“المسيرة” – أزمة القروض السكنية تابع… بعد تعثّر الشركات إلغاء أعراس وهجرة

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة”- العدد 1690:

الأسبوع الماضي، أصدر رئيس مجلس الإدارة – المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان روني لحود، مذكرة داخلية، طلب فيها «وقف قبول أي طلب قرض سكني جديد إعتبارا من يوم الإثنين في 9 تموز الحالي وحتى إشعار آخر». وذكر المكتب الاعلامي للمؤسسة، أن «الإجراء الذي اتخذه مجلس الإدارة في آخر اجتماع له، جاء بعدما لاقت بعض المصارف صعوبة في الموافقة على جميع طلبات القروض السكنية المستوفاة كامل شروط بروتوكول التعاون الموقع بين المؤسسة وجمعية المصارف، ولجوء أخرى الى الإستنسابية في التعاطي مع المقترض. ليس الأمر جديدا بالطبع، ولكن التداعيات المتوالية لأزمة توقّف القروض المدعومة باتت تنذر بعواقب قاسية وسط ضيق منافذ الحلول…

قرار المؤسسة العامة للإسكان ليس مفاجئا بالطبع، بعد المسار الذي سلكته المسألة منذ فترة غير قصيرة… منذ تعثّر تأمين التمويل لتغطية القروض، وانعدام الحلول العملية والدائمة لهذه الأزمة المتمادية، والتاركة أثرًا كبيرًا على المجتمع والإقتصاد. من هنا مضاعفة المسؤولين جهدهم بحثا عن مخارج ممكنة وناجعة لأزمة باتت أكبر مما تصوَّره البعض، عندما بدأت تطل برأسها من أكثر من مكان.

اليوم وبعد حوالى السنتين على تفاعل الأزمة واستفحالها، ثمّة تداعيات جديدة تظهر، وثمّة مخاوف من تطور الوضع إلى أسوأ مما هو عليه الآن. صحيح أن محاولات تدارك الأزمة تُسابِق بوادر انفجارها، لكن الطريق ليس سهلًا والأمل ليس كبيرًا، كما يقول متابع لهذه المسألة ومعني ببعض ظروفها. ويتابع: «العلاجات الموضعية لا تكفي سواء في هذه الأزمة أو في غيرها، بل المطلوب حلولًا جذرية لمجموعة مترابطة من الأزمات التي إن لم تجد طريقها السريع إلى الحل، فستكون للأمر مخاطر يصعب تداركها بعد حين».

من العقاري إلى الإجتماعي

دارَ كلامٌ كثير عن تأثير أزمة القروض الإسكانية على القطاع العقاري وبقاء مئات آلاف الشقق فارغة تنتظر المشترين، الذين ينتظرون القروض المدعومة، التي تنتظر بدورها حلا لها لم ينضج بعد. لكن في الواقع وبعد تطور الأمور نحو الأسوأ، لم تعد المسألة عقاريةً فقط على الرغم من وطأة الجمود في القطاع العقاري على الوضع ككل، بل تحوّلت إلى مسألة إقتصادية وإجتماعية وإنسانية قاتلة ومنذرة بخطر كبير.

وبعدما كانت التداعيات مقتصرة على حركة البيع والشراء، وأسعار الشقق، وجمود أو تراجع نشاط البناء مع ما لذلك من أثر على المطورين والقطاعات المتصلة، وتصل إلى 32 قطاعا ومهنة، توسّعت اليوم لتطال حالات إجتماعية من مؤشراتها إلغاء أو تأجيل العديد من حفلات الأعراس التي كانت تضج بها سابقًا أشهر الصيف وتضيق بها حدائق الإحتفالات.

فإضافة إلى الأسباب الإجتماعية والإقتصادية الأخرى المتعددة وغيرها طبعا من العوامل المؤثرة، لعبت أزمة القروض الإسكانية دورا مهما في تأجيل أو إعادة النظر في العديد من قرارات الزواج. ويقدر المتابعون وصول نسبة الزيجات الملغاة أو المؤجلة إلى 30 في المئة مما كان مقررا لهذا الموسم. علما أن الزيجات في شكل عام لهذا الصيف هي أقل بفارق لافت مما كانت عليه في المواسم الماضية. ولهذا الأمر أيضًا أثر اقتصادي نظرًا لما يتصل بهذه الاحتفالات من قطاعات وما تضخه في الاقتصاد.

الخطورة في هذا الواقع أنه نقل الأزمة من نطاقها العقاري البحت إلى الأثر الإجتماعي. فحالات تأجيل أو إلغاء قرارات الزواج ليست مجرد قرار عادي كالقرارات المهنية، بل لها نتائج نفسية على الثنائي الذي انهارت أحلامه وتغير مجرى حياته. وبحسب علم النفس فإن عددا ولو قليلا من هؤلاء يستسلم للحالة ويتملكه اليأس من الواقع ما يدفعه إلى تصرفات غير محسوبة. في المقابل هناك من يقرر السفر بعد ضيق الأحوال في لبنان، وقرارات الهجرة المتزايدة هذه تشكل نزفا للطاقات اللبنانية الشابة والخبيرة ما يُحدث خللا في هرمية المجتمع ويُفقد النهوض المنتظر مقومات انطلاقته. وذلك عدا عن تشتيت العائلات وزيادة الإحباط في وطن تتراجع البقية الباقية من المؤمنين بقيامته وازدهاره.

على خط المعالجات

المسألة ليست متروكة بالطبع، لكن لا حلول سحرية يقول رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للإسكان روني لحود. وهو لم يألُ جهدا لتأمين التمويل المطلوب وإعادة العمل في المؤسسة إلى طبيعته. وفي هذا الإطار قام بجولات على المسؤولين الرسميين لوضعهم في صورة الوضع القائم ولحثهم على الإهتمام الجدي بهذه المسألة. وفي هذا الإطار كان وزير الشؤون الاجتماعية النائب بيار بو عاصي قد التقى عددًا من المسؤولين وتقدّم باقتراح حل لهذه الأزمة، أيّدته جمعية مطوّري العقار في لبنان (REDAL). إضافة إلى اقتراح القانون المعجّل المكرر الذي أعدّته كتلة «المستقبل» النيابية لحلّ أزمة قروض الإسكان المدعومة واعتماد صيغة مستدامة تكفل استمراريتها. لكنها شددت على ضرورة توفير سلسلة تحفيزات تتيح إنعاش القطاع العقاريّ قبل فوات الأوان.

أما الحل الذي يجري العمل عليه فيقوم على فكرة الإعفاء الضريبي للمصارف مقابل دعمها فوائد القروض، وهي أحد الحلول التي يؤمل أن تؤمّن الإستمرار في دعم القروض من دون تحميل المالية العامة أية أعباء. وفي هذا السياق أوضح منسق التحالف العقاري اللبناني مسعد فارس أن «هذه الصيغة التي كانت الجمعية دعت مرارًا إلى اعتمادها، مطبّقة في اقتصادات عدّة، وهي تشكّل مخرجا لمعالجة هذه المسألة البالغة الأهمية اجتماعيًا واقتصاديًا». لكنه شدّد على ضرورة «أن يكون هذا الحلّ محصّنًا بالشروط الواضحة التي تتيح الإفادة منه لذوي الدخل المحدود والمتوسط، لأن الطبقة الوسطى تُعتَبَر أساس نمو الأقتصاد».

قرار المؤسسة العامة للإسكان يقضي بوقف قبول الطلبات الجديدة، لكن ماذا عن القروض المقدمة سابقًا؟

رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للإسكان روني لحود لفت إلى أن كل الطلبات القديمة لن تتوقف، لكن لن يتم قبول طلبات جديدة لأن القروض السكنية المدعومة من مصرف لبنان متوقفة حاليا، كاشفًا أن قرار إيقاف الطلبات الجديدة يخدم بتّ الملفات القديمة، لأن هذه المسألة اجتماعية والتمييز فيها غير مقبول. وأكد أنه سيتم البحث عن مصادر تمويل جديدة، ومواصلة العمل على أكثر من مستوى لإيجاد حلول تعيد العمل بالقروض السكنية، بينها اقتراح القانون المقدم إلى المجلس النيابي من كتلة «المستقبل»، والذي في حال صدوره سيكون حلًا مستدامًا. ويقضي الإقتراح بتمويل أو دعم الفوائد من وزارة المالية بدلًا من المصرف المركزي كما في السابق.

… وتوسّعت الأزمة

الواضح في هذه القضية الحياتية بامتياز، أن لا قروض إسكانية مدعومة في المدى المنظور. أما غير الواضح فهو سبب تبدد الكوتا المخصصة للقروض المدعومة والمخارج الواقعية لحل الأزمة، إذ لا تزال أكثر من جهة في هذا الملف تتقاذف المسؤولية، بين مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان ومصرف لبنان والقطاع المصرفي. فالمصارف التي كانت المتكأ الأمين والمحرك الأساسي للقطاعات، بات بعضها متهما بنظر خبراء عقار متابعين لمجريات القضية… لماذا؟ وكيف؟

يشير هؤلاء إلى أن هناك مصارف ولو معدودة، تقوم بممارسات وصفوها بأنها غير مقبولة في وقت يعاني السوق من شحّ التمويل المدعوم للقروض السكنية. واعتبروا أن قرار لحود موجّه بالدرجة الأولى إلى المصارف التي لم تستنفد مبالغ الدعم الممنوحة لها. فهناك مصارف امتنعت سابقا عن استقبال طلبات القروض المدعومة واحتجزت الكوتا التي حصلت عليها من مصرف لبنان لمصلحة زبائن معينين لتيسير أمور تجار عقارات متعاملين مع المصارف المعنية. وذلك بهدف حماية محفظة تسليفاتها العقارية في السوق، وتحقيق ربح على حساب مئات الطلبات العالقة.

من هنا يفسّر قرار المؤسسة العامة للإسكان بأنه يعكس المدى البعيد لأزمة التمويل العقاري سواء بين المصارف وتجار العقارات، أو بين التجار والزبائن، أو بين الزبائن والمصارف. وإذ اعتبروا أن الحلول تبقى دائما متاحة إذا صفت النوايا، أشادوا بما يقوم به لحود لتخطي هذه الأزمة، لكنهم استعانوا بقوله «ألا جديد في هذا الملف قبل تشريع القانون ولا بوادر حل قريبة. ولن يتمكن الشباب من التقدم بطلب للحصول على قرض سكني مدعوم حتى نحصل على دعم المصرف المركزي»، للقول أن الأزمة ليست عابرة ولا قريبة الحل خصوصا إذا طال تشكيل الحكومة المنتظرة.

وبانتظار تشكيل الحكومة، يرى الخبراء أنّ لا تمويل للقطاع العقاري. وطبعا ليست المسؤولية بمجملها على المصارف، فحتى القانون الذي يعوّل عليه البعض كحل للأزمة، يلزمه انعقاد الهيئة العامة لمجلس النواب، التي لن تنعقد مبدئيا قبل تشكيل الحكومة. وتلزمه دراسة في اللجان ونقاش. وفي الخلاصة، وهذا هو الأهم يلزمه توفُّر التمويل. فالمسألة كما يقول هؤلاء، هي في نقص التمويل لا في نقص التشريع. ويشيرون إلى أن البلد كله في أزمة وليس قطاعًا بعينه أو شريحة مجتمعية بذاتها. وهنا مكمن الخطورة في ما آل إليه الوضع نتيجة السياسات غير المدروسة من جهة والخفة بالتعاطي والصفقات من جهة ثانية.

ولذلك يترتب على المسؤولين أقله أمران: الإسراع في تشكيل حكومة تتمتع بكفاءات وبأعضاء ناصعي السمعة. والمبادرة فور تشكيلها إلى معالجة الملفات العالقة، الإقتصادية والحياتية والمالية، قبل استفحال الأزمة وبلوغها مراتب لا تعود تنفع معها المهدئات. فالمطروح اليوم ليس أكثر من مقترحات وأفكار، لكن يبدو ألا حل قريبًا يعيد الحياة إلى نصابها الصحيح… على أمل أن يستفيق المسؤولون، وأن تعود الأفراح في دياركم عامرة!.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل