Site icon Lebanese Forces Official Website

ارحمولنا البروتوكول

يستحمّ بسرعة على ضوء الشّمعة وبـ”الكيلة”، في مياه مسخّنة في برميل غلي ما زالت أمّه تحتفظ به لأنّه “نقوط” عرسها من أمّ فارس. يرتدي ملابسه الّتي اشتراها في البازار، ويقود مسرعًا سيّارته الجديدة المرهونة لأمر البنك نحو ذلك المقهى الفاخر للقاء صديقته الّتي لا تقلّ عنه بريستيجًا، والمفعمة بالثّقة بالذّات، لأنّها تدرك بأنّ ارتداءها لسكربينة أختها المتناسقة مع حقيبة يدها التّقليد، لن يفضح جينزها الّذي اشترته في “البلاك فرايداي”.

يتأمّلان قائمة الطّعام ويرسو الاختيار على السّلطة والبطاطا والبيتزا. فباقي ما يرد أمامهما من أصناف وكأنّه مكتوب بالسّنسكريتيّة ولا شيء فيها يشبه مجدّرة الماما. ولكنّهما يتقنان الأصول والإتيكيت. الشّوكة والسّكين وأحاديث تستعرض فيها قدراتهما اللّغوية.

بلباقة يطلبان من النّادل أن يلتقط لهما صورة يتباهيان فيها أمام الأصدقاء على مواقع التواصل الإجتماعي، طمعًا بلايكات وتعليقات تستر عيوب واقعهما المرّ، فيختبئان خلف الهاشتاغ الأكثر تداولاً في لبنان والعالم في محاولة لإثارة إعجاب العدد الأكبر من المتابعين، حالمين بأن يتربّعا على عرش الكياسة واللّياقة والآداب والأصول، فيكونان من فريق سفراء الصّورة الراقية والجميلة لبلدهما.

وعلى قاعدة في بيت أبي ضربت، يتلقّيان الصّفعة الأكبر. فصورة لإحدى الشّخصيّات الرسمية تُظهر مخالفة واضحة للبروتوكول والإتيكيت، تتصدّر التراند.

وما بين انتقاد صاحب الصورة والتّعليقات التي ترافقها، ضاعت صورتهما وللأسف، ضاعت أيضًا أهمّ قاعدة في البروتوكول: لا نيابة في التّمثيل. فممثّل رئيس الجمهوريّة، على سبيل المثال لا الحصر، لا يجلس مكان الرّئيس، وإن كان طامعًا بالوصول إلى كرسي الرئاسة، بل يجلس حسب موقعه ورتبته.

فيا أهل الخير، نحن شعب يحبّ البريستيج والأصول، ولو بالدّين… فارحمولنا البروتوكول.

ألا تكفينا صور المقالع والكسّارات الّتي تقضم جبالنا؟ ألا تكفينا صور أنهر النّفايات والبحار الملوّثة؟ ألا تكفينا فضائح الفساد والاتهامات المتبادلة؟ ألا تكفينا الضرائب والبطالة والفقر والجوع والعوز؟ ألا تكفينا نظرة المجتمع الدّولي لنا؟

إذا أنتم لم تكتفوا، فإنّ الشّعب اكتفى.

لقد اكتفى من تجاوزاتكم وانتهاكاتكم المتكرّرة لأبسط حقوقه. لقد اكتفى من أخبار رحلات استجمامكم على حسابه. لقد اكتفى من رؤية أسمائكم تتصدّر قائمة الأثرياء وهو لا يجد ما يطعم أولاده. لقد اكتفى من أخبار صفقاتكم وهدركم للمال العام.

لقد اكتفى إلى حدّ طفح فيه الكيل. ويوم يتحرّك، لا بروتوكول ولا أصول ولا إتيكيت ستمنعه من رمي كلّ فاسد في مزابل التاريخ.

Exit mobile version