وسكتت أصداء الملاعب بعد أن أسدل مونديال المفاجآت ستاره، مزيّنًا قميص المنتخب الفرنسي بنجمة ثانية، استحقّها بعد أن تفوّق على المقاوم الكرواتي الّذي استحقّ وبجدارة، لقب البطل الحقيقي وتربّع على عرش القلوب شعبًا ودولة.
منتخبات تقليديّة بنت قاعدتها الجماهيريّة على أمجاد الماضي، ومنها من حزمت أمتعتها حتّى قبل انطلاق البطولة. لم يبقَ من أدائها سوى اللّقطات المصوّرة الّتي تستعاد في غرف التّدريب المغلقة، فيُقيّم مستوى اللّعب، وتُراجع الأخطاء، وتُدرس كلّ نقاط القوّة والضّعف عندها وعند الخصوم، لوضع استراتيجية جديدة تعبّد طريق مونديال قطر المنتظر عام 2022، في محاولة جديدة لاستعادة ثقة جمهورها وفرض ذاتها على أنّها الأقوى.
وكم تحمل كلمة الأقوى من معان، خاصّةً عند اللبناني. فهو بطبعه ميّال إلى تشجيع المنتخب صاحب الماضي القوي حتّى يخفي الضّعف الّذي يتخبّط فيه. يعيش في بطولات بيليه ومارادونا ورونالدو، وباقي الأسماء الّتي كتبت أسطورة كرة القدم، وينسى الحاضر، فيشيح بنظره عن معسكرات تدريب منتخبات فتيّة، تعمل جادّة لتستحقّ الكأس.
يتعلّق المشجّع اللبناني بالوهم، فتأتي صفعة الواقع مؤلمة.
وكما في الكرة، كذلك في السّياسة.
أحزاب وتيّارات تتقاسم السّاحة السّياسيّة اللبنانيّة، معظمها لم ينجح إلّا في رفع الشّعارات.
عقود من الزّمن ولّت، وعقود ستطلّ، ورايات الإصلاح والحماية ثابتة، رغم أنّ من يرفعها هو نفسه من يملك قرار التّغيير والبناء، غير أنّه يعمل لمصلحته الخاصّة، مؤمنًا بأنّ جمهوره يعيش في أمجاد ماض غابر، ولا نيّة لديه بالسّفر إلى الحاضر ومحاسبته على أدائه. فتستمرّ دوّامة السّقوط والفساد، ويتفشّى اليأس والإحباط، فيتمسّك اللبناني بخيط أمل رفيع يقود إلى طريق المطار بحثًا عن مستقبل آمن له ولعائلته، ولكنّه يبقى على وفائه لزعيمه المرتقي إلى مصاف الآلهة رغم كلّ فساده.
وكما في الكرة، كذلك في السّياسة.
فالعام 2022 سيكون عام الاستحقاقات الأكبر، وسيكون اللّبناني في مواجهة مع خياراته.
من المونديال إلى الانتخابات النّيابيّة والبلديّة والرّئاسيّة.
فهل سيتعلّم اللّبنانيّون من التّجربة الكرواتيّة، فيوصلون إلى السّلطة ومراكز صناعة القرار من يستحقّ فعلاً أن يؤتمن على مصير الوطن ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم؟ أم أنّهم سيبقون أوفياء للذّكريات والأوهام والأحلام المستحيلة، فيجدون نفسهم جمهورًا مخذولاً يبكي على الأطلال، حيث لا ينفع البكاء والنّدم؟