“المسيرة”: فوق الغابة وحدّ الرب… بلَّش مهرجان الأرز!

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1670:

 

يبدو كأننا على كوكب الشمس مباشرة، أرفع يديّ، قد ألمس السماء. من يدري؟ هون السما قريبة، دائما قريبة، هون ربنا بيعمل صبحية مع الأرزات، دائما يسكن هنا، وهنا قلب قلب غابة الأرز حين يتحوّل قلبها الى هيكل مشعشع بالأنوار وبالناس والأنغام. هنا أرز الرب ومهرجانات الأرز الدولية حيث شاكيرا اختارت ان تكون للمرة الأولى، وحيث الماجدة ستتألق للمرة الثانية واحدة من أرزات لبنان، وحيث وللسنة الرابعة يتغاوى المكان برهبة الأرز وذاك الجبل المهيمن على المكان، وسحر الليل وكل ذاك العبق من حضور الرب، ومع ذلك ثمة ما يخيف، هل ممكن لهذا الجبل المنتصب كالمتراس بين الأرض والسماء، أيمكن ان يحاصرنا؟!…

 

يحاصرنا جبل المكمل، مخيف، رهبته تفرض إيقاعا غريبا طاغيا فوق الغابة. وحدها تلك البسمات العريضة وتلك القلوب المتلهفة للقاء الضيوف، تُنسي الزائر أنه زائر، وان الجبل قد يرمقه شزرا ما لم يحسن التصرف! وكيف تحسن التصرف فوق؟ لا شيء، فقط أظهر الحب والاحترام والامتنان لتلك النعمة، أرز الرب. أفف بسيطة فالأرزات تسكن الضلوع، والاحترام الفائق موجود، والرهبة أساسا لا تبارح الشعور ما ان يطل علينا أول شلح أرز يتناهى من بعيد، من بين أعمدة المرسح.

أهلا بربكن، لن تسمع إلا هذه الكلمة هناك، هي امتياز أهل المنطقة، والامتياز يبدو انه يتعمم بحيث صارت العبارة كلمة شائعة عند أهل الجبال خصوصا، هل من المعقول أن تحفظ شاكيرا تلك العبارة وترددها بعد إقامتها في لبنان لكم يوم؟ «دخيل ربها شاكيرا أيشا حلوة» يقول بشراوي من شباب التنظيم، والحلوة اللاتينية المنشأ الزحلاوية الأصل، هي الفنانة العالمية الأولى من هذا المستوى التي يستقبلها مهرجان الأرز، وهي المرة الثانية التي تأتي فيها الى لبنان، والمرة الأولى التي تغني فيها في بلدها الأم. لم يكن مستحيلا إقناعها بالمجيء الى لبنان للغناء، وخاضت المفاوضات معها مراحل متعددة، ولم تقتنع إلا حين تأكدت ان الوضع الأمني يسمح لها بالمجيء «وبس اقتنعت إنو أمنيا ما في خطر قبلت تشارك بالمهرجان، صحيح عندها شروط شوي صعبة نظرا لأنها فنانة عالمية لكن كنا على تواصل دائم مع مكتبها، ويوميا كنا نضعها بتفاصيل التحضيرات حتى تكون راضية ومرتاحة»، تقول منى سكر المسؤولة الإعلامية في لجنة مهرجانات الأرز الدولية.

طالبت شاكيرا بالكثير، ولكن الكثير لم يكن من الصعب على اللجنة تحقيقه، والكثير يتضمن مجيء العائلة معها، أولا أولادها وتخصيص غرفة وروضة أطفال لهما في خلفية المرسح إضافة لجناحها بطبيعة الحال، إضافة الى تخصيص مكان خاص لأهلها، كما طالبت التنقل من المطار الى الأرز بالهليكوبتر كي لا تتعبها المسافة الطويلة من جهة، وللناحية الأمنية من جهة أخرى، كما طالبت شاكيرا بألا تكون إقامتها في فندق إنما في منزل مريح، كي لا يعرف الجمهور مكان إقامتها وتتعرّض للملاحقة، وهذا ما حصل، إضافة الى بعض الشروط الفنية المتعلقة بتجهيزات المرسح، وهنا تولت شركة ICE  المهمة كأفضل ما يكون وقلبت المرسح رأسا على عقب «شو صاير هون ليش هالمرسح بالمقلوب؟» يضحك الشباب العاملون في شركة ICE المنظمة للاحتفال، «لأ مش بالمقلوب إنما غيّرنا موقع المسرح والمقاعد تـ نقدر نستوعب 14 ألف شخص بحفل شاكيرا». عدد هائل من الناس فكيف سيستوعب المكان كل هذا؟ «استحدثنا مساحات إضافية، فبعدما كانت مساحة المسرح بالسنوات السابقة نحو ستة آلاف متر مربع، هالسنة تجاوزت الـ 11 ألف متر وزدنا عليه عشرات الشاشات على الجوانب وحتى بأرض المسرح إضافة للتقنيات الصوتية والضوئية العالية جدا جدا ليكون المطرح من مستوى استعراض شاكيرا» يقول إيلي زيدان.

والمرسح إياه لن يبقى على حاله لحفل السيدة ماجدة الرومي، إذ ستنتقل المقاعد الى الجهة الثانية المقابلة للغابة، وستلغى الإضافات التي وضعت لحفل شاكيرا نظرا لأن الجمهور المشارك في الحفل الأول غالبيته وقوفا، بينما حفل الماجدة يتسع لنحو أربعة آلاف جميعهم جلوسا، إنما تبقى التقنيات هي نفسها، علما ان حفل الماجدة سيكون مختلفا إذ يتضمن تكريما خاصا لمواقع لبنانية أثرية مدرجة على لائحة التراث العالمي وهي، وادي قاديشا وأرز الرب، جبيل، صور، عنجر وبعلبك، وذلك من ضمن أوبريت من تأليف الشاعر نزار فرنسيس وتلحين الموسيقي المبدع ميشال فاضل.

إذن هنا عند المرسح، على سفوح ذاك الجبل المهيب، عند تلك الأرزات التي لا شك لا شك، وأكاد أقسم بذلك، أنها ترى وتشعر وتراقب كل اختلاجاتنا حين نزورها، أكاد أقسم أن فيها ما فيها من روح الإنسان وبعض كثير كثير من أنفاس الرب فيها، وهي تراقب ما جرى ويجري بدقة، وهنا كل شيء جاهز لاستقبال العرس، أهل القضاء يعتبرونه كذلك، وأهل بشري تحديدا يعتبرون ان العرس في بيتهم وليس أقل من ذلك «الست عملت إعجاز بهالمهرجانات، دخل قلبا والرب يحميا» تقول بشراوية حين تتحدث عن النائب ستريدا جعجع، رئيسة لجنة مهرجانات الأرز الدولية. «من أربع سنين صرنا ننطر المهرجان وكأن عنا عُرس بالبيت» تقول، ومنذ أربعة أعوام، تاريخ عودة المهرجان من غياب خمسين عاما، تحوّل قضاء بشري الى خلية نحل مذهلة، في الوجوه انتظار ما، في العيون شوق الى ليال اسثنائية تجتاح المكان، الذي على رغم المسافات الكبيرة يصبح الأقرب الى لبنان، وحتى الى الدول المحيطة بنا حين يتحوّل الى نقطة لقاء فني ثقافي هو الأجمل في ليالي لبنان.

كل شي هنا يقول إن القضاء برمته في حال الطوارئ، انطلاقا من البلدية والقطاعات السياحية كافة وصولا الى القرى. منذ الإعلان عن المهرجان حتى اكتملت حجوزات الفنادق، «وصرنا ننصح الناس يحجزوا بإهدن وزغرتا وهالمناطق لأن ما عاد في غرف بالقضاء» يقول جوزف لبّس نائب رئيس بلدية بشري. البلدية التي كانت أعلنت عبر رئيسها فريدي كيروز عن سلسلة إجراءات لمواكبة الحدث الكبير، جهّزت رحلات سياحية خاصة للقادمين الى المهرجان، ونشرت شرطة سياحية لمراقبة الأسعار في المطاعم والفنادق والقطاعات السياحية كافة، إضافة الى التواصل المستمر مع الأجهزة الأمنية للحفاظ على أمن المواطنين قبل وفي خلال المهرجان. واستيعابا لهذا العدد الهائل من الوافدين في الليلة الأولى تحديدا، كانت لجنة المهرجانات وبالاتفاق مع البلدية، استحدثت مواقع إضافية وجهزتها كمواقف موقتة للسيارات وفي اتجاه واحد تسهيلا للمرور وبسلاسة من دون تعقيدات للباصات والسيارات “والناس تجاوبت معنا بشكل كبير لأن الأرض هي من ضمن من أملاكهم أساسا، لكن قدموها لنا لفترة المهرجان بالمجان ونحن تولينا تجهيزها لتكون منبسطة لاستقبال السيارات» يقول وليام منسى.

تجلس الى مقهى في بشري، تنظر من رصيف المكان «شو في تحت؟»، «هيدي وادي قاديشا بس مش تحت، صحيح وادي بس دربها طلوع متل ما بيقول القديس شربل دخل قلبو» يجيب صاحب المقهى. تنظر لفوق، لا يمكن ان تفعل، النظر الى الأرزات من بعيد كمن يتسلل الى غرفة نوم الرب، تستحي، تشيح النظر «سبحان الخالق على هالمنظر، مش معقول المرسح شو مبين حلو بس زغير كتير من بعيد مع إنو شاسع من قريب» يبتسم الشاب «ليكي إختي كل شي زغير حد الأرزات هيدا بيت ربنا». صحيح والى بيت الرب تتجه أنظار العالم، بحيث طلبت محطة ال CNN من اللجنة السماح لها بتغطية مقتطفات من حفل شاكيرا الذي لن ينقل مباشرة على هواء الـMTV اللبنانية ولبّت ستريدا جعجع النداء، كما أبدت محطة «العربية» اهتماما خاصا بالمهرجان وأجرت مقابلات مع رئيس بلدية بشري والمسؤولة الإعلامية للجنة المهرجانات.

إذن يصدر هذا المقال، وتكون شاكيرا التي وصلت لبنان مساء الخميس، قد أنهت حفلها ليل الجمعة ويبقى حفل الماجدة للثامن والعشرين من تموز، وما بينهما سيكون لقاء لعشاق المونديال لحضور أخر مباراتين لكأس العالم، إذ سيفتح المكان مجانا لحضور المباراة الحاسمة عبر الشاشات العملاقة الموجودة، بحسب قرار لجنة مهرجانات الأرز الدولية، وليستفيد أهل القضاء من التقنيات الموجودة للتمتع بالمونديال. وخلال هذه الأيام الفاصلة، ستتواصل الاستعدادات للقاء صوت لبناني عريق بأصالته حيث يتناهى صوت الماجدة، تلك الأرزة من فروع لبنان، لتنهي ليل المهرجانات ولتبدأ معها استعدادات للصيف المقبل منذ لحظة إسدال الستارة، وليذهب الأرز ليرتاح ليلة وليستعد لليال جديدة لا تقل ألقا عما سبقها.

«نحنا قاعدين بحضور الرب بالغابة وحضورنا لازم يكون مليان من هالعبق» قالت مرّة ستريدا جعجع، تلك السيدة العنيدة في سعيها ليكون المكان منارة دائمة، كما في الإنماء كذلك في الثقافة والفنون، ووصلت العنيدة الى مبتغاها، وجعلت المكان قبلة الإنسان أولا، وشعاعا من حضور مدوٍّ للثقافة والفن العالمي واللبناني الراقي، وقامت بما يجب ان تقوم به الدولة بالأساس، إذ كرّمت الأرزة مرارا وتكرارا، وها هي تكرّم في المهرجان مواقع سياحية لبنانية للمرة الأولى في تاريخ المهرجانات.

نترك الأرز ولا يتركنا، أرفع يدي، من يدري قد ألمس السماء، السماء فوق قريبة، قريبة جدا، أغمض عيني لأرى بعضا من لبنان الموغل في ظلامه السياسي، «طولي بالك يا بنت، بعدو أرز الرب أخضر وربنا فوق عم يتمشى»، أطمئن وأعرف ان أرضنا منذورة للوقف، منذورة للحلم لذلك يبقى لبنان…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل