوجه المتشدد ضد إيران في سياق تصاعدي سيؤتي ثماره على مراحل عدة لدرجة أن النظام في طهران بدأ حقيقة يتهيب الخطوات الأميركية الجريئة ويعمل على تطويقها من خلال مساع يقوم بها مع بعض الدول الأوروبية، ومن شأن الخطوات التنفيذية التي ستظهر تباعاً أن توضح الكثير من التفاصيل الكامنة وراء إعادة تطبيق العقوبات النووية على إيران، وستصدر الحكومة الأميركية توجيهات إضافية في الوقت الذي يتم فيه تحديد المواعيد الرئيسية لبعض العقوبات وخصوصاً في السادس من آب المقبل وفي الرابع من تشرين الثاني. وفي غضون ذلك، يمكن لعدد من القرارات السياسية المعلقة أن يدعم هذه التوجيهات.

وفي الوقت الذي يدرس فيه المسؤولون الأميركيون تفاصيل القرارات التي ستعلنها إدارة ترامب تباعاً، رأى خبراء في واشنطن ضرورة أن يتم الأخذ بالاعتبار أنه لا يجب إعادة فرض العقوبات بالطريقة نفسها التي كانت تُفرض فيها قبل إبرام الاتفاق النووي. وهذا الخيار يمنح واشنطن مجالاً لاستغلال نقاط الضعف الإيرانية الأساسية بشكل أفضل، والعمل مع شركاء أجانب بهدف تحفيز العمل متعدد الأطراف ومنح الأولوية للجهود الأميركية في مواجهة نظام طهران.

العقوبات الجديدة

كشفت الإدارة الأميركية عن تفاصيل الجهود التي ستتخذها الولايات المتحدة لإعادة فرض العقوبات على إيران بعد قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، وسيباشر قسم مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية الإجراءات لتنفيذ قرار الرئيس، حيث سيعاد فرضها في فترة تمتد من تسعين إلى مئة وثمانين يوماً.

وبحسب توضيحات وزارة الخزانة، فإن الولايات المتحدة ستستأنف جهودها للحد من صادرات النفط الإيرانية بعد مئة وثمانين يوما. وخلال هذه الفترة ستجري الخارجية الأميركية مشاورات مع دول أخرى، وستقيِّم مدى تقليص الدول الأجنبية لمشترياتها من النفط الإيراني.

ولا تعتقد الولايات المتحدة أن أسعار النفط ستشهد ارتفاعاً بشكل غير متوقع ،وتبدي ثقتها بأن أطرافا أخرى ستكون مستعدة لزيادة الإنتاج للحفاظ على العرض. وهذا الأمر كان موضوع الاتصال الذي أجراه الرئيس ترامب مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز.

وبعد تسعين يوما من المقرر أن تفرض الولايات المتحدة قيودا على بيع العملة الأميركية لإيران، وشراء الذهب والمعادن الثمينة الأخرى من إيران، بالإضافة إلى شراء الصلب والألومنيوم والاستثمار في السندات الإيرانية، والصفقات مع شركات صناعة السيارات الإيرانية.

وسيتم أيضا سحب تراخيص التصدير من شركات الطيران المدني، بما فيها شركتا «بوينغ» و»إيرباص».

واعتبارا من السادس من آب المقبل، سيفرض الحظر على استيراد السجاد والمواد الغذائية الإيرانية.

وبعد مئة وثمانين يوما ستطال العقوبات الموانئ الإيرانية وسفنها ومصانع السفن. كما ستفرض قيود على تحويلات مالية بين المؤسسات المالية الأجنبية والبنك المركزي الإيراني وخدمات التأمين.

وبات من الواضح أن هدف الولايات المتحدة من إعادة فرض العقوبات هو التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران يكون أفضل من السابق ويتضمن شروطاً صارمة تمنع النظام في طهران من مواصلة سياساته المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

استهداف قطاع الطاقة

وبحسب المعلومات المتداولة في واشنطن، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال استهداف قطاع النفط الإيراني، إلى التركيز بشكل أكبر على العائدات أكثر منها على المبيعات، أي أنه حتى عندما تتخذالخطوات للحدّ من حجم مبيعات النفط الإيرانية، فإن أولويات العقوبات ستركز على العمل على ضمان تجميد عائدات هذه المبيعات.

ويسمح التشريع الخاص بالعقوبات التي ستطاول قطاع النفط، بالإعفاء من بعض العقوبات المالية طالما تواصل الدول الوفاء بمتطلبات خفض المشتريات وتوافق الدول على إبقاء العائدات الإيرانية في الدولة المشترية مع فرض قيود على استخدامها بحيث تركز على عمليات تمويل التجارة الثنائية. وقد تمّ اعتماد هذه الخطوة التي يُطلق عليها القيود التجارية الثنائية والتي تمنع إعادة عائدات النفط الإيراني من الوصول إلى البلد الأم، بعد مرور عام على تخفيض الإعفاءات بشكل كبير، وهي الخطوة التي جنّبت عملاء النفط الإيراني، العقوبات، إذا خفضوا مشترياتهم مع مرور الوقت. وتهدف هذه التدابير إلى تقليل حجم العائدات النفطية، التي تشكّل مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة، المتاحة لإيران.

وتسعى الأجهزة المعنية بتطبيق العقوبات إلىتوفير قدر أكبر من المرونة فيما يتعلق بمتطلبات التخفيض مقابل التعهد بتنفيذ التزامات أكثر صرامةً تتمثل بالامتناع عن إعادة العائدات الإيرانية. وهذا الإجراء سيؤديإلى الاحتفاظ بالأموال في البلاد التي يصدَّر إليها النفط، ولا يمكن استخدامها إلا في ذلك البلد.

وستشرف وزارة الخارجية الأميركية على الإعفاء الخاص بالتخفيض الملحوظ ويُسمح لها بموجب القانون أخذ عدد من العوامل في الاعتبار عند اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيتمّ إعفاء دولة ما، بما في ذلك خفض كمية النفط الذي تشتريه من إيران ونسبته، وفسخ عقود عمليات التسليم المستقبلية للخام الإيراني، إضافة إلى فرض إجراءات أخرى تثبت التزاماً بتقليص هذه المشتريات إلى حد كبير. ووفقاً لبيانات تعقب الشحنات التي أوردها موقع لومبرغ، فقد انخفضت صادرات النفط الإيرانية بشكل حاد في النصف الأول من حزيران، والتي وصفها الموقع بأنها الأكبر لمثل هذه الفترة منذ كانون الأول 2016.

عقوبات تطال القطاع المالي

وهناك إجراء آخر من المزمع أن تقوم الإدارة الأميركية بتطبيقه خلال شهر تشرين الثاني وهو فرض عقوبات على توفير خدمات الرسائل المالية المتخصصة إلى البنك المركزي الإيراني ومصارف أخرى مُدرجة على لائحة العقوبات. ومع ذلك، فإنه ليس من المهم منع الوصول إلى المزود الرئيسي لهذه الخدمات وهي جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (سويفت) لأنهلن يكون كافياً للحدّ من نفاذ إيران إلى النظام المالي العالمي.

وخلال الفترة التي سبقت تطبيق خطة العمل الشاملة المشتركة، جمع عدد كبير من المحللين بين إعادة النفاذ الإيراني إلى نظام سويفت وإعادة النفاذ إلى المصارف الأجنبية. وقد رفضت معظم هذه البنوك ترميم العلاقات مع المصارف الإيرانية على الرغم من تجدد نفاذها إلى «سويفت». وعلى نحو مماثل، توقفت العديد من المؤسسات الأجنبية عن التعامل مع المصارف الإيرانية حتى قبل منع هذه الأخيرة من استعمال شبكة نظام «سويفت».

ومنذ أن أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من «خطة العمل الشاملة المشتركة» في أيار الماضي، أعلنت مصارف أجنبية عدة كانت قد استأنفت علاقاتها مع إيران تخفيض حجم أعمالها مع مصرف إيران المركزي.

ووفق التوجهات الموضوعة للعقوبات على القطاع المالي، فإن واشنطن لن تكتفي بتحذير المصارف من خطوة مزاولة الأعمال مع إيران لأن هذا سيؤدي بها إلى المشاركة في نشاط غير شرعي فحسب، ولكن الأجهزة المعنية بتطبيق العقوبات ستعمل على حث شركاء الولايات المتحدةعلى تطبيق أفضل للعقوبات. وعلى سبيل المثال، فإن العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على سوريا يمكن أن تطبق بشكل مماثل على «البنك الإيراني لتنمية الصادرات».

وفي مواجهة كل هذه الاجراءات والعقوبات الجديدة والمتشددة تدرك الولايات المتحدة أن إيران ستبذل جهودا من أجل أن تتمكن منالإفلات منضغوط العقوبات الجديدة حيث استحدث النظام في طهران والمؤسسات الفردية طوال الأعوام الماضية، وسائل متطورة للالتفاف على العقوبات الأميركية والمتعددة الأطراف، وواصلت على ما يبدو استخدام هذه الشبكات خلال فترة الإعفاء من العقوبات.

فعلى سبيل المثال، جرى في تشرين الثاني من العام 2017، تجميد حسابات الشركات الإيرانية في الصين ودبي وماليزيا بعد أن تمّ اكتشاف أمر شركات البتروكيماويات التي كانت تزوّر سندات الشحن لتخفي الأصل الإيراني للسلع من أجل تأمين التمويل التجاري اللازم.

ومع ذلك فإن توجه الإدارة الأميركية يبقى حاسماً فمنذ إعلانهاالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، أطلقت سبع مجموعات من العقوبات الجديدة التي تستهدف النشاط الإيراني غير النووي المحظور. ويبدو جلياً أنهذه الإدارة ستستمر في التركيز على سلوك إيران المزعزع للاستقرار في المنطقة، وجهودها لتطوير الصواريخ وانتشارها، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، ودعمها للإرهاب، وغير ذلك من التصرفات والأعمال والخطط المؤذية الأخرى.

وعلى أساس هذه العقوبات التي ستبدأ مفاعيلها بالظهور بعد أشهر قليلة، كيف ستتصرف إيران؟

النظام في طهران يأمل في أن يتمكن من تجاوز هذه العقوبات من خلال الاتصالات التي يجريها مع دول أوروبية، ولكنها لم تحقق نتائجها المرجوة. وهو يحاول مع عدد من الدول المستوردة لنفطه الإبقاء على العقود، وإن كان مقابل تنزيلات في الأسعار حتى ولو كان هذا الأمر ضد مصلحته. ولكن طالما أن هذه الدول لم تؤكد ذلك، فإنها حتى لو استوردت النفط تبقى مسألة قبض إيران لثمنه بالعملة الصعبة عملية صعبة. وحاول النظام الإيراني أيضًا إرسال تهديدات بمنع تصدير النط بالقوة عبر مضيق هرمز، الأمر الذي استدعى ردًا أميركيًا محوره أن واشنطن ستحمي الملاحة في هذه المنطقة.

يبقى أن واشنطن ليس هدفها العقوبات من أجل العقوبات، وهي تترقب أن تؤدي تباعًا الى وقف التدخلات الإيرانية في المنطقة، ووقف دعم التنظيمات التابعة لها ومن بينها «حزب الله»، والى ازدياد الأوضاع الاقتصادية الصعبة داخل إيران، مما قد يؤدي الى تحركات شعبية مناهضة للسلطة الدينية والسياسية. ولكن حتى لو حصل ذلك، فهل يمكن أن تراهن واشنطن على أن تهز هذه التحركات النظام؟

لا شكل في أن النظام الإيراني يتحسب لهذه الهجمة الأميركية، وقد يكون مستعدًا لقمع أي تحركات في الداخل، حتى لو أدى ذلك الى حمامات من الدم، بحيث يرفض التنازل عن «العرش» على عكس ما فعله الشاه محمد رضا بهلوي الذي غادر إيران بنصيحة أميركية وبترحيب من الرئيس المصري الأسبق أنور السادات الذي أمّن له مكاناً آمناً يلوذ فيه.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل