.jpg)
في المعارك التي يخوضها الوزير جبران باسيل خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، “حزب الله” الهادئ والمنتصر الأكبر، ليس على صعيد الحصص بل في السياسة العامة، يواجه باسيل الخصوم المفترضين للحزب، فيما الحزب يبدو الأكثر هدوءًا وانفتاحًا وقبولًا للتسويات.
تقويض رئيس الحكومة وصلاحياته يخدم “حزب الله” بشكل أو بآخر، مواجهة “القوات” وحصارها أيضًا يفيدان الحزب، ويغنيانه عن الدخول في معارك كان مضطرًا إلى الدخول فيها طوال السنوات السابقة.
يريد باسيل تكسير رأس الجميع، لكن هذا الجميع يستند إلى موقف أساسي من قبل الحزب، برفض إلغاء أي طرف وتعزيز التواصل.
قادت الظروف السياسية العامة في لبنان والضغوط الدولية على “حزب الله” إلى انفتاح الحزب على “التيار الوطني الحر” وإبرام تفاهم مار مخايل. وقادت تطورات محلية “التيار” و”القوات” إلى الذهاب لتوقيع ورقة تفاهم بينهما، وكذلك قادت الحريري إلى اختيار ميشال عون رئيسًا للجمهورية.
وكما هذه التحولات حصلت، ليس في السياسة اللبنانية من مستحيل، قد تحصل تطورات محلية وخارجية تقود إلى التقاء “حزب الله” و”القوات اللبنانية”، التهدئة تقود إلى ذلك، والالتقاء على عناوين محددة قد يفتح المجال أمام توسيع التلاقي.
ذات جلسة نيابية خرجت ستريدا جعجع بموقف متقدّم جدًا حيال “حزب الله”، عددّت القواسم المشتركة بين “القوات” والحزب، في المقاومة والشهداء ومكافحة الفساد والالتزام بالمبادئ. كانت تلك خطوة استباقية للانفتاح على الحزب، وتكررت الرسائل بعد انتخاب عون رئيسًا للجمهورية، تعزز التواصل المؤسساتي بين الحزبين.
في خضمّ المعارك الانتخابية خرج الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله متحدثًا عن معركة بعلبك الهرمل، واعتبر حينها أن هناك فئة واسعة من البقاعيين المؤيدين لـ”القوات” وهؤلاء من حقهم أن يتمثلوا، كانت الرسالة بالاستعداد لقبول الآخر وخصوصًا “القوات”.
خطوة الحزب سبقت ذلك، لدى محاولة تيار “المستقبل” و”التيار الوطني الحر”، بعد عودة الحريري عن استقالته، طرح فكرة عزل “القوات” وإخراجها من الحكومة. عارض “حزب الله” تلك المحاولة التي تُشبّه بخطوة عزل “الكتائب” بداية الحرب الاهلية، وستكون ارتداداتها سلبية. واليوم، ما زال الموقف ذاته لمنع محاصرة “القوات” وإحراجها لإخراجها من الحكومة، على الرغم من الاختلاف السياسي معها.
ثمة رسائل غير مباشرة يتبادلها الطرفان بطريق غير مباشرة. كلمة أساسية قالها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع بعد لقائه الرئيس سعد الحريري. في معرض كلامه عن اتفاق معراب، وبأنه لم يسقط حتى وإن تم الكشف عنه، مرر جعجع موقف استعداد “القوات” للانفتاح على الأفرقاء اللبنانيين كافة، أي توسيع مروحة الاتفاقات وتعزيز العلاقات، وهذه لا يمكن إلا أن ندرجها في إطار رسائل التقارب مع الجميع، بما فيهم “حزب الله”.
النائب أنطوان حبشي أيضًا يسير في طريق الانفتاح، ويقول: “نحن معنيون بالعمل سويًا مع نواب “حزب الله” لنأتي بالمشاريع إلى البقاع”. ووجه دعوة إلى نواب بعلبك – الهرمل للعمل إنمائيًا في سبيل المنطقةأ يعني هذا الكلام أن “القوات” تدرج مبدأ التقارب والتواصل ليس من البوابة السياسية، بل من بوابة التعاون والرسائل الايجابية بهدف الإنتاج سياسيًا ومناطقيًا.
كانت لافتة مشاركة نائب في كتلة “القوات”، هو زياد حواط، في لقاء الأربعاء النيابي الأول في عين التينة، مقابل عدم مشاركة أي نائب من تكتل “لبنان القوي”. هي رسالة قواتية بالغة أيضًا، وتوحي بأن الانفتاح مسار، قد يتوج في عناوين أخرى كمكافحة الفساد ووضع خطط إنمائية بين الطرفين في إطار التواصل المؤسساتي.
لا يريد جعجع التصعيد تجاه “حزب الله”، المبدأ هو توسيع مروحة العلاقات وعدم الانحسار في زاوية، وطالما أن سقف كل القوى انخفض كثيرًا تجاه “حزب الله”، فسقفه يبقى عاليًا مهما تنازل.
يعرف جعجع أن لبنان في النهاية، تحكمه التسويات، لذلك هو لا يريد أن يبقى خارجًا عن مبدأ التسويات، يعرف كيفية إدخال إسمه إلى باب التسوية، لأن ليس من مصلحته تقديم نفسه كعدو للحزب، هو يختلف معه ولكن هناك إمكانية للتوافق على نقاط معينة، وهذه تختلف عن الواقع السابق بأنه يختلف إلى حدّ العداء واستحالة اللقاء.
امكانية اللقاء أصبحت ممكنة ومتداولة، لم تعد مستحيلة، لكنها تحتاج إلى ظروف لتنضج. حزب الله أيضًا مرر رسائل عديدة، منها الإشادة بأداء وزراء القوات. وهذه إشارة إلى امكانية اللقاء على عناوين مكافحة الفساد، بمعزل عن الخلاف السياسي. وإذا ما كان لبنان سيخضع إلى تسوية جديدة في المرحلة المقبلة، فحينها سيكون جعجع أحد مترجمي هذه التسوية وصانعيها، ولن يبقى خارج اللعبة. لذلك، يدخل نفسه كطرف راع ومشارك في أي مشروع تسوية مقبل. وهذا يتطلب كسر حدة العداء مع “حزب الله”.
