
.jpg)

.jpg)
.jpg)

كتب رالف شربل في مجلة “المسيرة”- العدد 1690:
نسمع كثيرًا عنها… في كل مكان يتحدثون عن عظمتها وعراقتها والإرث الكبير الذي تركته.. إنها روسيا العظمى التي تستقبل أكبر عرس عالمي للمرة الأولى.. وصلت إلى العاصمة موسكو في 26 حزيران الماضي مع مجموعة من الأصدقاء الذين يشاركونني شغفي بكرة القدم، لكنني لم أدرك حينها أن تلك الرحلة ستبقى في داخلي إلى الأبد لما حملته من ذكريات لا تنسى.
التدابير الأمنية كانت مشدّدة من المطار مرورًا بالملاعب، وصولًا إلى تجمعات الجماهير.. روسيا كسبت الرهان ضد الإرهاب.. كل من كان في روسيا كان مرتاح البال نظرًا للانتشار الكثيف لرجال الأمن والتفتيش الدقيق في كل الأماكن المكتظة بالجماهير.. أما بالنسبة للتنظيم داخل الملعب وحوله، فقد كان ممتازًا بفضل المتطوعين اللطفاء وكثرة المداخل الى الملعب، ما يحد من الالتحامات والزحمة..
لا يمكن إلا أن نتوقف في هذا المونديال أمام سهولة التنقل من خلال المترو الذي كان يشهد أجواء مونديالية رائعة، فالجماهير لم تكن تتوقف عن الغناء والتشجيع.. وعلى ذكر المترو، أكثر ما يلفت الانتباه اللوحات الفنية التي تزيّنه، ما يعكس مدى حب هذا البلد للفن والإبداع… روسيا، بلد الفلاسفة والقياصرة والحسناوات.. الطرقات نظيفة ووسائل النقل متوفرة والشعب لطيف وودود والمطاعم مناسبة والأسعار جيدة والأجواء رياضية بامتياز.. بإختصار، كل شيء على ما يرام لتمضية أفضل أسبوع مع الأصدقاء..
لقد شاهدنا في يومنا الأول لقاء الدنمارك وفرنسا في ملعب لوجنيكي الشهير.. لسوء الحظ، لم تكن المباراة على مستوى الطموحات، وانتهت بالتعادل السلبي.. لكن التعويض لم يتأخر، ففي اليوم التالي شاهدنا في ملعب سبارتاك مباراة جميلة جدًا بين المنتخب الصربي الصلب ونظيره البرازيلي المرعب. بالمناسبة، إنّ الجماهير البرازيلية هي الأكثر حضورًا في هذا المونديال..
نسمع كثيرًا أنّ في البرازيل كرة القدم مختلفة عن باقي البلدان.. ربما اعتقد البعض أنّ في الأمر مبالغة، ولكن عند مشاهدة الجماهير البرازيلية المتيمة بحب منتخبها وبعشق كرة القدم عن كثب، لا يمكن إلا تثبيت هذه النظرية.. لم تكف جماهير «السيليساو» عن الغناء والتشجيع حتى سجل باولينيو أول أهداف تلك المباراة، ليحدث زلزال في المدرجات.. تكرر المشهد في الشوط الثاني عندما سجل تياغو سيلفا الهدف الثاني برأسه، لتتزعم البرازيل مجموعتها وتتأهل إلى الدور الثاني، وسط إحتفالات كبيرة للبرازيليين في الملعب وخارجه وفي الطرقات وفي المترو وفي المقاهي.. من أبرز الأغاني التي كانت ترددها جماهير «الأوريفردي»، أغنية «ميسي تشاو» على لحن الأغنية الشهيرة «بيلا تشاو». لكن في نهاية المطاف، غنت البرازيل مع ميسي «تشاو» بعد خروجها أمام بلجيكا في ربع النهائي.
في موسكو، ومن خلال متابعة كل المباريات، لا بد من التوقف عند الروح الرياضية المهيمنة على الأجواء والمنافسة، فشتان بين ثقافة التشجيع في المونديال وثقافة التشجيع في ملاعبنا في لبنان، شتان بين الإنفتاح وتقبل الإختلاف والإنغلاق والتعصب الأعمى.. على اللبنانيين التعلم من هذه الأحداث الكبيرة التي تسودها الروح الرياضية على الرغم من المنافسة المحتدمة.
خلال مباراة صربيا والبرازيل، خطف الأضواء أحد الأصدقاء اللبنانيين الذي ارتدى قميص المنتخب الأرجنتيني ورفع علم «الألبيسلستي» أمام أعين الحشود التي كانت تؤازر البرازيل، واللافت في هذا المشهد أنّ الجماهير البرازيلية راحت تمازحه وتصوّرت معه بدل من أن تهاجمه وتنهال عليه بالشتائم، الأمر الذي كان ممكنا أن يحصل في لبنان…
تكرر المشهد الحضاري في المباراة الثالثة التي شاهدتها بين روسيا وإسبانيا في الدور ثمن النهائي والتي شهدت أكبر مفاجآت الدور الثاني، إذ تمكن الدب الروسي من إقصاء الماتادور الإسباني أحد أبرز المرشحين للظفر باللقب، بعد مباراة ماراثونية حسمت بركلات الترجيح لصاحب الدار والضيافة. قبل المباراة وخلالها وبعدها، بقيت الروح الرياضية سيدة الموقف ولم تسجل أي مشاكل بين جماهير المنتخبين. لكن بعض المشجعين الروس بالغوا في شرب الكحول وكانوا في حالة سكر شديد بعد المباراة التاريخية، ما أدى إلى مشاكل بين جماهير الصف الواحد في الطرقات نجمت عنها بعض الإصابات، وأذكر أن أحد المواطنين الروس جلس إلى جانبنا في المترو بعد المباراة وكان الدم يسيل من وجهه.
كانت روسيا تنبض بكرة القدم، فقد زرنا أيضًا متحف الفيفا الخاص بكأس العالم في موسكو واستمتعنا بمشاهدة بعض المباريات في «الفان زون» حيث تجمعات الجماهير وفي المطاعم وكانت هناك مسابقات رياضية بين الجماهير خلال النهار في أماكن عديدة… كان الجميع في روسيا يتحدثون لغة واحدة، لغة كرة القدم التي وحدت الشعوب وغيّرت مصير البشر وسمحت لبلدان صغيرة أن تصبح على كل لسان..
شكرًا روسيا على هذا النجاح الباهر في التنظيم والاستضافة.. شكرًا كرة القدم على كل المشاعر والأحاسيس والشغف والعبر والدروس.. بعد هذه الرحلة إلى المونديال يمكن التأكيد أنك تستحقين لقب «الساحرة المستديرة»..
في الثالث من تموز، حان وقت العودة الى لبنان. ولكنك تبقى أسير هذه الأجواء وهذا العرس العالمي وكأنك لا تريد أن تتحرر منه. إنه حلم ممتع تتمنى أن تعيشه وتبقى فيه. ولكنك في النهاية تعود وفي داخلك صور لا تفارقك وتمنيات بأن يأتي اليوم الذي تذهب فيه لمشاهدة المونديال لتشجيع لبنان. إنه حلم.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]