
وادي قنوبين – بعدسة الزميل الياس الشدياق
عام 2002، كتب جورج حايك كتابًا حمل عنوان “وادي قاديشا من الأعماق الى القمم”، تناول في صفحاته تاريخ هذا الوادي المقدس الجغرافي والسياحي.
يبدو أن الكاتب لم يكتفِ برمزية الوادي المقدس “من بعيد لبعيد”، فدفعه شغفه الى الغوص أكثر في أعماق هذا المكان الذي عاش فيه وعاشه النساك والرهبان، فزار المكان مجددًا محاولًا إكتشاف الرمزية الروحانية المارونية الموجودة هناك.
اليوم، كتب حايك تحت عنوان “رحلة في الوادي المقدس… حوار مع ناسك”، كتابًا اراده أن يكون مدخلًا لسرد “حياة النساك” وتجسيدًا لحوار مع الراهب الناسك يوحنّا خوند الذي عاش حياته متنقلًا بين الوادي المقدس ودير مار أنطونيوس – قزحيا.
كتب حايك في مقدمة كتابه: “كلما زرت قاديشا أعود منتشيًا كأن بين النسمة النقية هناك والروح، صلة ذات لغز محتجب عن العقول، وجل ما أعرفه أنني كل مرة أترك فيها ذاك المكان، أعود حاملًا في وجداني شيئًا من تراث كنسي ماروني عريق يلهمني بما عليّ أن أخبر عنه حين تنضج الفكرة في داخلي”.
يصف حايك علاقته بوادي القديسين “بالعشق” رغم العيش في ضوضاء المدينة، وقد اختار الراهب خوند لخوض التجربة معه، متخذًا دور التلميذ الذي يصغي الى معلمه، ويشير في حديث خاص لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أن هذا الكتاب يرتكز على 4 مميزات تتمحور حولها حياة النساك، ويشرح: ”
ـ الأرض، إذ يعتبر هؤلاء النساك أن الرب الإله خلق الإنسان من التراب ونفح فيه نسمة الحياة، ومن هذا المنطلق يهتم النساك بالأرض مصدر عيشهم وبقائهم، يقدرونها فتصبح من أولوياتهم لانهم يرون فيها مساعدة للخالق في عملية الخلق.
ـ المذبح، أي حين ينتقل النساك من “حياة” الأرض الى مذبح الكنيسة، فيتشاركون الذبيحة الإلهية يوم الأحد المبارك، باعتبار ان كل ما يقومون به هو خدمة للرب، ويحملون هذا القداس طيلة الأسبوع فيحميهم من الوحدة.
ـ الكلمة، وهنا نعني الكتاب المقدس، وطبعًا نحن كمسيحيين نؤمن بتعاليم “الكتاب” ونعيش حياتنا الروحية واليومية بحسب هذه التعاليم، ويعتبر النساك ان هذه الكلمة هي الطريق الأوحد الى الرب.
ـ الإنسان، وهي ميزة لا تقل أهمية عن سابقاتها”، ويوضح حايك لموقعنا، نقلًا عن الناسك خوند، أن النساك بطبيعتهم يحبّون الإنسان ويتقبلونه كما هو، مشيرًا الى انهم تنسكّوا لخدمة الرب وذكر الإنسان بصلواتهم وليس هربًا منه، ويذكرونه في مغاورهم أو في أوقات العمل حين يجمعون “الزوادة” لتقديمها الى أقنوم الدير وهو بدوره يعطيهم زوادتهم اليومية.
ويعرب حايك عن خشيته التعرض للإنتقادات، خصوصًا وأن موضوع الروحانية المارونية دقيق للغاية من جهة، ومتشعب بفروعه وفصوله من جهة أخرى، لكنه يؤكد في المقابل جهوزيته وإنفتاحه لأي إنتقاد، مشيرًا الى ان انه لم يتناول في كتابه ما يثير النعرات أو حفيظة الكنيسة، حريصًا على الإلتزام بمبادئ وتعاليم الكنيسة باعتبار ان “المارونية عقيدة أكثر من ايمان”.
ويشرح حايك حقيقة شعوره بالصمت الموجود في الوادي واصفًا إياه بالـ”مقدس” الذي نسمع من خلاله الهمسة الإلهية، ونرى فيه العيون المقدسة التي تلحقنا وترعانا.
ويلفت الى نقطة بالغة الأهمية، وهي الحرية الإنسانية التي تجبر الإنسان على الوقوع بالتجربة، متمثّلًا بيسوع المسيح وبطرس عندما كانا في بستان الزيتون وأتى اليهود لإعتقال يسوع، قائلين لبطرس: “نريد يسوع المسيح” فقال لهم: “انا هو”… فسقطوا أرضًا. وعندما عادوا لإعتقاله وشهر بطرس سيفه للدفاع عن المخلص، وضع يسوع يده على يد بطرس فشلّت يده ووقع السيف، باترًا أذن الجندي، والمغزى ان بطرس بحرية منه حاول قتل الجندي ويسوع بحرية منه أعاد له أذنه الى مكانها.
ختامًا، يؤكد حايك أن إهداء هذا الكتاب الى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع يعود الى ان “الحكيم” لديه عمق في الإيمان وإلمام بالنزعة المسيحية، وخاض بتجربته المريرة في السجن، حياة النساك وتجربتهم.
وادي قاديشا كما غيره من المواقع الدينية في لبنان التي لا يستهان بها، عمود من أعمدة الديانة المسيحية، عاشه عدد كبير من الرهبان والنساك والقديسين على مرّ العصور. وادي قاديشا رمز من رموز بلد القداسة والإيمان، ومن هنا لا يمكن إلا رفع القبعة لهذا الكتاب الذي يشكل قيمة مضافة للواقع المسيحي في لبنان، في زمن أصبحت الصلاة فيه نادرة، وزيارة المعابد والمراجع الدينية “كزدورة”.


