البطريرك صفير… صكّ بين الفكر والوطنية

(بمناسبة إطلاق طابع بريدي يحمل إسمه وصورته)

 

ليس غريبًا أن تُصنَّف بكركي حاضنة النخبة، فهي لا تشرّع جنّتها إلاّ للذين أدمنوا على امتشاق التميّز، هؤلاء الذين جُرأَتُهم كالنّصل الذي لا ينكسر. من هنا، تفرّدت بكركي المشدودة دائمًا الى الضّوء، بدعوتها الدائمة الى الحق، والحق هو أعظم الهبات وعمود النّظام.

 

مار نصرالله صفير الذي لامست فلسفة اللّاهوت معه لاهوت الفلسفة، صاغ في لاهوتيّته آيات، فكان له من عظيم نعمتها تجوال في فلذات العقيدة. كان مدرسة وقع حبُّها معنا في عاطفتَين، هما إِحترام مسلكيّته الخلقية والتشبّه بجذوة وطنيّته التي لم يقع مثلها إلاّ في النّدر. وهما عاطفتان أضرمتا قوّة شغفنا به، حيث أنّنا لو سُئلنا عن تحديد علوّ محلّه، لَعَجزنا عجزًا مُبينًا. فتوصيف فواضله مهما كان سخيًّا، لا يقدر على أن يدلّ على خَواص الصّفاء، هذه التي تتجاوز معه عوارض المادة لتبلغ أجزاء الرّوح.

البطريرك صفير، الذي طوّق به عنق الوطن، لم يكن يومًا مائل الرأس، وهو الدَّقيق المُتأَنّي، والذي تَحسب لفكره حسابًا. فالإجتماع به يكون دومًا طَليَّا بحديثه، شيِّقًا بوداعته، واعدًا بما ينشر من آمال، وهي آمال لن تتوقّف حركتها، ما دامت هِمَّتُه غذاءها الأَطيب، وتتمنّى الأفضل.

 

يا سيّدنا، ايها الذهبيّ الفم، انت المتشبّث بالله حقيقة مطلقة، والمتسربل بأثواب المحبة أرقى الفلسفات، من هنا التوأمة الحتمية بينك وبين القمم. نَجيئك وفي أيدينا مصابيح تُضيء، لن يشحّ زيتها لأنّ المؤونة معها عظيمة. فأنت بالمحبة احتضنتنا، لأن المحبة نور لا ظلمة فيه ابدًا، وبالحكمة رعيتنا، لأن تحصيل الحكمة خير من اللآلئ.

انت سيّد القلوب قبل أن تكون سيَد الصّرح، لأنك نكهة من زمن الخير، جعلت جوَّنا أطيافًا لسماء، وأشعلت الجذوة المقدسة في رفرفات قلوبنا التي بك تفرح، وكأنها ترى الربيع لأول مرة. لقد علمتنا ان نسبّح دومًا، لنبقى معقودين على تلقّي نعمة ربّنا، هذه التي يتحوّل معها الطّين الى جسد، فندمن على حبّنا لله، ولا نسير إلاّ في الطريق الموصل إليه.

 

اليوم، وإذ عادت حلقتُنا معه الى الإلتئام، نراه، كما دائمًا، كبير القلب ووردة في زهريّة القداسة ولكن، إعلَمْ يا سيّدنا، أنّ الورود معنا تحيا أَبعد من سحابة صباح، لأنّ عطرها يبقى في نبضنا على رغم الصقيع والمطر. فيا سيّدنا، أنت تخاطب القلب والوجدان بدعوات الرَّجاء التي صغتها سُوَرًا تماثل ترتيلات المُتدَيِّنين، وهي رسوم مفضّضة خلابة تلتمس إيقاظ الجمال والحق والفرح في الإنسان.

 

يا سيّدنا، أنت من الألى الذين لم يشاءوا أن يكون الوطن جولة قلب بين سنابل الدّموع، وشعاعًا ملوِّنًا للشعور المتكئ على نصال الحزن.  الوطن في عمق عَصَبك جوع الى وجود، أو هو خشية من ضياع يقطّع النّفس. إنه معك دِين ينبغي أن يؤمن به أهله في طاعة وخشوع، وأن تكون لهم في هياكله سُنن وطقوس لم يَقطع رأسها نَصل الخيانة. الوطن معك مِلَّةٌ يجب ترَويض اللبنانيين على ترنيماتها جَهرًا، ليتشابكوا بها ولا انصرامٌ، ما يمهِّدُ لهم سبيلاً للتعلُّق به، وعدمِ الشكِّ بوصيّته، لعلَّهم يهتدون.

 

يا سيّدنا، الطّابع ليس وسامًا، قيمته أنه يحمل رسمك واسمك. إليك تهانينا القلبية، حتمًا بعد تقديم فرط الأشواق الى تقبيل أياديك المقدّسة في هذا الوقت المبارك.

طابع بريدي تخليدًا لبطريرك الإستقلال الثاني

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل