انتهى المونديال. كمن يكتب ورقة نعوة عن فرح كبير انتهى! هو كذلك في مكان ما. كان شهرًا حماسيًا رائعًا، شهر الاثارة والتشويق والتزريك ايضًا. تحوّلت صفحاتنا الى ساحات حروب كروية ضارية لا تشبهها الا حروب السجال السياسي، بين مناصري الزعماء ومن كل الاتجاهات. انتصر شهر المونديال على كل ما عداه من الاحداث السياسية البائسة في البلد، كان شهر ابطال الكرة وان غاب معظمهم عن مشهد النصر النهائي، كان شهر “تلفزيون لبنان” بامتياز.
مونديال روسيا الـ2018، قلب مفاهيم البطولة رأسًا على عقب الابطال التقليديين، خسرت المانيا منذ البدايات معقول؟! غاب حارس المرمى الوسيم ايمانويل نوير عن المشهد ولحقت بقلب الصبايا هزيمة نكراء نكراء، ثم تبعتها الارجنتين وغاب ميسي مقبول؟! ثم البرتغال وراح رونالدو بزوم الخاسرين، ولم تتأخر البرازيل لتصعد الطائرة بعدما صار نيمار نكتة الـ”فايسبوك”، وتُوج نجم هوليوود بدل نجم الكرة لكثرة افتعاله الوقوع في ارض الملعب، وقلنا خي انتقمنا لالمانيا فلنشجع اذن الاقرب الينا، الام الحنون فرنسا، واذ بنا نذهب في اتجاه مغاير تمامًا بالانتماء الكروي، وما توقعناه اساسًا ولا حسبنا له حسابا على الاطلاق، اذ وجدنا انفسنا نذهب مسحورين الى كرواتيا، الى تلك الاوروبا الشرقية التي عمليًا لا يربطنا بها اي رابط عاطفي او ما شابه، ووجدنا حالنا منساقين اعجابًا بالفريق الكرواتي الرائع المناضل العنيد، وذاك الـ”مودريتش” الذي شبهه لبنانيون كثر بزياد الرحباني، واكثر بعد، وجدنا انفسنا مأخوذين بتلك الجمهورية الجديدة الناهضة في اقتصادها، واهم الاهم بتلك الرئيسة الرائعة كوليندا غرابار كيتاروفيتش، التي تحولت في ايام قليلة الى ما يشبه الايقونة، بعدما سلطت الاضواء على ما فعلته في موطنها ونقلت كرواتيا من جمهورية ضعيفة منهكة بالحروب، الى جمهورية قوية، اقتصادها هو من بين الافضل في اوروبا، وذلك بسبب حربها الشرسة على الفساد وسياسة التقشف التي اعتمدتها وطاولتها قبل سواها من مسؤولي الدولة. تحولت الرئيسة الى ما نريده ونحلم به هنا في لبنان ونتحسّر عليه، نحن الغارقون في محيط الفساد واللعنات والصفقات والفاسدين المتسلّطين، في حين رئيسة كرواتيا شفافة نظيفة الكف تكافح الفساد من دون رحمة لاجل بلادها، وتمنع الصفقات على حساب خزينة الدولة، وتذهب الى روسيا على حسابها الخاص وببطاقة سفر عادية، وبدل أن تجلس في منصة الرؤوساء بداية، تهرع لتقف الى المقاعد مع شعبها، ولولا اصرار ميدفيديف، رئيس الحكومة الروسية لما اتت لتجلس على مضض الى منصة الرؤوساء.
اذن تحولت انظار اللبنانيين الى الفريق الكرواتي الذي تجاوز العقبات كافة ليصل الى يوم اللقاء الكبير مع فرنسا، وليتوّج الفريق الازرق ملك الكرة العالمية على مدى اربعة اعوام. فرحنا مع بعض الشجن…او لنقل مع غصة حزن لخسارة الفريق الكرواتي خصوصًا انه صنّف فنيا بالافضل، لكن الحظ كان الى جانب فرنسا، واشتعلت باريس بالالوان والناس وكأس النصر الطيب، بينما هرعت رئيسة كرواتيا وعانقت متأثرة ابطال بلادها وكتبت على صفحتها “احسنتم وقاتلتم كالاسود…لقد كتبتم التاريخ…نحن فخورون بكم”.
وبعيدًا من حكايات الملاعب والتزريك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كان نجاحًا كبيرًا لتلفزيون لبنان، الذي نقل المونديال كأفضل ما يكون، واستقبل ضيوفًا متخصصين باللعبة طيلة شهر، ووضع المشاهدين عبر المقدمين والمعلّقين الرياضيين في الاجواء الكاملة للعبتهم المفضلة، وتحية لا يمكن العبور عنها للوزير ملحم الرياشي الذي فعل المستحيل لتأمين النقل المجاني للمونديال، ومع ذلك لم ينجو تلفزيون لبنان من نكات اللبنانيين اذ كتب احدهم “الى اللقاء تلفزيون لبنان بعد اربع سنين”!.
شخصيًا، بداية زعلت لخسارة المانيا، لكن في النهاية فرحت لكرواتيا، وحزنت كما كل اللبنانيين على حالنا! على حالنا بعدما تعرّفنا الى رئيسة استثنائية، وها نحن نطالب بمذكرة جلب بحق كوليندا لتكون في لبنان سيدتي الرئيسة، طالما الشرفاء في لبنان تُسد في وجههم الطرقات ويرفضهم الفاسدون في الحكم…



