“المسيرة” – تفاهم معراب: وثيقة تاريخية واستراتيجية للمسيحيين

نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب “القوات اللبنانية” شارل جبور في مجلة “المسيرة” العدد – 1670:

قبل تفاهم معراب كانت شكوى الأكثرية الصامتة من المسيحيين من الخلاف بين «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» لأنه برأيها يبقي الدور الوطني المسيحي ضعيفا وثانويا، كما يبقي المسيحيين في حالة من اليأس والإحباط بفعل الخلافات والانقسامات والتشرذم، فيما أقلية من المسيحيين وقفت دوما ضد أي تقارب بين «القوات» و«التيار الحر» بسبب اعتباراتها الذاتية.

وبالفعل مجموعة عوامل وظروف واعتبارات ساهمت في التقريب بين «القوات اللبنانية» و»التيار الوطني الحر» وقادت إلى توقيع إعلان النوايا الذي تكمن أهميته في الآتي: تقريب المسافة بين متخاصمين على قواعد سياسية، التهيئة للتفاهم السياسي بحلقات نقاش وحوارات مشتركة وداخل كل فريق، التهيئة لترشيح العماد ميشال عون بخلق الظروف السياسية المواتية، الظهور بمظهر القوى المسؤولة التي لا تنتقل من ضفة إلى أخرى من دون تمهيد وتحضير، وضع العناوين السياسية التي تجمعهما للتأكيد ان تقاربهما يحصل على أسس سياسية تبدأ من دور الدولة والجيش ولا تنتهي بالالتزام بمرتكزات وثيقة الوفاق الوطني وأحكام الدستور وتعزيز مؤسسات الدولة وتشجيع ثقافة الاحتكام الى القانون والتزام سياسة خارجية مستقلة والتمسك بالمبادئ  الكيانية المؤسسة للوطن اللبناني، ومن يقرأ البنود الواردة في «إعلان النيات» يظن انها وثيقة من وثائق ١٤ آذار.

فالتفاهم بين «القوات اللبنانية» و»التيار الوطني الحر» لم يولد من عدم، بل سلك مسارا تراكميا كانت نتيجته الأولى «إعلان النوايا» قبل ان يستكمل طريقه نحو «إعلان معراب» مع ترشيح الدكتور جعجع للعماد عون على أساس النقاط العشر التي أكدت على المبادئ الكيانية والسيادية والدولتية، فيما كانت المرحلة الممتدة من الإعلان الأول إلى الإعلان الثاني كافية لتحضير القواعد الحزبية والشعبية واختبار النيات وإعداد الورقة العملية التي تشكل التتمة الطبيعية للاتفاق السياسي والتي من دونها لا قيمة للاتفاق الذي تكمن أهميته ببعده العملي والتنفيذي وليس فقط المبدئي والنظري.

والفريق نفسه الذي انتقد «إعلان النوايا» ومن ثم «إعلان معراب» واصل انتقاده للوثيقة السرية المتمثلة بالشق العملي للاتفاق، معتقدا ان هذا الشق كفيل بإحراج أصحابه وتمكينه من تسجيل النقاط على «القوات» والتيار من زاوية ان اتفاقهما يرتكز على المحاصصة لا المبادئ السياسية، علما انه يستند إلى مبادئ وطنية واضحة المعالم، ولكنه في الوقت نفسه يقارب السياسة بواقعية وموضوعية، فهل يصح ان يفتح فريق سياسي طريق بعبدا الرئاسي من دون ان يضمن دوره في المرحلة التي ستلي انتخاب عون؟

وكل المواقف التي صدرت تندرج في سياق المزايدة، فيما لو صح لأصحابها الحصول على 5 في المئة مما حصلت عليه «القوات» لما ترددوا لحظة واحدة، ولكنهم يعتقدون ان الفرصة الحالية تشكل مناسبة للإطاحة بالتفاهم ولو من الناحية الشعبية عن طريق ضرب صورته بالكلام عن المحاصصة.

ولكن هذه الفئة تناست أو تجاهلت ان شعبيتها مجتمعة لا تتجاوز الـ20 في المئة مقابل 80 في المئة للتيار و«القوات»، حيث ترجمت الانتخابات على رغم عدم التحالف بينهما ما صدر عن بعض شركات الإحصاءات على أثر «إعلان معراب» بأنهما يمثلان أكثر من 80 في المئة من البيئة المسيحية. والكلام عن احتكار وإلغاء ليس في محله، لأنه لا يمكن استبعاد أي فريق سياسي خرج من الانتخابات بكتلة وازنة، فيما الانتخابات أفرزت لوحدها ثنائية تنافسية لا تحالفية، وبالتالي إرادة الناس هي في قيام هذه الثنائية.

فالاتفاق لم يحصل كرد فعل، بل تم تحضيره على نار هادئة، ما يعني ان بنوده صيغت بإتقان وروية، وإذا كانت البنود المعلنة ترمي إلى قيام الدولة الفعلية، فإن البنود غير المعلنة ترمي إلى عودة التوازن إلى جسم الدولة، والبنود المعلنة وغير المعلنة تخفي وراءها خلفية أساسية تتصل بالهم الوطني المسيحي، وشعور كل طرف بعجزه عن استعادة الشراكة من المربع الذي هو فيه، فيما الخرق الوحيد المحتمل يستدعي تقاربا بين «القوات» و«التيار».

والحق يقال أنه لولا ترشيح الدكتور جعجع للعماد عون لما تم انتخابه رئيسا، الأمر الذي أفسح في المجال أمام وصول أول رئيس تمثيلي منذ العام 1990، ما يعني تحقيق التوازن بين الرئاسات الثلاث للمرة الأولى، كما ان التقاطع بين «القوات» و»التيار الحر» أدى إلى ولادة قانون انتخاب أعاد تصحيح الخلل في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبالتالي هذا الاتفاق كان كفيلا بطي صفحة الخلل المتمادي منذ الانقلاب على اتفاق الطائف.

وفي موازة كل ذلك لا يمكن التقليل من حاجة الموظف المسيحي في الدولة إلى مرجعية تشعره بالأمن والأمان شأنها شأن المرجعيات الأخرى، فالاستثناء الوحيد كان في غياب المرجعية المسيحية المطالبة ليس باحتكار التوظيف، إنما بتشجيع المسيحيين على الدخول إلى الدولة، وبأن تشكل، وهنا الأساس، المظلة لكل موظف من أجل القيام بدوره وممارسة مسؤولياته التي تخدم الدولة ومؤسساتها لا المرجعية التي عينته على أساس كفاءته وليس قربه من هذا الفريق أو ذاك.

هناك من يحب باستمرار الهروب من الواقع من خلال الكلام عن أدوار وهمية ساهمت وتساهم في ضرب الدور الوطني المسيحي الذي لا يمكن ان يكون فعالا سوى في حال ارتكازه على امتدادات شعبية ونيابية ووزارية، وإذا كان التطبيق في بعض فصوله لم يأت على قدر ما كان مخططا له، فإنه يمكن القول وبارتياح ان التفاهم بين «القوات» و»التيار الحر» والذي يرتكز إلى ثلاثة إعلانات – وثائق «إعلان النوايا» و»إعلان معراب» و«الإعلان التطبيقي» يشكل تفاهما متكاملا ومن طبيعة استراتيجية، كما يشكل ضمانة للفكرة اللبنانية التي قامت على الشراكة المسيحية-الإسلامية، فهذا الاتفاق بالذات أعاد إحياء هذه الفكرة التي كانت نسفت من أساسها في مرحلة ما بعد الطائف، فيما أي إخلال بمضامين هذا التفاهم يحمِّل صاحبه مسؤولية تاريخية تتصل بحضور المسيحيين ودورهم في لبنان والشرق.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل